دع عنكَ رسمَ الديارِ… ودعْ صِفات القفارِ

وعدِّ عنْ ذِكرِ قومٍ… قدْ أكثروا في العُقارِ

ودع صِفاتِ الزنانيرِ في حضورِ العذاري

وصفْ رغيفًا سريًّا…  حكته شمسُ النهارِ

أو صورةُ البدرِ لما اسْتتمَّ في الاستِدارِ

 كما لو كان يخاطب شعراءً قادمين ويدعوهم للتخلي عن وصف الديار والتفرغ لوصف رغيف الخبز الذي صار عزيزًا بسبب فقر الحال، قال هذه الأبيات عاذر بن شاكر، المعروف بأبي المخفف، وهو شاعر عاش في بغداد في العصر العباسي، وبالفعل ظهر لاحقًا – في العصر المملوكي- كثير من الشعراء كتبوا بالفصحى أحيانًا، وبالعامية أحيانًا أخرى، قصائد عديدة لا يصفون فيها وجه القمر مثل غيرهم من الشعراء، بل يصفون رغيف الخبز الذي يرونه من بعيد، ولا ينالونه لضيق ذات اليد.

اخترق الجوع الحياة الشعرية بشكل أكثر من غيره في العصر المملوكي، مثلما صار الجوع سمة أساسية في حياة الشعب بسبب ممارسات الحكام الذين حرَّضوا على إقصاء الشعب ودفع المجتمع للانشغال بنفسه؛ حتى لا يفكر في الخروج من شرنقة الظلم والاستبداد. 

لم يحلِّق أغلب الشعراء في عصر المماليك بعيدًا عن واقعهم كما فعل كثيرون غيرهم، بل اشتبكوا مع الواقع وصوروه على حقيقته مهما بدا بؤسه، وبقدر ما صور الشعراء واقعهم في لغة بسيطة، فإنها كانت بعيدة عن السطحية والتقريرية، وقادرة على الالتصاق بأحاسيس الشاعر، ومليئة بألوان البديع والمفارقات المعنوية والتصويرية.

يشير مفهوم الأدب الشعبي إلى ما أنتجه الشعب بأفراده وجماعاته في مختلف المجالات، إنه الوثيقة التي يقدم بها الشعب نفسه بنفسه، والأدب الموجَّه إلى عامة الناس؛ ينطلق من الشعب ويعود إليه، فيجسد همومه ومشاعره وتطلعاته، وأهم ما يميِّز الأدب الشعبي هو اعتماده على التقاليد الشفوية بحيث يعتمد في تداوله على «الحكي»، والرواية، ويُقال في الساحات العمومية والأسواق والحفلات الشعبية مثل المواسم، والأفراح.

ورغم أن تسمية الاتجاهات الشعرية التي تعبر عن هموم الناس بشعر النزعات الشعبية، قد توحي بضعف القيمة الفنية، فإن هذا الإخلاص للواقع لا يؤثر بالضرورة في التوهج الشعري، فملامسة هموم الشعب والمعاناة الإنسانية تخلق تجربة شعرية يثريها الصدق ويصقلها، فتنتج قصائد بديعة، سجلها لنا تاريخ العصر المملوكي الذي ازدهر فيه الأدب الشعبي وبلغ أوج ازدهاره، فكيف عاش الشعراء الشعبيون في ذلك العصر؟ وكيف جسدوا أحوال المجتمع ومعاناته؟

لا مكان للشعراء في قصور الحكم

ازدهر الأدب الشعبي في العصر المملوكي حين ترك الفساد آثارًا واضحة على الحياة الاقتصادية في المجتمع، وظهرت ظهورًا أوضح في الريف، حيث خربت معظم الأراضي الزراعية وهرب معظم الفلاحين بسبب ما تعرضوا له من ظلم أتباع السلطة، وشاعت السخرة فكان عمال السلطان يقبضون على الناس وهم نيام، ومن على أبواب الجوامع؛ للعمل في عمائر السلطان دون أجر، ونخر الفقر والجوع عظام البنى الاجتماعية المختلفة.

لم يكن هناك مكان للشعراء في بلاط السلاطين والأمراء إلا فيما ندر، ولم يحظ الشعراء بالمنح والعطايا؛ فراحوا يبحثون عن وسيلة لكسب المال من الحرف والمهن، فكان منهم الجزار، والشاعر، والوراق، والحمامي، والصائغ، والخياط، والعطار، والكحال. وهكذا اقتربوا من وجدان الناس وعايشوا معاناتهم؛ فصوروا في قصائدهم أحداث الحياة اليومية، وتداول الناس أشعارهم بالتورية بألقابهم أحيانًا للتعريف بهم، ولحمايتهم من غضب الحكام. 

كان محمد بن دانيال الموصلي حكيمًا، وكان دكانه داخل باب الفتوح في القاهرة، وكان إبراهيم المعمار حائكًا، وهم من أبرز شعراء ذلك العصر، ومن شعراء العصر المملوكي أيضًا أبو الحسين الجزَّار، الذي ولد بالفسطاط عام 601هـ، وأحب الشعر منذ صغره فترك الجزارة – حرفة أبيه – واتصل بالحكام والأمراء فمدحهم لينال من عطاياهم، لكنها لم تكن كافية؛ فأصابه الفقر وكتب يشكو الحاجة وتغير الأيام، وحين وجد أن مهنة الأدب لم تُدِر عليه الرزق عاد إلى حرفة الجزارة، التي لم تخرجه أيضًا من دائرة الفقر، فانتهى به الأمر للسخرية من حرفته أيضًا، وهجاء الزمان الذي لم تنفع فيه حرفة الجزارة، ولا مهنة الأدب.

السخرية والفكاهة بين المجاعات والأوبئة

انتشرت المجاعات والأوبئة وصاحبها شعر شعبي ساخر عبَّر عما شعر به الناس، وما واجهوا به مرارة الواقع، حتى إنهم في إحدى السنوات قالوا ساخرين إن كل شيء مات في هذه السنة، حتى السنة نفسها، وهو أمر سجله ابن تغري بردي في وباء أصاب الناس عام 853هـ فقال يصف حالهم: «شوهدوا في شوارع القاهرة وهم يضحكون ويهزلون على حين كان الوباء يحصد منهم في اليوم الواحد عشرة آلاف نفس على الأقل».

وكثرت الأشعار التي تصف جوع الأطفال وقلة حيلة رب الأسرة، الذي لا يجد ما يعيلهم به، فوصف البوصيري حرمان أولاده وكيف يأتي العيد عليهم ولا يجدون كعكة أو حلوى، ويرونها فقط في أيدي الأطفال الآخرين، وكيف أنهم سألوه وهم يرونه يخرج للعمل دون أن يأتيهم بما يسد رمقهم، هل يعمل سخرة؟

أما ابن دانيال فيصف الجوع في ثوب فكاهي، فيقول إن القطط هجرت بيته، والنمل أيضًا؛ إذ لم يجد ما يأكله، ويصف السراج الوراق ما فعله الجوع بالمتخاصمين في بيته 

قد أصلح الجوع بين القط والفار… عندي لإدبار حظي أي إدبارِ

ورقَّ هذا لذا من سقمه فهما… كعاشق وخيال نحوه ساري 

تاريخ

منذ 7 شهور
المقاومة بالأهازيج والشعر.. هكذا سخر العامة من حكامهم المماليك

وفي تهكم على ما يقاسيه يقول ابن نباتة قصيدة حول رحلته إلى الشام في البحث عن عمل، ويسميها سيرة البطال، وكأنها تحكي عن أحد الأبطال أو الفرسان في تهكم على أحواله:

 ودعِ استماع تغزُّلى   وتعشُّقي… ما ذا زمان العشق والأغزالِ

طولَ النهارِ لباب ذا من باب ذا… أسعى لعمر أبيك سعىَّ ظلالِ

لا حظَّ لي في ذاك إلا أنهُ…   قد خَفّ من طول المسيرِ طُحالي

حُرم العامة مما اعتادوا عليه من الأطعمة والحلوى المتنوعة منذ أيام الفاطميين، وكانت أصناف أخرى من الطعام والحلوى موضوع قصائد الشعراء، وراح أبو الحسين الجزار، وهو الشاعر الذي لم تكفه مهنته ليخرج من دائرة الفقر؛ إذ لم يجد من يشتري منه اللحم، فراح يصف الكنافة والقطايف الرمضانية: 

ما رأت عيني الكنافة إلا… عند بياعها على الدكان  

وضاقت الحال أكثر في أيام تالية، فوصف الشعراء رغيف الخبز بدقة وصدق يشي بتجربة حقيقية لجوع شديد، صار معه الرغيف بعيد المنال بالفعل، حتى إنه صار موضوعًا لقسم شاعر مجهول: 

قسمًا بلوح الخبز عند خروجه… من فرنه وله الغداة بخار

ورغائف منه تروقك وهي في… سحب الثِفال كأنها أقمار 

وكان بين أشهر من قال الشعر في وصف الطعام ابن سودون الذي وصفه أحدهم بأنه « ذو خيال جائع»، وهو يصف طعامًا زهيدًا مثل القلقاس والملوخية والمدمس، وتمنى بعضهم حين رأى استحالة تحقيق حلمه بالحصول على الطعام الذي يحبه، أن يرى هذا الطعام ولو حتى في المنام.

في مواجهة المحن.. الأدب الصوفي والمديح النبوي 

وفيما كانت قصائد كثيرة تتخذ الفكاهة سبيلها للتعبير عن الجوع، فإن قسوته دفعت شعراء مثل ابن دقيق العيد لوصف حيرته بين عزة نفسه، وبين التصريح بمعاناته وسؤال الناس:

لعمري ما قاسيت بالفقر شدة… وقعت بها في حيرة وشتات

فإن بحت بالشكوى هتكت مروءتي… وإن لم أبح بالصبر خفت مماتي

وكان، وهو العالم الفقيه الذي تولى القضاء دون أن يخضع للسلطان، يعزل نفسه حين «يسمع ما يكره»، وقال عنه تاج الدين السبكي: «لم ندرك أحدًا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة، المشار إليه في الحديث المصطفوي النبوي، وأنه أستاذ زمانه علمًا ودينًا».

اٍلى الله أشكو من وجودي  فإنني… تعبتُ به مذ كنتُ في   مبتدا العُمْرِ

نروح ونغدو والمنايا فجائعُ…       تُكّدرهُ والموتُ خاتمة   الأمرِ   

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مساجد القاهرة «الحرام».. قصصٌ من عصر المماليك الغائب الحاضر

وكانت القصائد التي تصف الفقر وتشكو ضيق الحال تمتزج أحيانًا بالزهد والتوجه اٍلى الله، وتغلف بحسٍّ صوفي، كما في قول جمال الدين بن نباتة:

أستغفر الله لا مالي ولا ولدي… آسى عليه إذا ضم  الثرى جسدي

عِفْتُ الإقامة في الدنيا لو انشرَحَتْ… حالي فكيف وما حظِّي سوى النكدِ

وقد صَدَئْتُ ولي تحت  التراب جلا…. إن الترابَ   لجَلَّاءٌ لكل صَدِي

كان معظم المبدعين من الفقهاء والوعاظ والمتصوفة والحرفيين، وقد حظوا بنصيب من الثقافة اللغوية والدينية، وكان لديهم وعي بالأحداث السياسية والتاريخية ما رفع من قيمة إبداعاتهم، وتعددت الفنون الشعرية الشعبية التي انتشرت بين العامة، ومنها الموشح، والدوبيت، والزجل، والمواليا، وكانت تنتقل شفهيًّا بينهم، واستخدمت الحركة والتلحين والإشارة أحيانًا لإضفاء معنى عليها، وكان الشعراء الشعبيون يعرفون شيئًا من الموسيقى، ولديهم قدر من موهبة الأداء، وهكذا كان التدوين ينتقص من جماليتها ويحرمنا من التعرف إلى طرق غنائها، لكنه حفظ كلماتها على الأقل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد