“اكتشفت في وقت مبكر أن الصهيونية ليست حلاً للمسألة اليهودية، بل هي أسوأ إجابة حولها، كنت أؤمن منذ سن المراهقة بأن ممارسة المواطنة بالكامل هي المفتاح لحلّ المسألة اليهودية”. سيون آسيدون، مناضل مغربي ذو أصول يهودية ضد الصهيونية.

تفتح الزيارة المرتقبة لشمعون بيريز نحو المغرب النقاش القديم الجديد؛ موضوع تطبيع العلاقة مع إسرائيل، ومحل هذا التطبيع في دائرة المصالح المغربية.

نحاول في هذا التقرير سبر حقيقة أبعاد هذه العلاقة، التي ينظر إليها أنصار القومية والقضية الفلسطينية بشكل عام بعين الارتياب والرفض، كما سنرصد الشروط التاريخية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي تضفي على المغرب نوعا من الخصوصية، بخلاف البلدان العربية والإسلامية الأخرى التي تعقد علاقات مع إسرائيل.

قبل كل شيء ما سياق زيارة بيريز للمغرب؟

ينتظر المغرب زيارة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز بداية شهر مايو، الأمر الذي جعل مجموعة من التنظيمات المناوئة لإسرائيل تعلن احتجاجها، رافضة حضور شخصيات إسرائيلية إلى المغرب، وتدعو إلى قطع العلاقات نهائيا مع هذا الكيان.

وتأتي زيارة بيريز القادمة في سياق حضوره الاجتماع الافتتاحي “مبادرة كلينتون العالمية للشرق الأوسط وأفريقيا”، التي تنظمها مؤسسة كلينتون الأمريكية، وسيعقد هذا النشاط بمدينة مراكش ما بين 5 و7 من شهر مايو.

هذه الزيارة المرتقبة لشخصية إسرائيلية بارزة إلى المغرب، وإن كان ذلك خارج الإطار الرسمي، لن تمر دون ضجة، فقد أعلنت مجموعة من القوى الاحتجاجية المدنية ذات توجهات إسلامية ويسارية، رفضها لهذا التطبيع مع دولة مثل إسرائيل، حيث وصفت الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة التابعة لجماعة العدل والإحسان الإسلامية بيريز بـ”كبير الإرهابيين، وحضوره يعد استهتارا جديدا بمشاعر الشعب المغربي المناصر للقضية الفلسطينية”، أما مجموعة العمل من أجل فلسطين ذات التوجه اليساري فقد استنكرت الزيارة بشدة، وخطب منسقها في تصريح صحفي “بيريز يعد شخصًا متطرفًا ساهم في مجزرة قانا عام 1996 بجنوب لبنان، وأطالب العاهل المغربي بالتدخل من أجل منعه من الدخول إلى التراب الوطني”.


وقد أشعل مجموعة من رواد الفيسبوك المغاربة حملات دعائية على الموقع الاجتماعي، تحث على منع وطء الإسرائيلي شمعون بيريز أرض المغرب، الذي يصفونه بـ”المجرم”.

أما خارجيا فطالبت حماس في بيان لها السلطات المغربية بإعادة النظر في الزيارة القادمة لشمعون بيريز، مبررة “أن من شأن هذه الزيارة أن تعمل على تجميل وجه إسرائيل أمام العالم، وستفتح بوابة التطبيع الخطيرة أمامها”، مضيفة “بأنها تمس مشاعر الشعب الفلسطيني وكل الشعوب الغاضبة على الاحتلال والمتعاطفة مع عدالة القضية الفلسطينية”.

وبالمقابل، فإن هناك من يعتبر أن المصالح السياسية والاقتصادية للمغرب فوق كل قضية خارجية في رأيهم، خصوصا وأن الزيارة ليست في إطار رسمي، كما أنه حتى الآن لم يصدر من أي حزب سياسي مغربي بيانٌ رسمي يستنكر فيه هذه الزيارة المرتقبة، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية الإسلامي.

وكان البرلمان المغربي قبل عام قد فشل في إخراج قانون يجرم التطبيع مع إسرائيل إلى الوجود، بعد ضغوطات من قوى شعبية ومدنية دفعت بقضية التطبيع إلى غرفة مجلس النواب.

ماذا يريد المغرب من التطبيع مع إسرائيل؟

ليس هناك علاقة رسمية بين المغرب وإسرائيل، على الأقل على المستوى الدبلوماسي، كما أن عموم المغاربة لديهم شعور عميق بالتعاطف مع الفلسطينيين، علاوة على أن القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الخطاب الشعبي لدى التيارات الإسلامية واليسارية سواء، لكن بالمقابل هناك بعض التطبيع الاقتصادي والثقافي مع الكيان الإسرائيلي من قبل شخصيات نخبوية ومنظمات مدنية وشركات اقتصادية، وهو ما يستنكره في كل مرة المعارضون للسياسة الإسرائيلية.

في الحقيقة، الصورة حول العلاقة بين المغرب وإسرائيل ليست بالبساطة التي قد يتصورها المراقب، خصوصا المراقب المشرقي؛ إذ أن للمغرب خصوصية مع اليهود، فهم يعتبرون جزءا من تاريخه الحضاري ومكونا من نسيجه الاجتماعي قبل هجرات اليهود المغاربة إلى إسرائيل، كما أن المجتمع المغربي، حسب المركز الأمريكي لحرية الأديان، يعد أكثر انفتاحا من كل المجتمعات العربية في تعاملها مع اليهود دون الإسرائليين، بل إن المغاربة يتقبلون ممارسة اليهود شعائرهم ومعتقداتهم الدينية بحرية أكثر من المسيحيين وفق تقرير المركز لسنة 2013.

خصوصية الرابط التاريخي والحضاري بين المغاربة واليهود، تستغلها الدولة بطريقة براغماتية في نسج علاقتها مع إسرائيل منذ عهد الحسن الثاني، حيث كان النظام آنذاك يستفيد من الخبرة السياسية والاستخباراتية لإسرائيل مقابل ترك الأخيرة ربط صلتها بهوية طائفتها اليهودية بالمغرب، ذلك ما تفيده وثائق أفرجت عنها الاستخبارات الإسرائيلية، كانت إسرائيل في تلك الفترة تنظر إلى المغرب باعتباره مفتاحا لقلوب العرب بينما تنظر الرباط إلى تل أبيب باعتبارها مفتاحا لقلب واشنطن، لكن مع وصول الملك محمد السادس إلى العرش أصبح المغرب أكثر تحفظا في علاقته مع الكيان الإسرائيلي دون أن تنقطع نهائيا.

تريد الرباط في سياق علاقتها مع إسرائيل من جهة أولى، أن تنظر إليها واشنطن كدولة على الأقل غير مهددة لإسرائيل، وأن ترى فيها أوروبا فجوة الانفتاح الديني في منطقة عربية مغلقة، للحفاظ على المصالح السياسية والاقتصادية المغربية أساسا، وبالموازاة مع ذلك تريد الرباط أيضا من جهة ثانية أن ينظر إليها الشارع المغربي وأنصار القضية الفلسطينية عموما بكونها زعيمة الحق الفلسطيني، سواء بدا ذلك من خلال ترؤسها للجنة القدس، التي تأسست عام 1975 على يد منظمة التعاون الإسلامي للدفاع عن القضية الفلسطينية وتقديم المساعدات الإسلامية للعرب في القدس، أو استقبالها لوفود مختلف الفصائل الفلسطينية أو غير ذلك من أشكال المناصرة، وهذا الأمر يسمح للنظام المغربي كذلك بعدم ترك المجال مفتوحا للتيارات الإسلامية واليسارية، التي توظف القضية الفلسطينية، وما لها من وقع في قلوب الشعوب العربية عموما، في خطابها الشعبي.

عودة إلى الزيارة المرتقبة لشمعون بيريز إلى مراكش، بالطبع بإمكان الدولة المغربية منعها وإن كانت لا تدخل هذه الزيارة في العلاقات الرسمية، إلا أن الرباط لا ترغب في كل الأحوال التضحية بمصالحها العسكرية والسياسية، التي تراهن في تحقيقها على ما تصفه بالانفتاح الديني والثقافي.

يعد المغرب حليفا للولايات المتحدة الأمريكية، وله مصالح عسكرية معها، تتجلى في تحديث عتاده الحربي، حيث كان من بين البلدان العربية القلائل التي سمحت واشنطن بتصدير إليه طائرات إف16، التي يراعي الكونغرس الأمريكي قبل إيرادها لأي دولة عدم كونها مصدر تهديد لإسرائيل، كما أنه مقبل على عدة صفقات عسكرية أخرى في إطار سياسة التحديث لعتاد الجيش المغربي.

تنتظر المنطقة المغاربية في الشهور القريبة القادمة جولة مفاوضات برعاية أممية بين المغرب وجماعة البوليساريو حول الصحراء، ويبدو مؤخرا أن المغرب قد حقق مكاسب سياسية مهمة لصالح قضيته الترابية، بنجاحه في ترويج مشروع الحكم الذاتي كحل لهذه القضية، الذي لقي ترحابا في معظم بلدان العالم، وهو لا يريد على أية حال تنفيذ أي إجراء “عدائي” تجاه إسرائيل، من شأنه أن يخسر به ثقة الدول المؤيدة لإسرائيل مثل فرنسا وأمريكا.

وطبعا الجزائر لا تفوت فرصة توظيف مثل هذه الزيارات التي تقوم بها شخصيات إسرائيلية أحيانا إلى المغرب، في نزاعها السياسي مع الرباط عبر ماكيناتها الإعلامية.

لكن ما قصة اليهود المغاربة؟

بالفعل عاش اليهود في المغرب منذ العصور القديمة، وكانوا جزءًا مكونًا للنسيج الاجتماعي المغربي قبل هجرة معظمهم نحو إسرائيل في القرن الماضي، ولا يزال حتى الآن 4000 يهودي يعيش في المغرب حسب إحصاءات المركز الأمريكي لحرية الأديان.

تقول الدراسات التاريخية أن اليهود قدموا إلى المغرب منذ خراب الهيكل سنة 586 قبل الميلاد، وتوالى قدومهم بعد ذلك، لكن أكبر هجرات اليهود نحو المغرب كانت سنة 1492م عندما طردتهم المماليك القشتالية الإسبانية مع المسلمين من الأندلس، حيث قام المسيحيون بتطهير ديني ضد المورسكيين بعد سقوط المماليك الأندلسية.

ويقدر عدد القادمين آنذاك ب 200 ألف يهودي حسب كتب مؤرخين يهود، استقبلهم المغاربة شأنهم شأن باقي طوائف شعب المورسكيين بتسامح وآووهم من ظلم الإسبان، فاختلط اليهود بساكنة مختلف المناطق المغربية، يقول الباحث اليهودي المغربي شمعون ليفي في كتابه “أبحاث في التاريخ والحضارة اليهودية” إن بعض مدن المغرب مثل الصويرة وشفشاون والجديدة كانت تحتضن نسبة اليهود أكثر من المسلمين.

شيوخ يهود مغاربة بإحدى دروب الدار البيضاء

ونتيجة لهذا الاختلاط في الحياة بين اليهود القلة والمسلمين في المغرب، فقد أثر كل منهما في الآخر على المستوى الاجتماعي والثقافي والعادات والتقاليد نتيجة التلاقح الحضاري، وقد أحصت دراسات حول أولياء وقديسي اليهود بالمغرب، وجود 652 وليا ضمنهم 126 مشتركا بين المسلمين واليهود، و15 وليا مسلما يقدسه اليهود، و90 وليا يهوديا عند المسلمين، ويتنازعون في 36 وليا كل ينسبه إليه، ولا يزال اليهود حتى الآن يحيون احتفالات دينية في بعض الأضرحة المغربية سنويا.

لكن منذ قيام الصهاينة ببناء وطنهم القومي في أرض فلسطين سارع اليهود من مختلف بلدان العالم، حيث يهود المغرب لم يكونوا استثناء، للهجرة نحو إسرائيل، ما أدى إلى انقراضهم في المغرب وإن كان بعضهم لا يزال يدين لبلده الأم بالحنين، ما يجعلهم يقومون بزيارات سياحية نحوه، وللإنصاف فلم ينخرط كل اليهود المغاربة في المشروع الصهيوني، حيث إن بعضهم رفض الذهاب إلى أرض إسرائيل ويعارضون سياساتها في حق الفلسطينيين، مثل الباحث شمعون ليفي أحد مؤسسي الحزب الشيوعي المغربي، وآسيون أسيدون المناضل الحقوقي البارز، والمستشار الملكي أندري أزولاي، والكاتب إدمون عمران المالح.

لقد كان الوجود التاريخي للأقلية اليهودية في المغرب داخل سياق أملته شروط اقتصادية وأمنية واجتماعية، إلا أنه يتم بعث هذه العلاقة التاريخية إلى الحياة في كل فترة، بالاستعانة بأطروحة التعايش “النسبي” في تلك الفترة، تعزيزا لمصالح سياسية واقتصادية وأمنية تخدم مجموعة من الأطراف الدولية والمحلية.

هل فعلا سيأتي بيريز إلى المغرب؟ وما مدى الضجة الداخلية والخارجية التي قد تحدثها هذه الزيارة إن تمت؟ وماذا سيكون رد فعل السلطات الرسمية المغربية تجاهها؟ لننتظر الأيام القريبة القادمة ستخبرنا.


المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!