هل فكرتَ يومًا أن تطَّلع على الثقافة الإيرانية بعيدًا عن السياسة؟ الأدب والموسيقى والشِّعر وبقيَّة الفُرُوع الأخرى لحضارة إيران، التي تمتدُّ لقرون طويلة من قبل ميلاد المسيح عليه السلام. هل تعَّرفت أو سمعت الموسيقى الفارسيَّة؟ كيف تأثرت بموسيقات حضارات غيرها وكيف أثَّرت على الموسيقى العربية، واشتهر في بلاد العرب موسيقيين فرس وعلماء موسيقى كالفارابي وابن سينا؟ في هذا التقرير نأخذك في جولة مع الموسيقى الفارسية التي تنطوي على روح الشرق الساحرة الباهرة.

عبق التاريخ أولًا

يعود تاريخ الموسيقى الفارسية إلى آلاف السنين منذ عهد حضارة عيلام ومرورًا ببقية الحضارات التي مرت من أرض فارس، صارت الموسيقى ظاهرة جدًا وازدهرت في عصور الساسانيين لأنها كانت في الطقوس الدينية للعبادة الزرادشتية. مما يشاع كذلك أنَّ الإسكندر الأكبر بعد أن غزا بلاد المشرق افتتن بموسيقى الشَّرق جدًا، بعض الكُتاب يقول أن هذا الموقف يعكس ما كانت تعاني منه الموسيقى الإغريقية مقابل ما كانت تتميز به موسيقى الشَّرق الساحرة.

وفقًا للباحث والناقد الموسيقي الإيراني فتح الله ناصح بور فإنّ السِّجلَّات التاريخية القديمة تؤكِّد على وجود الموسيقى في فارس القديمة. أقدم هذه السجلات يعود إلى الألفيَّة الخامسة قبل الميلاد. وفقًا لتلكَ السجلات فقد كانت أقدم الآلات الموسيقية في العالم موجودة في إيران، وهذه الآلات الأقدم هي: آلة الهارب والطبل. في فارس القديمة كانت توجد آلة موسيقية تسمى القوبوز «آلة العِشق» وهي آلة تعود جذورها إلى 6000 عام تقريبًا.

موسيقى السنتور الفارسي، الذي يشبه موسيقى القانون في الآلات العربية

العَرَاقة والتأثير الخارجي

حتَّمت المنطقة الجغرافية للإمبراطوريات التي حكمت «فارس»عليها أن تزداد اتساعًا أو انحصارًا وفقًا للعوامل التي تحيط بها أو الزمن الذي تعيشه. فحتى هذه اللحظة توجد علاقات ثقافية وحضارية قوية بين إيران والدول المجاورة لها، بالتأكيد هذه الصلات الثقافيَّة بالمقام الأول تؤثر في الموسيقى الإيرانية كما تتأثر بها الموسيقى الإيرانية كذلك. ناهينا عن ذلك فإن الموقع الجغرافيّ لإيران يجعلها ملتقى المشرق والمغرب معًا فمن ناحية تأثرت الموسيقى الإيرانية بدايات القرن الماضي عندما كانت تربطها علاقات قوية بروسيا بالموسيقى العسكرية الروسية، بينما تأثرت أكثر بالغرب إبان حكم الشاه.

الموسيقى الإيرانية التقليدية تتداخل فيها الكثير من الروافد لثقافات وحضارات أخرى. وتعتبر الموسيقى الهندية صاحبة التأثير الأكبر على الموسيقى الفارسية، فقد طلب بهرام ملك الساسانيين من ملك الهند (والد زوجته) أن يرسل معهُ 1200 موسيقي هندي ليمتِّعُوا الإيرانيين بموسيقاهم. كما أشار أبو ريحان البيروني إلى هذا التأثر. أبرز هذه التأثيرات أنّ بعض الآلات الموسيقية الهندية شائعة في الموسيقى الإيرانية كآلتي: القان والداراي. من الناحية الأخرى تتأثر الموسيقى الهنديَّة كذلك بالموسيقى الإيرانية، فالتأثُّر بينهما كان متبادلًا، فالسلطان الهندي أكبر شاه كان في بلاطه موسيقيين إيرانيين من بينهم الموسيقي والشاعر أمير خسرو دهلوي.

كذلك يمكننا الحديث عن التأثر الصيني بالموسيقى الإيرانية. فقد تمّ نقل بعض الآلات الإيرانية إلى الصين ومنها آلتي: السورنا والبارات (العود الإيراني).

موسيقى الربابة

الآلات الخاصة للموسيقى الفارسية

للموسيقى الفارسية التقليدية بعض الآلات الخاصة بها، فالعود الإيراني مثلًا يختلف عن العود العربي، لكنّ هذه الاختلافات ليست وحدها، فهذه بعض الآلات التي اخترعت في فارس وباتت جزءًا من المخيال الموسيقي للإيرانيين:

(1) القوبوز (آلة العشق): يُقال أنَّها تعتبر الآلة الأُمّ لجميع الآلات الموسيقية التي يتمّ العزف عليها في الشَّرق الأوسط. وقد عُرفت منذ 500 سنة وحتَّى الآن باسم آلة العشق، وهي آلة قديمة جدًا ووفقًا لبعض وثائق علم الآثار تعود جذورها إلى 6000 سنة تقريبًا. أي أنها كانت مشهورة بين قبائل السومريين.

(2) الـ چنگ: أحد الآلات الوترية الموسيقية الفارسية القديمة وقد كانت منتشرة على نطاق شعبي كبير خلال عهد الحكم الساساني. تظهر الآلة في اللوحات الجدارية الفارسية القديمة، وقد تغيَّر شكلها بتطوُّر صناعتها منذ ما يقارب 4 آلاف سنة قبل الميلاد. تُعزف هذه الآلة في الأغلب من قبل النساء، وتشهد الآن محاولات إحيائها من جديد مع الموسيقى الجديدة.

(3) سه تار: وهي أحد الآلات الوترية التي تنتمي لعائلة العود. وتتكون الكلمة من مقطعين «سه» يعني ثلاثة، وكلمة «Tar» تعني وتر، وهي آلة بثلاث أوتار. أضيف إليها وترٌ رابع فيما بعد. نشأت في بلاد فارس قبل انتشار الإسلام وتستخدم على نطاقٍ واسع في جميع أنحاء إيران وآسيا الوسطى.

موسيقى سه تار الساحرة

الموسيقيين الفرس في التاريخ الإسلامي

يُعرَف العديد من الموسيقيين الإيرانيين وعلماء الموسيقى كذلك في التاريخ الإسلامي، ولربما لم يخرج موسيقيون كبار من العرب مثل ما خرج من الفُرس. ربما بسابق تأثير الثقافة الفارسية الممتدة لسنين طويلة قبل الميلاد والتي كانت الموسيقى أحد الروافد الأساسية لهذه الثقافة، خصوصًا أنها كانت تستخدم في الطقوس الدينية للديانة الزرادشتية. مع فتح بلاد فارس كاملةً ومع صعود الخلافة الأموية تشابكت الثقافات واختلطت فتأثرت ببعضها البعض، بدأت الموسيقى الفارسية في العصر الأُموي تأخذ وضعها مع انتشار المغنيين والموسيقيين في قصور الخلفاء ومجالس الوزراء والمترفين.

يذكر المؤرِّخون أنّ أحد ذوي الأصول الفارسية وهو «سائب خاثر» كان مولًى لعبد الله بن جعفر، كان عبد الله قد سمع أحد المغنيين الفُرس (اسمه نشيط الفارسي) يغني فأعجب به، فقال له سائب: أنا أصنعُ لك مثل غناء هذا الفارسيّ بالعربية. وهو أول من صنع العود بالمدينة وغنَّى به، وقد كان أوَّلَ صوتٍ يغنَّى به في الإسلام من الغناء العربي المتقن الصنعة، وفقًا لأبي الفرج الأصفهاني في كتابه الأشهر: الأغاني. إذن فقد كان أول غناء عربي متقن الصنعة متأثرًا بالموسيقى الفارسية. وقد تأثرت الموسيقى العربية بالموسيقى الفارسية كثيرًا وربما كان تأثير الموسيقى الفارسية هو الأقوى والأبرز في الموسيقى العربية خصوصًا أنّ صعود الموسيقى الفارسية ازداد ارتفاعًا مع وصول العباسيين للسلطة الذين اعتمدوا على الفرس في إقامة دولتهم وإدارتها.

الناي الفارسي يختلف كذلك في تكوينه عن الناي العربي

ربما يضيق مجال التقرير عن ذكر بعض الموسيقيين الفرس الذين أثرَوا الحياة الموسيقية العربية والشرقية عمومًا إبان الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة. لكننا نذكر هنا أن الفارابي الفيلسوف ذو الأصل الفارسي، لهُ مؤلفات هامة جدًا في الموسيقى، كتابه الأهمّ كتاب: الموسيقى الكبير، وكتاب المدخل إلى صناعة الموسيقى. وفقًا لمؤرخين عديدين فإنّ الفارابي هو من طوَّر آلة القانون الموسيقية، كما قدَّم وصفًا في كتبه عن آلة الرباب الموسيقية ذات الوتر الواحد. والوترين المتساويين في الغلظة، كما يعتبر هو أول من عرَّف صناعة الموسيقى ومصطلح الموسيقى. بعض الأسماء والأصوات الموسيقية كان الفارابي هو من وضع اسمها وما زالت تستعمل حتى اليوم.

ليس الفارابي طبعًا أول العلماء والفلاسفة المسلمين الذين اهتموا بالموسيقى وأثروها كما أثرَوا غيرها من العلوم، هناك الشيخ الرئيس ابن سينا كذلك، كما أنّ هناك بعض الموسيقيين العرب الذين استفادوا من الموسيقى الفارسية وتعلموها وبدؤوا الغناء العربي بموسيقى فارسية كسعيد بن مسجح على سبيل المثال، أو أنّ هناك فرسًا وفدوا إلى بلاد العرب وانتشروا في بلاطات الأمراء والخلفاء ونشروا معهم موسيقاهم مثل ابن محرز تلميذ ابن مسجح.

ماذا إذا اجتمعت آلة السنتور والتنبك؟ لتستمع إذن لفضل الله توكل وجهانشاه برومند

«عرقيات» موسيقية!

تتهادى الموسيقى الفارسية بين الكثير من الثقافات التي تجمعها حضارة واحدة، فهناك موسيقى الأكراد وموسيقى البُلوش والخراسان والتركمان وغيرهم، لكلِّ عرق موسيقاه التي يعتزّ بها ويعزفها بآلاته الخاصة به. يمكنك أن تستمع لفرقة «رستاك» التي تحاول أن تغني وتعزف موسيقات مختلفة للعرقيات التي تنضوي تحت الحضارة والثقافة الفارسية

فرقة رستاك

عرض التعليقات
تحميل المزيد