«ما تراه في نفسك يحدد من أنت»، هكذا يشير بعض خبراء علم النفس؛ إذ يرون أن رؤيتنا لذواتنا في الحقيقة هي التي تشكلها وليس العكس، لطالما كانت طبيعة «الشخصيات» البشرية شيئًا حير علماء النفس باستمرار. إذ تغيرت وجهات النظر عبر الزمن حول ما هي «الشخصية»؟ وكيف تتكون؟ وكيف تتفرد عن غيرها من الشخصيات؟ ومن هذه التغيرات نشأت مفاهيم جديدة قد تساعدنا على فهم أعمق لذواتنا. من وحي ذلك نناقش في السطور التالية طبيعة الشخصية في علم النفس، وكيف يمكننا إحداث التغييرات على أنفسنا.

تاريخ «الشخصية» في علم النفس.. غريزية لا تتغير

هل تساءلت يومًا ما الذي يميزنا باعتبارنا أفرادًا عن بعضنا البعض؟ في الحقيقة، أشياء كثيرة جدًا، سمات وأفكار وآراء ومعتقدات وحياة اجتماعية وبيئة محيطة، كل هذا بالإضافةِ إلى ما ورثناه عن أسلافنا من صفات جسدية وعوامل بيولوجية ساهمت في تحديد من نكون.

يقول ستاجنر، مؤلف كتاب «سيكولوجية الشخصية» أن الشخصية الإنسانية؛ هي بالتأكيد أكبر ظاهرة معقدة درسها العلم، وهو محق، إذ يعتمد تحليل الشخصية الإنسانية على السمات الجسمانية والعقلية والوجدانية كافة مجتمعين، ولهذا هي كفيلة بتمييز كل فرد عن غيره. يطلق عليها في الإنجليزية اسم «Personality»، وهو المشتق من الأصل اللاتيني «Persona» والذي يعني القناع، نسبةً إلى الأقنعة التي كان يرتديها الممثلون في العصور القديمة عند القدوم على تمثيل دور ما، للظهورِ بمظهرٍ معين.

 تغيرت وجهات نظر علماء النفس حول ماهية الشخصية عبر عقود من البحث؛ البداية من النظرة الفرويدية التي تُعرف بـ«الحتمية النفسية» وتفسر السلوك البشري باعتباره أمرًا حتميًا تحدده سابقًا مجموعة من الغرائز الفطرية والتفاعلات الحيوية والبيولوجية. إذ تعد تلك الفطرة الحتمية بالنسبة إلى عالم النفس النمساوي الشهير، سيجموند فرويد، هي ما يحدد طبيعة شخصية الفرد، وبالتالي لا يملك الفرد أي قدر من التحكم فيها لأن الغرائز -تبعًا لهذه النظرية- تخلق الدوافع الخاصة بالسلوك، وليس بيدنا سوى محاولة التكيف مع طبيعتنا. 

كانت تلك النظرة السوداوية للشخصية الإنسانية تعني أنه لا سبيل لتغييرها؛ إذ محكوم علينا أن نتعايش معها إلى الأبد لأنها جزء من فطرتنا. لم يختلف كثيرًا عالم النفس السويسري كارل يونج عن معلمه فرويد فيما يتعلق بطبيعة الشخصية الإنسانية الثابتة؛ إذ قدم هو الآخر تفسيرًا لطبيعة النفس البشرية. مزيجًا بين اللاوعي الفردي و«اللاوعي الجمعي»، والذي اعتبره يونج يمثل كل ما توارثناه عن أجدادنا عبر الزمن وأصبح جزءًا لا يتجزأ من طبيعتنا البشرية، غير القابلة للتغيير.

(كارل يونج يشرح الانطوائي والانبساطي في أنماط الشخصية)

كان ذلك يمثل الأنماط الأولية للنفس البشرية، التي وضعها يونج في كتابه «الأنماط النفسية» جنبًا إلى جنب عوامل أساسية أخرى يشكلون معًا هويتنا؛ وهما توجه الطاقة النفسية. استخدم يونج الانفتاح والانغلاق واصفًا علاقة الفرد بالمحيط الخارجي والداخلي، والإدراك، وهي القدرة الذهنية للفرد على تحليل ما يصل إليه من معلومات وكيفية استقباله لها.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
كارل يونج وفرويد.. «صداقة العلم» لم تستمر بسبب مشاكل شخصيّة!

من وحي هذه الرؤية نتجت العديد من النظريات العلمية الخاصة بطبيعتنا «الشخصية» والتي فصل فيها الباحثون ما بين «الشخصية ونوع الشخصية» باعتبارهما أمرين منفصلين عن بعضهم البعض لأول مرة، مستفيدين من نظرية يونج؛ إذ رأوا أنه إذا كانت الشخصيات تتغير باستمرار، فإن نوع الشخصية ثابت لا يتغير، إذ يمثل النمط الأولي للنفس البشرية.

اختبارات أنواع الشخصية «حيلة»

إذا كان «علم الشخصية» بهذا التعقيد والاختلاف فما الذي نعرفه عن «اختبارات الشخصية» المنتشرة على الإنترنت؟ هل هي علمية ودقيقة؟ وهل بإمكانها حقًا سبر أغوارنا واستبيان حقيقة من نحن؟ عن ذلك يجيب الكاتب والطبيب النفسي بنجامين هاردي، قائلًا أن اختبارات الشخصية المنتشرة هذه تستخدم أنماطًا جامدة وبالغة القِدم في تصنيف الشخصيات؛ إذ تعتمد في بنائها على تقسيم الشخصيات إلى «أنواع»، وهو ما أثبت علم النفس المعاصر خطأه.

بعض هذه الاختبارات قد تجده سخيفًا جدًا، بحسب مجلة «ساينتفك أمريكان»؛ إذ يعطي إجابات شبه واحدة للجميع. البعض الآخر يستخدم بعض التقنيات العلمية في عمل استبيانات أكثر جودة؛ وهي الاختبارات التي تتطلب دفع المال للحصول عليها؛ إلا أنها في الوقت ذاته غير مرشحة من قبل الخبراء الذين يصفونها بأنها «لا تستحق الأموال المدفوعة»، وذلك لكونها بحسبهم تشبه «التنجيم» والعلوم الزائفة؛ وتعطي معلومات مغلوطة.

Embed from Getty Images

نحن بحسب خبراء النفس، «أكثر تعقيدًا» مما يمكن لتلك الاختبارات تحليله واستبيانه. ربما كانت تلك التفسيرات سائدة قديمًا، قبل نشأة المداخل الحديثة لدراسة الشخصية، والتي كان منها «نظرية العوامل الخمسة الكبرى»؛ التي تعد من النماذج الأكثر انتشارًا في علم النفس المعاصر، وفيها يمكن تحليل الشخصية من خلال خمسة متغيرات مختلفة تكون ذواتنا هي: «الضمير والانبساط (عدم التحفظ) والوفاق والعصابية والانفتاح على التجارب».

بدأت «اختبارات الشخصية» في التطور منذ قرن من الزمان. تحديدًا خلال «الحرب العالمية الأولى»، وقد كان الهدف منها دراسة وتحليل سمات الأفراد وسلوكهم وفقًا لمبادئ الصحة النفسية والعقلية. كانت تلك الاختبارات مطلوبة حينذاك للجيش الأمريكي، الذي أراد أن يحسن اختيار الجنود المناسبين لقيادة الطائرات العسكرية، وفي الوقت ذاته استبعاد الجنود غير اللائقين. وخلال النصف الأول من القرن العشرين تطورت تلك الاختبارات نحو تحليل سمات الشخصية بدلًا من الكشف على الصحة العقلية، ومن القرن العشرين لم ينج سوى اختبار شخصية واحد من مذبحة الزمن والمغالطات العلمية، وهو ما يعرف بـ«سمات الشخصية الخمس الكبار».

جرى تطوير نموذج الخمس الكبار عام 1961، وعلى مدار ثلاثة عقود تم تحديثه على يد مجموعة من الخبراء وعلماء النفس حتى وصل النموذج إلى شكله الحديث. بالنسبة إلى علم النفس المعاصر، لم يعد ينظر إلى الشخصية على أنها «نوع»، بل مجموعة من العوامل التي تتحد معًا وتمتزج لتشكل هويتنا وسمات الشخصية الخاصة بنا؛ وأن التغير الطفيف داخل أي عامل من هذه العوامل سيؤثر حتمًا في طبيعة شخصيتنا، التي بحسب نظرية الخمس الكبار، يمكن أن تتغير باستمرار.

هكذا «نتغير» كلما مضينا قدمًا

في كتابه «الشخصية ليست دائمة»، يشير الطبيب النفسي بنجامين هاردي إلى أن «الشخصية» تتغير بمعدل كبير تقريبًا كل 10 سنوات وفقًا للأبحاث الأخيرة، وأنه يمكن التنبؤ بمستوى التغيير الذي نختبره في المستقبل، فقط بإلقاء نظرة سريعة على مستوى التغيير الذي حققناه بالفعل في السنوات العشر الأخيرة من حياتنا. بحسب هاردي الشخصية تتغير على مدار حياتنا.

يشير الطبيب النفسي إلى أن أية شخصية مهما كانت طبيعتها لا يمكن أن تصنف باعتبارها نوعًا واحدًا جامدًا لا يتأثر بمسار الأحداث في الحياة؛ فكلما مضينا قدمًا، تغيرنا. بل ويشير هاردي إلى أننا غالبًا ما نقوم ببناء رؤيتنا للمستقبل بناءً على نظرتنا الذاتية الحالية لأنفسنا، وهو خطأ؛ لأنه يقلل من أهمية التغيير المحتمل في المستقبل. والأكثر واقعية هو أن نرى أنفسنا في المستقبل شخصًا مختلفًا.

(بنجامين هاردي عن كتابه الشخصية غير الدائمة)

في الحقيقة؛ يتناول هاردي في كتابه نقطة أكثر أهمية من ذلك؛ إذ يشير إلى إمكانية إحداث التغيير المرجو في حياتنا؛ مؤكدًا على قدرة نظرتنا إلى «ذاتنا المستقبلية» في التأثير على مَن نكون الآن وبالتالي تغيير مَن سنصبح.

يعتمد هذا التغيير في الأساس على مستوى «التحفيز» الذي نخلقه لأنفسنا، فالنفس البشرية تمتاز بالمرونة والكفاءة اللازمة لإحداث التغييرات الكبرى وكل ما يلزمها هو القدر المناسب من التحفيز والنظرة الواضحة للذات المستقبلية التي نرجوها، بحسب هاردي. وهو ما يدلل على تأثير الطريقة التي نرى بها أنفسنا في تشكيل الهوية وإجراء التغييرات فيها.

صحة

منذ 11 شهر
تميل إلى القلق والانعزال؟ ربما تتبع «نمط الشخصية D» في تقسيم الشخصيات

«الأشخاص الذين يتمكنون من تغيير حياتهم لديهم رؤى مختلفة ومنفتحة ومرنة حول أنفسهم»، يقول هاردي مستشهدًا بأن أنجح الشخصيات في العالم يبنون سردهم الداخلي حول ذاتهم المستقبلية وليس الماضية؛ لذا إن كنت ترغب حقًا في إجراء التغيير على حياتك، ما عليك سوى أن تتخلص من التركيز على ذاتك الماضية باعتبارها كيانًا جامدًا يمثلك، والانفتاح على «الذات المستقبلية المرجوة». وذلك حتى لا تدع الماضي يعيقك عن التطلع إلى الأمام.

المصادر

تحميل المزيد