تشهد الولاية الأولى للرئيس الأمريكي، جو بايدن، عواصف سياسيّة أدَّت إلى تراجع شعبيَّته بشدَّة، خصوصًا مع ارتفاع الإصابات بفيروس كورونا وتذمُّر الرأي العام من الخطة الحكومية لمجابهة الجائحة، ناهيك عن فشله في حشد دعم الكونجرس لمشروعه الطموح للإنفاق الاجتماعي الضخم الذي يقدَّر بـ1.7 تريليونات دولار، بالإضافة إلى عملية الانسحاب المرتبكة من أفغانستان التي استغلَّها خصومه لانتقاد ظروف ونتائج العمليَّة التي أسفرت عن سيطرة حركة «طالبان» على السلطة وانهيار الجيش الأفغاني.

فلم يكد يمرُّ عام على تنصيب بايدن رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية حتى بدأ الحديث عن الانتخابات الرئاسية القادمة في 2024 وعن مرشَّحي الحزب الديمقراطي المحتملين، ويعود السبب في هذا – بالإضافة إلى الدورة الانتخابية القصيرة في الولايات المتحدة – إلى التراجع الحاد في شعبية جو بايدن وتشكُّك البعض من قدرته الجسدية والعقلية في إتمام العهدة الرئاسية، وهو ما جعل الكثيرين يستبعدون ترشُّحه لعهدة رئاسية جديدة.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي جو بايدن

وفي العادة، يكون المترشِّح الأكثر حظوظًا لخلافة الرئيس الأمريكي هو نائبه الذي يجري انتخابهما معًا في البطاقة الانتخابية نفسها؛ إلا أن نائبة الرئيس، كامالا هاريس، تعاني هي الأخرى من انخفاض حادٍّ في شعبيَّتها، أكثر من جو بايدن نفسه، وبالمقارنة مع شعبية نائب الرئيس السابق دونالد ترامب، مايك بانس في الفترة نفسها، يتَّضح أن كامالا هاريس تحوز القليل في استطلاعات الرأي.

فعندما أعلن جو بايدن اختيار كامالا هاريس نائبة له في السباق الرئاسي، احتفى الكثيرون بهذا الاختيار باعتبار هاريس أوَّل امرأة تصل لهذا المنصب منذ تأسيس الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أنَّها من أصل هندي؛ إلا أن تصريحاتها الإعلامية بالإضافة إلى الانتقادات الموجَّهة إليها في التعامل مع الملفَّات التي أُسندت لها من طرف جو بايدن، وعلى رأسها التعامل مع موجة اللاجئين القادمين من أمريكا اللاتينية إلى الولايات المتَّحدة؛ جعلها تتراجع بشدَّة في استطلاعات الرأي، لتبلغ شعبيتها في آخر استطلاع 28% فقط.

وعلى ضوء هذه الأرقام المُقلقة، وبالنظر إلى حالة جو بايدن الصحية وتقدُّمه في العمر (سيبلغ 81 سنة في سنة 2024)، يفكِّر الحزب الديمقراطي في الدفع بمرشَّح جديد إلى الواجهة السياسية من أجل المنافسة في انتخابات 2024 الرئاسية؛ خصوصًا وأن الرئيس السابق، دونالد ترامب، ألمح إلى أنَّه قرَّر الترشُّح لولاية أخرى واستعادة مقعده في البيت الأبيض بعد هزيمة يصرُّ على عدم الاعتراف بها؛ لذا تتَّجه الأنظار إلى وزير النقل الذي خطف الأضواء في الانتخابات التمهيدية سنة 2019، الشاب ذي 39 سنة، بيت بوتيجيج.

بيت بوتيجيج.. ما الذي يعنيه وجود وزير «مثلي» في الإدارة الأمريكية 

عند قراءة السيرة الذاتية لبيت بوتيجيج والمراحل التي مرَّ بها خلال دراسته ثم دخوله عالم السياسة وصعوده المدوِّي والمفاجئ، يبدو وزير النقل في إدارة بايدن، بوتيجيج، وكأنه أقرب إلى الشخصية التي جرى تصميمها في «مختبر» لكي يكون فاعلًا في مراكز القيادة كما وصفه أحد الكتَّاب بأنه «لو اجتمع المديرون الاستشاريون لكي يصمِّموا مرشحًا ديمقراطيًّا أبيض تقدميًّا فسيكون بوتيجيج هو النتيجة».

Embed from Getty Images
بيت بوتيجيج

فبالإضافة إلى تكوينه الجامعي في أرقى جامعات الولايات المتحدة وبريطانيا: هارفارد وأوكسفورد، فإنه لا يخجل من ميوله الجنسية المثلية، ويظهر في مختلف المناسبات العامة مع «زوجه»، الأستاذ في المدرسة الثانوية، إلا أن ذلك لم يمنعه من تأكيد إيمانه بالدين المسيحي وأن الدين يلعب دورًا مهمًّا في حياته.

الوظائف التي تقلَّدها بيت بوتيجيج تحوم كلُّها حول عالم السياسة منذ انتهاء دراسته الجامعية في 2005؛ إذ عمل في مؤسَّسة «تروما» للأمن القومي التابعة للحزب الديمقراطي، كما عمل في شركة «ماكينزي» للاستشارات الإدارية؛ هذا بالإضافة إلى عددٍ من المراكز الوظيفية في الحملات الانتخابية لعدَّة مرشَّحين، مثل حملة جون كيري للرئاسة سنة 2004 وحملة تومبسون حاكمًا لولاية إنديانا.

دولي

منذ أسبوعين
مترجم: بعد العراق وأفغانستان.. لماذا اعتمد الجيش الأمريكي ميزانية 768 مليار دولار؟

وقد انضمَّ بيت بوتيجيج سنة 2009 إلى جيش الاحتياط الأمريكي، وفي عام 2014 أخذ استراحة من منصبه محافظًا لمدينته من أجل الانضمام للجيش، وعمل في وحدة استخباراتية في قاعدة بجرام الجويَّة في أفغانستان، وكانت مهمَّته تفكيك شبكات الدعم المالي لحركة «طالبان»، فضلًا عن عمله سائقًا مسلَّحًا في الجيش في محيط مدينة كابول.

​​وبالإضافة إلى عمله محافظًا لمدينة في ولاية إنديانا، فإن كونه مجنَّدًا سابقًا في الجيش الأمريكي ساهم بشكل كبير في رسم صورة شخصيته السياسية بوصفه «وطنيًّا» خدم بلاده ضمن القوَّات المسلَّحة، الأمر الذي من شأنه رفع أسهمه لدى فئة قدامى المحاربين التي تبلغ 17 مليون فرد.

سطع نجم بيت بوتيجيج السياسي بعد فوزه المفاجئ في الانتخابات التمهيدية بمدينة آيوا، وهي المدينة الأولى التي تبدأ بها الانتخابات التمهيدية التي يختار بموجبها الناخبون مرشَّح الحزب الديمقراطي للرئاسة؛ وفي حين أن نتائج الاستطلاع أسفرت عن تنافس كلٍّ من السيناتور بيرني ساندرز وإليزابيث وورن؛ فإن بوتيجيج استطاع أن يسرق الصدارة منهما، بسبب حملته الانتخابية النشيطة والموسَّعة، وقد ساعده في ذلك – إلى جانب خطابه الذي يحاول مدَّ الجسور بين اليمين واليسار – حداثة سنِّه ونشاطه مقابل المرشحين المتقدِّمين في السنِّ من أمثال إليزابيث وورن (72 سنة،) وبيرني ساندرز (80 سنة)، وجو بايدن (79 سنة).

فإنَّ بيت بوتيجيج لم ينجح في البناء على هذه النتائج للوصول إلى شرائح انتخابية جديدة؛ إذ بقيت أرقامه لدى الأقليات شديدة التدنِّي – وبالتحديد لدى الأمريكيين من أصل أفريقي ولاتيني الذين يشكِّلون 30 من كتلة الحزب الديمقراطي- وهو ما أدى به في النهاية إلى الانسحاب من السباق الانتخابي قبل «الثلاثاء الممتاز»، الذي شهد فوزًا ساحقًا للرئيس جو بايدن على حساب مرشَّح أقصى اليسار، بيرني ساندرز.

وتشير بعض التحليلات إلى أن انسحاب بيت بوتيجيج وإعلان دعمه لجو بايدن، جاء من أجل قطع الطريق على السيناتور ساندرز، خصوصًا وأن سياسات بوتيجيج يمكن تصنفيها في تيَّار الوسط، ومن ثم فإن استمراره في السباق الانتخابي كان سيعني الأخذ من حصَّة بايدن الانتخابية، وهو ما سيصبُّ في مصلحة برني ساندرز.

وتلقَّى بيت بوتيجيج مُكافأة مُجزية على انحيازه إلى جو بايدن على حساب ساندرز؛ إذ عيَّنه الرئيس بايدن وزيرًا للنقل في إدارته، كما حصل على ميزانية ضخمة بفضل قانون البنية التحتية الجديد، مما سيرفع اسمه بصورة معتبرة تمهيدًا لموعد انتخابات 2024، وقد احتفت الصحافة بهذا التعيين بصفته أوَّل وزير مثلي في الإدارة الأمريكية.

فبالنسبة لبوتيجيج، لا تبدو هويَّته الجنسيَّة مجرَّد تفصيل هامشي في شخصيته السياسيَّة، أو محصورة في نطاق الحياة الخاصَّة، فخلال حملته الانتخابية في سنة 2019، لم يُخف بوتيجيج توجُّهاته الجنسية المثليَّة، وظهر علانيَّة مع «زوجه» في المناسبات العامة، كما قدَّم خطابات لعدَّة مجموعات مُدافعة عن المثليين، وشارك تجربته وقلقه والشكوك التي ساورته حول هويَّته الجنسية وعن مدى تقبُّل المجتمع لحقيقته مع وسائل الإعلام.

لكن الوجه التقدُّمي والابتسامات التي يوزِّعها بوتيجيج على أنصاره والوعود بتشجيع التنوُّع والتسامح؛ تناقضه آراء بوتيجيج المناصرة لإسرائيل حدَّ التطرُّف، ففي الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات الناقدة للاحتلال الإسرائيلي داخل الحزب الديمقراطي، ينظر بوتيجيج إلى إسرائيل بوصفها «نموذجًا يحتذى به» في التصدِّي «للتهديدات الأمنية» في إشارة للفلسطينيين، وقد اتَّهم حركة حماس بالمسؤولية عن الحصار الذي تشنُّه إسرائيل على قطاع غزَّة، ومباشرة بعد عودته من زيارة لإسرائيل، امتدحها بوصفها أنموذجًا للولايات المتحدة.

هل تمهِّد «سياسات الهويَّة» لعودة ترامب في 2024؟ 

يحذر بعض المحلِّلين من أن اتجاه الحزب الديمقراطي إلى ترشيح الثنائي كامالا هاريس وبيت بوتيجيج قد يكون أكبر هديَّة للحزب الجمهوري، والذي يستعدُّ عضوه الرئيس السابق، دونالد ترامب، للترشُّح في 2024 حسبما ألمح في لقاءات صحفية مؤخَّرًا.

فاعتماد الديمقراطيين على كل من نائبة الرئيس كامالا هاريس، بوصفها أوَّل امرأة من أصل هندي في منصب مماثل، بالإضافة إلى بيت بوتيجيج أول وزير مِثلي في الإدارة الأمريكية من شأنه أن يقوِّي موقف التيَّار المحافظ ويزيد من شعبيَّته، حسب بعض المحلِّلين؛ وذلك لاعتماد الحزب الديمقراطي على «سياسات الهويَّة» بصورة مفرطة، وتعرف «سياسات الهوية» بأنها القرارات التي يجري اتخاذها استجابة لمطالب المجموعات على أساس العرقية أو الجنسية أو الدينية أو الاجتماعية، كأن يجري تعيين شخصية في منصب سياسي فقط لمجرَّد كونها من مجموعة عرقية أو دينية ما تشجيعًا لمبدأ التنوُّع.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب

ويرى معارضو الحزب الديمقراطي أنَّ الحزب أصبح مركِّزًا على قضايا الأقليات مثل الخلفيات العرقية، والتوجُّهات الجنسية، والقضايا النسويَّة أكثر من تركيزه على تحقيق إنجازات حقيقية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي؛ يبدو ذلك واضحًا في ردِّ بعض الأصوات المحسوبة على الحزب الديمقراطي حول الانتقادات الموجَّهة لأداء نائبة الرئيس، بالقول إنَّ هاريس تُنتقد بسبب كونها امرأة، وهو الرأي الذي تبنَّته الناطقة الرسمية للبيت الأبيض في أحد اللقاءات الصحفية؛ مما يعصم نائبة الرئيس من أي نقد محتمل على أدائها السياسي.

تركيز الحزب الديمقراطي على قضايا الهويَّات جعلته في نظر الكثيرين منقطعًا عن انشغالات رجل الشارع البسيط وهمومه، وتُستحضر هنا الانتخابات الرئاسية لسنة 2016 بين هيلاري كلينتون وترامب؛ إذ جرى تسليط الضوء بشدَّة على كلينتون بوصفها ستكون «أوَّل امرأة تصل لمنصب لرئاسة» والرمزية التي تحملها بالنسبة للنساء، بدل التركيز على الخطط الاقتصادية والاجتماعية للطبقة العاملة، أو قضايا مثل الرعاية الصحيَّة والبطالة وغيرها، وهو ما أدى إلى فوز دونالد ترامب، فهل سيتكرَّر السيناريو ذاته في انتخابات 2024؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد