تلوح «البتراء النبطية» اليوم كباقي وشمٍ سمّاقي اللون، صرحٌ شامخٌ يعود بك إلى فترة عرف فيها العرب الأنباط مجدهم قبل أن تدخل مملكتهم في طيّ النسيان. لم تكن فيما مضى مزارًا أو موقعًا سياحيًّا كما نراها اليوم؛ بل كان المجيءُ إليها جهادًا وطوق نجاة لكل القوافل التجارية المترددة جيئة وذهابًا على طريق الحرير في شبه الجزيرة العربية.

وكأن البتراء لم تكن يومًا مهجورة أو منسية؛ بل كانت تتجمّل لتطلّ على العالم شامخةً من جديد، ومن المعتاد أن تتفتّح الورود في البساتين الغنّاء، لكن الأنباط نثروا بذور الورد في الصحراء فنبتت في المكان مدينة البتراء. وهي التي تتراءى للناظر كوردة تتفتح مع كل صباح جديد لتخلب بسحرها الألباب، وتأسر عقول زوارها الذين يكتشفونها فجرًا ليقعوا في حبها أصيلًا على ضوء الشموع المتناثرة في أرجائها.

تمتدُّ اليوم محميّة البتراء الأثرية على مساحة تبلغ 264 كم مربع، وكانت البتراء تتميز بموقعها الإستراتيجي، حيث مثّلت قديمًا همزة وصل بين شبه الجزيرة العربية جنوبًا، وبلاد الشام شمالًا نحو أوروبا وحتى الصّين، كان ذلك في عهود ازدهرت فيها تجارة الحرير والتوابل.

تشير البحوث التاريخيّة إلى أن العرب الأنباط هم سكّانها الأصليون، وهم من تركوا فيها إرثًا كبيرًا من الفنّ والنحت، كما جعلوا منها حصنًا يصعب اختراقه من قبل الغزاة، وموقعًا تجاريًّا مهمًّا. وعلى بعد 262 كم جنوب العاصمة الأردنية عمّان، بالتحديد في محافظة معان، تقع البتراء الذي يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن السادس قبل الميلاد.

الازدهار الاقتصادي للبتراء قديمًا

كان اقتصاد مملكة الأنباط يرتكز أساسًا على التجارة، والوساطة، والترانزيت، وعلاقة الأنباط بالسلوقيين، ومن ثم بالرومان.

وانتشر الأنباط على امتداد طريق التجارة الدولية بين البحرالأحمر وسورية، بهدف دعم تجارتهم وإنجاحها بأسهل الطرق، وخصوصًا تجارة الترانزيت التي كانت تدرُّ عليهم أرباحًا تعادل ربع قيمة البضائع في الكثير من الأحيان.

كما تعدُّ تجارة الأسفلت من أقدم أنواع التجارة عند الأنباط، حيث كان يتم بيعه للمصريين الذين كانوا يستعملونه كثيرًا في عمليات التحنيط. ولم يكتفِ الأنباط بذلك؛ بل قاموا بتدعيم أنشطتهم التجارية عن طريق المبادلات التي تتم بين التجار الذين ينزلون في البتراء، حيث تتقاطع أهم الطرق التجارية.

ومنذ ظهور الدولة النبطية واختيارها للبتراء عاصمة لها، وتركيزها على التجارة، بدأ الأنباط بالسيطرة على ما سمّي بطرق القوافل، حيث كانت قوافل الجمال المحملة بالبخور والعنبر والبهارات والعطور آتية من سلطنة عُمان عبر اليمن ومدائن صالح، متجهة نحو البتراء للاستراحة والقيام ببعض المبادلات التجارية في ما بينها، ومن ثم تسلك القوافل طرقها إما نحو الشام شمالًا، وإما باتجاه غزة وسيناء ومصر غربًا.

ونتيجة لتلك العمليات جمع الأنباط مبالغ مالية كبيرة مكّنتهم من إصدار عملة خاصة بهم، وهو ما ساعدهم على إقامة مملكة قوية وذات نفوذ في المنطقة. لم تتوصل البحوث لغاية اليوم إلى تحديد عدد القائمين على الأنشطة الاقتصادية للأنباط، ولا حتى على العناصر التي كانت تسهر على تنظيم سير القوافل وترتيبها الداخلي وحمايتها في تلك الفترة، كما تبقى طبيعة العلاقة بين التجّار والوسطاء والزبائن غامضة، كما هو الأمر بالنسبة لأساليب التخزين وأسس المعاملات المالية.

«المدينة الوردية».. إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة

اليوم وبعد عصور من النسيان والإهمال للمدينة الضائعة، هل تستعيد البتراء ذاكرتها؟ وهل يعود إليها مجدها؟ أسئلة كثيرة تطرح نفسها أمام البتراء التي عادت إليها الحياة بعد عصور من السبات والنسيان. فقد أعاد اكتشافها من جديد الرحالة السويسري الشهير «يوهان لودفيغ بوركهارت» سنة 1812، وهو ما جعل هذه المدينة النبطية الواقعة وسط جبال أدوم واحدة من بين الأماكن الأثرية الأكثر شهرة في المشرق.

ويشار إلى أن المدينة الوردية تتصدر رأس قائمة المواقع الأثرية في الأردن، كما احتلت هذه الأخيرة سنة 2007 المرتبة الثانية ضمن قائمة عجائب الدنيا السبع الجديدة. وبحسب آخر الأرقام الرسمية استقبلت الأردن نحو 4.8 مليون سائح سنة 2015، ويساهم القطاع السياحي بنسبة 13% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تصنف السياحة كأحد أهم مصادر العملة الصعبة، وفُرص العمل.

وحظيت البتراء بقدوم نحو 900 ألف زائر حتى سنة 2010، مقتربة بذلك من الطاقة الاستيعابية التي حددتها لها منظمة اليونسكو والبالغة 1.13 مليون زائر.

عاصمة الأنباط: وردة الصحراء

اليوم لا يكون الدخول إلى البتراء إلا ترجّلًا عبر ذلك السيق العجيب الذي يضيق تارة، ويتّسع أخرى بأرضيته المكسوة بحجارة مبلطة تمتد على مايقارب 1600 متر، والسيق هو بمثابة شقّ صخري عميق متعرِّج يقسم قلب صخرة جبلية وردية مائلة إلى الحمرة إلى شطرين، يصل علوها إلى نحو 80 مترًا، وقد قام الأنباط بتزويد السيق بسدٍّ يحميه من فيضان السيول.

وبعد الخروج من السيق تظهر للزائر لوحة فنية بكل المقاييس، تلك هي الخزنة التي طالما شهدها في الصور، أو على البطاقات البريدية، أو منحوتة على تحف تذكارية صغيرة، وها هي تقفُ أمامه شامخة شاهدة على حضارة لم يعرف التاريخ لها مثيلًا.

وتعود تسميتها بالخزنة إلى الأساطير القديمة التي تقول إن كنوز فرعون المذكورة في قصة موسى عليه السلام مخزنة في نهايتها التي تظهر على شكل مخروطي، والتي توحي إلى «المرمدة» التي يتم فيها وضع رماد الموتى.

ويصل ارتفاع الخزنة إلى نحو 43 مترًا، وعرضها 30 مترًا منحوتة في الصخر تعكس ألوانًا ساحرة لهذه اللوحة الفريدة. ويعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الأول الميلادي، حيث صُمِّمَت لتكون قبرًا لأحد أهم ملوك الأنباط، ولتكون صرحًا أثريًّا يشهد على عظمة المكان، فحينما ترى عينيك مثل هذه التصميمات والنقوش المحفورة في الصخر تعرف أن العرب الأنباط مروا من هنا.

خلف الخزنة تظهر للزائر مدافن محفورة في الصخر إلى جانب المسرح والمدرج الذي يتسع بحسب الخبراء إلى نحو أكثر من ثلاثة آلاف متفرج، وقد تم تشييده على الطراز الروماني. أما الدير، والذي يعدُّ من أبرز المواقع الأثرية التي تضمها البتراء، ديرٌ منحوت من الصخر ينام على مرتفعٍ شامخ، ويمكن الوصول إليه عبر صعود نحو 800 درجة متتالية، وتضم المدينة الوردية متحفين: أحدهما أثري، والآخر نبطي.

وكلا المتحفين يعرضان نماذج من الأدوات والقطع الأثرية المكتشفة من خلال عمليات البحث والتنقيب التي جرت وتجري في البتراء وما حولها من المناطق، كذلك تدل هذه القطع التي يحتويها المتحفان على عراقة «المدينة المنسية».

وتشير البحوث إلى أن الأنباط قد انتهجوا أسلوبين أساسيين في تشييد مبانيهم، أمّا الطريقة الأولى فكانت بواسطة الحفر في الصخر الطبيعي. والثانية فقد كانت عن طريق البناء الحر، واستعمل الأنباط طرق النحت في الصخر الطبيعي لتشكيل الواجهات في العاصمة رقمو/ بترا، وقد كانت عملية الحفر تتم من الأعلى إلى الأسفل حسب رسم كان يخط قبل بداية عملية الحفر.

لؤلؤة الأردن

لم تكن البتراء يومًا أسطورة، وليست مجرد آثار يتم ترميمها من طرف الدولة الأردنية، ولكن البتراء أو مدينة أدوم الصخرية كانت في القديم ركيزة أساسية للتجارة في الجزيرة العربية، كما أن فيها من تفاصيل ظاهرة أو غامضة تدفعنا اليوم للبحث والتنقيب حتى نصل إلى ما وراء حجارة ضخمة سكنها الأنباط لقرون من الزمن.

«إن السياحة في الأردن يمكن أن تتحول إلى نفط الأردن. بل هي أفضل من النفط إذا عرف الأردنيون كيفية استغلال هذا المورد السياحي الفريد وتسويقه في أسواق السياحة والسفر». *سلطان أزلان- ملك ماليزيا.

وغيرها من شهادات من شخصيات مهمة في العالم زاروها، كان انطباعهم الرئيس أنّ البتراء لؤلؤة الأردن المكنونة، ولا يجب أن يخفى على الأردنيين أنه بحوزتهم إحدى عجائب العصر، كنز لا يمكن الاستهانة به.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد