عند الحديث عن أسهم «أرامكو» ومستقبلها ينبغي ذكر تجربة «بتروتشاينا». في نوفمبر (تشرين الثاني) 2007، أي قبل نحو 12 عامًا من الآن، كان العالم على موعد مع طرح أسهم شركة النفط الصينية «بترو تشاينا» العملاقة للتداول في بورصة شنجهاي لأول مرة، وفي غضون ساعات من الطرح أصبحت الشركة هي الأكبر في العالم من ناحية القيمة السوقية حينها، إذ قفزت إلى 1.1 تريليون دولار في بورصتي شنجهاي وهونج كونج، لتكون أول شركة في العالم تتجاوز قيمتها السوقية عتبة التريليون دولار.

قيمة أسهم «بتروتشاينا» خلال أول جلسة تضاعف نحو ثلاث مرات تقريبًا إذ قفزت من 16.7 يوان إلى 43.96 يوان، لكن لم يستمر هذا الأمر لمدة طويلة، فهذه القفزة الصاروخية سرعان ما هوت لتسجل أكبر انهيار في ثروة المساهمين في التاريخ، فبعد عام واحد من فقط من الطرح تراجعت القيمة السوقية للشركة بشكلٍ حاد، إذ هبطت إلى أقل من 260 مليار دولار بنهاية عام 2008، فكيف حدث ذلك؟ وما هي أوجه الشبه بين الشركة الصينية وشركة «أرامكو» السعودية؟ وهل يمكن أن يتكرر سيناريو «بتروتشاينا» مع أسهم «أرامكو»؟ هذا ما سنحاول معرفته خلال السطور القادمة.

كيف انهارت قيمة أسهم «بتروتشاينا»؟

يقول تقرير نشر على موقع «بي بي سي» في السادس من نوفمبر 2007: خلال أول يوم من طرح أسهم شركة النفط الصينية «بترو تشاينا» للتداول في بورصة شنجهاي، تفوقت الشركة على منافستها الأمريكية «إيكسون موبيل» وأصبحت أكبر شركة في العالم من حيث القيمة السوقية، بل باتت قيمة الشركة الصينية السوقية أكثر من ضعف قيمة «إيكسون موبيل» التي وصلت قيمتها في ذلك الوقت إلى 488 مليون دولار أمريكي.

مؤشر أسهم «بترو تشاينا» في عام 2007 – ماركت ووتش

يوضح الرسم البياني السابق المنشور في موقع «ماركت ووتش» القمة التي وصلت إليها أسهم «بترو تشاينا» خلال أولى أيام الطرح في 2007، وهو المستوى الذي لم تصل إليه الشركة مرة أخرى رغم مرور نحو 12 عامًا على هذا الانهيار.

وبحسب تقرير لـ«بلومبرج» فإن المحللين قد أرجعوا هذا الانهيار إلى الأزمة المالية العالمية وانهيار أسعار النفط، فحين وصلت «بتروتشاينا» لأول مرة إلى هذه القيمة السوقية في 2007 كان سعر خام النفط القياسي «برنت» أعلى من 140 دولارًا للبرميل، إلا أن الأسعار انهارت سريعًا لتصل إلى نحو 40 دولارًا للبرميل في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2008.

بينما يرى بعض المحللين أن المضاربات هي التي أدت إلى الارتفاع الصاروخي لسعر أسهم شركة «بتروتشاينا» في بورصة شنجهاي، ففي تلك الفترة كان العالم يمر بمرحلة يمكن تسميتها بمرحلة هوس المضاربات، وربما تكون هناك عوامل أخرى ساهمت في انهيار قيمة «بتروتشاينا»، لكن بشكل عام تظل أسعار النفط والمضاربة العاملين الأساسيين.

وتشير تقديرات «بلومبرج» إلى أن الشركة الصينية فقدت نحو 800 مليار دولار من قيمتها السوقية، بعد مرور 10 سنوات على بلوغ ذروتها، وهذا الرقم كان يكفي لشراء جميع الشركات المدرجة في البورصة الإيطالية في 2017، بينما يكفي هذا المبلغ لتطويق الكرة الأرضية 31 مرة بحبل من العملات فئة 100 دولار.

أوجه الشبه بين «بتروتشاينا» و«أرامكو»

بعيدًا عن الخوض في التفاصيل الخاصة بـ«بتروتشاينا»، لننتقل الآن إلى السؤال الأهم، وهو: هل تشابه بين طرح أسهم «أرامكو» وطرح «بتروتشاينا»؟ في الواقع بالفعل هناك تشابه على عدة أصعدة، فعلى صعيد طبيعة النشاط، نجد أن الشركتين تنتميان إلى قطاع الطاقة، بينما أيضًا الشركتين تمتلكهما حكومة الدولة، وعلى صعيد التوقيت فهناك تشابه كبير بين الأوضاع الاقتصادية العالمية الآن ووقت طرح «بتروتشاينا».

إضافة إلى أن حمى المضاربة التي كانت موجودة في 2007، يعيش العالم حمى مشابهه لها حاليًا، في ظل القفزات التاريخية لأسواق الأسهم العالمية، بينما يتوقع 37% من مديري المحافظ الاستثمارية العالمية أن يتدهور الاقتصاد العالمي في غضون الاثنى عشر شهرًا المقبلة، فهل يعني ذلك أن سيناريو «بتروتشاينا» قد يتكرر مع «أرامكو»؟

بالحديث عن عملاق صناعة النفط «أرامكو السعودية»، نجد أن الشركة حددت نطاقًا سعريًا لإدراجها بما يقدر تقييم بين 1.6 و1.7 تريليون دولار، وذلك خلال طرح أولي يشار إليه بأنه «حدث عالمي»، يخص أكبر منتج للنفط في العالم، والتي تضخ 10% من الإمدادات العالمية، إضافة إلى أن الشركة هي الأكثر ربحية في العالم، إذ ارتفع صافي ربح الشركة في النصف الأول من العام بنسبة 12% إلى 46.9 مليار دولار.

وبوسع المستثمرين الأفراد شراء ما يصل إلى 0.5% من «أرامكو»، أي نحو 8.5 مليار دولار من أسهم «أرامكو»، ويحق للمستثمرين الأفراد السعوديين الحصول على سهم مجاني واحد عن كل 10 أسهم من أسهم «أرامكو» يشترونها إذا احتفظوا بأسهمهم لفترة 180 يومًا على الأقل.

في هذه الحالة يمكن أن يتكرر سيناريو «بتروتشاينا» مع «أرامكو»

ذكرنا أن هناك تشابه على أكثر من جانب بين «بتروتشاينا» و«أرامكو»، لكن هل يمكن أن يتكرر سيناريو انهيار «بترو تشاينا»؟ في الواقع يعتمد ذلك على أسعار النفط بشكل كبير، ففي حال تراجعت أسعار النفط خلال الفترة القادمة بقوة قد يحدث ذلك هزة عنيفة بقيم أسهم «أرامكو».

وترجح «بلومبرج إيكونوميكس» أن يستمر اتجاه هبوط أسعار النفط خلال العام المقبل، وذلك بعد الاتجاه الهابط منذ أبريل (نيسان) الماضي، إذ ترى الوكالة العالمية أن نحو 70% من الهبوط يرجع إلى ضعف الطلب على النفط بفعل التداعيات المرتبطة بالحرب التجارية، بينما 30% يرجع إلى تخمة المعروض من الخام، ولا تستطيع الشركة السعودية تغيير أي شيء بشأن العاملين المذكورين.

وعلى الجانب الآخر لا يستبعد البنك المركزي الروسي تراجع أسعار النفط إلى 25 دولارًا للبرميل في 2020، وذلك ضمن تصوره للمخاطر المحتملة، مشيرًا إلى أن تصور المخاطر المحتملة قد يتحقق في حالة تراجع الطلب على منتجات الطاقة في أنحاء العالم وتدهور توقعات النمو الاقتصادي العالمي، وهذا الاحتمال يعتبر أسوأ كوابيس «أرامكو»، وقد يدفع أسهم «أرامكو» للانتكاس كما حدث مع «بتروتشاينا» في 2008.

لكن على الجانب الآخر، وبالرغم من أن احتمالية الهبوط قائمة، إلا أنه وفق «جولدمان ساكس» فمن المرجح أن تظل أسعار خام برنت حول مستوياتها الحالية في 2020، إذ يتنبأ البنك الاستثماري بإخفاق تباطؤ النمو الاقتصادي والمخاوف الجيوسياسية في إحداث تغيرات كبيرة في سوق النفط، لتدور أسعار خام برنت حول مستوى 60 دولارًا للبرميل في 2020.

وعلى كل حال فإن عدم حدوث سيناريو الهبوط خلال العام القادم لا يعني أن شركة النفط السعودية أصبحت في أمان، إذ سيظل شبح تجربة «بتروتشاينا» قائم، وهو أمر يجب أن يضعه الجميع في الحسبان، فمعاناة أول شركة تريليونية في العالم وصاحبة أكبر قيمة سوقية وقت أول طرح لها، يظل درس مهم لـ«أرامكو» السعودية التي قد تصبح صاحبة أكبر قيمة سوقية بعد انتهاء الطرح الأولي.

إضافة إلى ذلك يجب إدراك أن الأدوات التي كانت تستخدمها الحكومة السعودية في السابق للتأثير على أسعار النفط من حيث خفض الإنتاج أو زيادته، ربما لن تكون موجودة في المستقبل، لأن «أرامكو» قد تواجه مخاطر قضائية تتعلق بالاحتكار، وهو ما قد يقوض من فرص الحكومة في إدراك ما يمكن إدراكه.

جدير بالذكر أن وكالة «بلومبرج» تتوقع أن تنخفض أسعار النفط إلى 45 دولارا للبرميل في حال لم تتخذ أوبك خطوات لزيادة خفض الإنتاج، المطبق منذ يناير (كانون الثاني)، إذ إن الاجتماع المقبل الذي سيعقد بعد أسابيع فقط، لا تبدي «أوبك» وشركاؤها حماسًا تجاهه لاتخاذ خطوات أكثر قوة من أجل تعزيز أسعار النفط.

«فورين بوليسي»: اكتتاب «أرامكو» دون التوقعات.. هل تكون نهاية حلم ابن سلمان؟

المصادر

تحميل المزيد