تزخر الجزائر بثروات بترولية مهمة، لكن لسوء حظها لا تظهر عليها هذه النعمة بالقدر الكافي الذي ينبغي على مستوى التنمية كالشأن مع بلدان الخليج، إذ ساهم الفساد وسوء الإدارة والتدبير في هدر قسط كبير من هذه الثروة، وكما يعلب النفط دورًا محوريًّا في السياسة الخليجية، فنفس الشأن مع الجزائر، لنتعرف ما خفي عن النفط الجزائري مع هذه الأسئلة.

1- ما ثقل النفط في الاقتصاد الجزائري؟

يمكن القول إن النفط هو الركيزة الأساسية الوحيدة للاقتصاد الجزائري، حيث يمثل وحده ما نسبته 60 في المائة من الميزانية العامة، كما أن ما يفوق 97 في المائة من صادرات الجزائر منحصرة في البترول والغاز الطبيعي.


تبلغ العائدات المالية الناجمة عن بيع النفط 60 مليار دولار وفق تصريح وزير الطاقة الجزائري يوسف اليوسفي، ناهيك عن أن الجزائر تحتل المرتبة 15 عالميًّا في احتياطي النفط بما يقارب 45 مليون طن، والمرتبة 18 من حيث الإنتاج، و12 من حيث التصدير، ما يجعلها أحد الدول الأساسية في منظمة أوبك.

بالإضافة إلى ذلك فالجزائر تملك أيضًا ثروات مهمة من الغاز، حيث تحتل المرتبة 5 من حيث الإنتاج والمرتبة 3 في التصدير في العالم، تدر عليها عائدات مالية تقدر بمليارات الدولارات سنويًّا.

وكان اكتشاف الخزانات الهائلة من النفط الصخري بمثابة “هبة إلهية” بالنسبة للجزائر خصوصًا مع استنفاد الكثير من آبار البترول وتراجع الأسعار الدولية. اقرأ هل تختار الجزائر الغاز الصخري أم البيئة؟

تتكفل شركة “سناطراك” الوطنية بإدارة حقول النفط في البلاد، حيث تقوم الجزائر بتكرير نصف موادها البترولية الخام قبل تصديرها.

2- ما دور النفط في السياسة الخارجية الجزائرية؟

بالتأكيد دائمًا هناك علاقة وطيدة بين الاقتصاد والسياسة، حيث كل منهما يؤثر في الآخر، وكون الجزائر تعتمد أساسًا في نشاطها الاقتصادي على النفط، فإن الأخير سيكون له أثر قوي في رسم السياسات الداخلية والخارجية للبلاد.

تنظر الجزائر لثروتها البترولية في سياق العلاقات الخارجية كورقة ضغط يمكن استعمالها في علاقاتها السياسية مع أوروبا وتحديدًا فرنسا، حيث تعد الجزائر ثالث مصدر بالنسبة لأوروبا في تزويدها بحاجياتها الطاقية.

من ناحية أخرى أيضًا توظف الجزائر أموال النفط في نزاعها السياسي مع المغرب، سواء كان ذلك بالإنفاق الباذخ على “ماكينات” الدعاية العالمية أو تمويل لوبيات الضغط داخل أروقة الأمم المتحدة، طمعًا في التأثير على الرأي العام الدولي واستجلاب قرارات أممية مؤيدة لجماعة البولساريو ومعارضة للمغرب، وهو الأمر الذي يفعله الأخير أيضًا.

يضفي كذلك النفط على السياسة الخارجية الجزائرية نوعًا من الصلابة وقوة التأثير، كبلد يحظى باستقلال مالي إلى حد كبير، ولا يعاني من التبعية الاقتصادية بفضل مداخيل النفط الهائلة، التي تمكن الجزائر من التحصل على احتياطات ضخمة من العملة الصعبة، والتحول من بلد مديون قبل عقد من الزمن إلى بلد دائن للبلدان الأخرى.

بدون أن نغفل أن الجزائر تعتمد على الموارد النفطية بشكل أو بآخر في توسيع نفوذها السياسي في البلدان الإفريقية، وهي المنطقة التي يتنافس حولها المغرب أيضًا.

3- هل تشتري الجزائر السلم الاجتماعي بأموال النفط؟

نجح النظام الجزائري في تفادي موجات احتجاج الربيع العربي بشكل يدعو للدهشة، حيث كانت كل المقومات التي تسببت في اندلاع الثورات العربية من فقر وتهميش وفساد وقمع، متوفرة. إلا أنه لم يقع ما كان يتوقعه الكثيرون.

ورغم أن عدم اندلاع احتجاجات عنيفة بالشكل الذي شهدته معظم البلدان العربية يعود في بعض أسبابه إلى عوامل تاريخية وثقافية وأمنية، إلا أن إستراتيجية النفط كانت حاضرة بقوة.

اتجاهات صرف العائدات المالية النفطية بالجزائر

خلال الفترة التي اجتاح فيها الغضب الشعبي البلاد العربية، رفعت الجزائر من حجم الدعم الحكومي الذي يستفيد منه الجميع، وهو يتخذ أشكالًا مختلفة سواء بدا ذلك في المواد المدعمة بنسبة تفوق 50 في المائة وعلى رأسها البنزين والسكر والحليب، أو في الأسعار الرخيصة للغاية للكهرباء والغاز، بالإضافة إلى المنح السخية للمواطنين، ورفع أجور الموظفين، وتمكين الشباب من قروض متوسطة بدون فائدة.

قامت الجزائر باستعمال ثروتها النفطية لشراء السلم الاجتماعي، حيث كان البلد على وشك الانفجار، وهي خطوة لاقت قبولًا شعبيًّا ووفرت شرعية للنظام لفترة أطول.

ووفقًا لرأي الكاتب الأمريكي مايكل روس فإن البلدان المالكة للنفط تستطيع السيطرة على شعوبها أكثر من غيرها، حيث تنفق بسخاء لشراء الولاءات من القطاعات الاجتماعية ولإرضاء الكيانات الداخلية التي قد تهدد بقاءها، وبالتالي فكلما زادت كميات البترول التي يحوزها بلد ما كلما قلت فرص تحوله نحو النظام الديموقراطي، فتصبح النعمة نقمة.

4- أين تذهب أموال النفط الجزائري؟

كما أسلفنا الذكر فالجزائر تملك ثروات بترول هائلة، لكنها لا تشبه دول الخليج النفطية في شيء، الأخيرة التي يغرق جل مواطنيها في البذخ والرفاه، فما السبب إذن؟

تتطلب ساكنة الجزائر التي تتجاوز 40 مليون نسمة، إنفاقًا ضخمًا من أجل توفير خدمات المواطنين ودعم المواد الأساسية، وبذلك يقتطع من حجم الميزانية العامة جزءًا كبيرًا، زد على ذلك المساحة الشاسعة وما تحتاجه من بنيات تحتية وحراسة حدود.

غير أن ذلك في الحقيقة لا يبرر مستوى التنمية الهزيل لبلد يملك ثروة بترولية كبيرة، فالفساد المستشري بالإدارة الجزائرية يلتهم ميزانية الدولة ويفوت عليها فرصًا لتحصل عائدات مالية مهمة بسبب التهرب الضريبي وانتشار الرشوة والمحسوبية، مما يؤدي في الأخير إلى توزيع سيئ للثروة بين أفراد المجتمع الواحد.

وقبل بضعة أشهر ظهر كتاب بعنوان “باريس والجزائر: قصة حب شغوفة” للصحافي كريستوف دوبوا، الذي يعمل في القناة الفرنسية الأولى، وزميلته كرستين ثابت من جريدة “لو جورنال دو ديمانش”، قام الصحفيان بتحقيق معمق حول الممتلكات العقارية الفاخرة التي اشتراها بعض المسؤولين الجزائريين الكبار في أرقى الأحياء الباريسية، ومنهم وزراء وجنرالات ومتنفذون في شركة سوناطراك.

كما يتسبب الإنفاق الضخم للجزائر على التسليح ومؤسستها الأمنية، حيث تعد الأولى إفريقيا بميزانية دفاع تفوق 8 مليار دولار، في تآكل الميزانية العامة، إضافة إلى ذلك نجد سوء التدبير وانعدام الرؤية الإستراتيجية في الصناعة البترولية تهدر الكثير من الأموال والثروة النفطية.

5- ما مستقبل النفط الجزائري؟

في ظل غياب اقتصاد متنوع وشفاف لدى الجزائر فإن مستقبل النفط يعني مستقبل البلد.

سجلت الجزائر في النصف الأول من العام الجاري عجزًا تجاريًّا بلغ 7.78 مليار دولار، مع فائض يقدر بـ3.2 مليار دولار، وذلك جاء نتيجة تراجع أسعار النفط وبالتالي انخفاض إيراداته المالية، ما يجعل اقتصاد الجزائر المرتكز على النفط أساسًا مهددًا على المدى المتوسط بالإفلاس في حال استمرار انخفاض سعر البرميل.

ولأجل ذلك ينصح خبراء الجزائر بإعادة هيكلة اقتصادها وتنويعه، ووضع إستراتيجية اقتصادية متكاملة وشفافة، مع توصيتهم بإلغاء الدعم الحكومي الذي يستنزف مليارات الدولارات سنويًّا مع ذوي الدخل المرتفع، وتقليله مع الفئات الهشة، وصرفه بدل ذلك في تحسين الخدمات الصحية والتعليمية وإطلاق مشاريع خدماتية.

وقد أجرى المعهد البريطاني “تشاتام هاوس” دراسة حول النفط الجزائري، خلص في نهايتها إلى أن الأخير مهدد بالنضوب قبل سنة 2024، نتيجة تزايد الاستهلاك المطرد وتراجع الإنتاج، مما يحتم على الجزائر التفكير في استغلال احتياطات الغاز الصخري المكتشفة باستثمار تقنية التكسير الهيدروليكي رغم الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي تواجه السلطات الرسمية منذ شهور رفضًا لاستغلاله.


عرض التعليقات
تحميل المزيد