جمال النشار 48
جمال النشار 48

2,433

تبدأ الكثير من النظريات العلمية، والفلسفية وغيرها من فروع العلوم بفكرة، أو بتساؤل، ثم تتحول إلى أطروحة تُبنى عليها نظرية، بعدها تأتي المرحلة الأهم والأكثر تعقيدًا وهي الإثبات، والتي تُخرج الأطروحة من العالم النظري غير المُثبت إلى مرحلة الحقيقة المُسلَم بها علميًا.

حدثت مرات تلك العملية غير قابلة للإحصاء، وما زالت تحدث حتى تلك اللحظة فهي في الأغلب البنية الأساسية لما يعرف بالتفكير العلمي والمنطقي السليم التي أخرجت لنا العلوم والنظريات التي نتداولها اليوم، ومن بين تلك الأطروحات تلك التي تختلف عن السياق الاعتيادي لأفكارنا وتراثنا المعرفي الذي قد يعتبره البعض من الثوابت، تلك التي تبحث في أكثر الأفكار غرابة وبُعدًا عن التداول. كما طالعنا مؤخرًا انتشار الجدل بين كروية الأرض وسطحيتها على سبيل المثال.

أطروحة «الزمن الشبح» أيضًا واحدة من تلك النظريات التي تخرج عن السياق التقليدي للطرح العلمي المعتاد لتخبرنا أننا اليوم نعيش في عام 1721 بحساب الفترات الزمنية «المزيفة» بحسب الطرح النظري للزمن الشبح.

هناك من زيَّف التاريخ عمدًا

في العام 1991 طرح الباحث والمؤرخ الألماني «هربرت إليج» ما عُرف بنظريَّة «الزمن الشبح» والتي تتلخَّص في أن الزمن الذي نعيشه بقياس التقويم الميلادي الحالي المعروف أيضًا بالتقويم الجريجوري – نسبة إلى البابا جريجوري الثالث عشر الذي بدأ العمل به – هو تقويم غير صحيح، وأنّ الفترة الواقعة ما بين الأعوام 614 و 911 ميلادية لم تحدث أو أنه تم تأريخها بشكلٍ خاطئ، وأنه بحساب ذلك فإننا لا زلنا نعيش في القرن الثامن عشر؛ أي أن العام 2018 هو في الحقيقة العام 1721.

يفنّد إليج في طرحه فكرة أن كُلا من البابا سيلفستر الثاني بابا الكاثوليك الرومان، والإمبراطور الروماني أوتو الثالث، وقسطنطين السابع أقطاب حكم الإمبراطورية الرومانية في القرن العاشر الميلادي، قد قاموا بتغيير نظام التوقيت لوضع حكم الإمبراطور أوتو في موضع تاريخي بارز وهو الألفية الأولى؛ أي عام 1000 ميلاديًا بالتمام بدلًا من تاريخ تنصيبه إمبراطورًا للرومان في القرن السابع الذي هو بحسب نظرية الزمن والتاريخ الحقيقي لحقبة الإمبراطورين أوتو وقسطنطين.

يطرح إليج أن الثالوث المذكور فعل أيضًا ما هو أكثر من التلاعب بالتاريخ وتغيير نظام التوقيت، بل واتهمهم بالتلاعب بالوثائق التاريخية، وتزوير أحداث تاريخية بعينها، بل إنه يطرح فكرة أن الملك أو الإمبراطور «شارلمان» الشهير في التاريخ الأوربي، والذي حكم ممالك أوروبا الغربية من 768 إلى 814 ميلادية هو شخصية أسطورية غير حقيقية على غرار أسطورة الملك آرثر البريطانية المعروفة، وأنها حقبة مُضافة إلى التاريخ بالكامل لصالح الإمبراطورية.

الدلائل.. تضارب النتائج يعني الكثير

يستند إليج الباحث في التاريخ في طرحه إلى عدة عناصر التي من شأنها تأييد تلك النظرية، وأهمها هو نقص الأدلة الأثرية الملموسة التي تنتمي للفترة المذكورة في التاريخ من 614 إلى 911 ميلادية، وهو نقص أو قصور مثبت علميًا، بعدها يستند الطرح إلى أمر آخر في علم قياس الزمن أو تسلسل الزمن – الكرونولوجي-؛ ألا وهو تضارب بعض النتائج الآتية من القياس الإشعاعي – وهي طريقة تأريخ شهيرة -، وتضارب النتائج الآتية أيضًا من قياس «الحلقات الشجرية» وهي وسيلة أخرى للتأريخ وقياس الزمن؛ وهي تضاربات أو تناقضات قليلة، ولكنها موجودة بالفعل في نتائج تأريخ العينات الأثرية والأعمال الفنية المنتمية لتلك الحقبة والتي جرت في سبعينيات وثمانينات القرن العشرين.

دليل آخر يستند إليه أستاذ جامعي للتاريخ في ألمانيا هو د.«هانز أولريخ نيمتز» الذي يؤيد الأطروحة: وهو النظام المعماري الروماني المعروف بالرومانيسك، والذي كان من المفترض أن يختفي بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية في نهايات القرن الخامس – 476 تحديدًا -؛ لكنه لم يختفِ تمامًا بل ظل متواجدًا في الأعمال الهندسية وظُرز المعمار بكثرة لمدة 5 قرون أخرى وحتى القرن العاشر الذي تم فحص النُظم المعمارية منه، ومن هذا «الدليل» يطرح الباحث فكرة أن بعض الحقب الشهيرة من الإمبراطور شارلمان هي تاريخ غير موجود، بل ومزيف بالكامل.

الأوساط العلمية ترد: نظرية مؤامرة لا أكثر

تمّ تناول هذا الطرح من قبل موقع ZME Since العلمي والذي يعود إلى بدايات القصة، وتحديدًا عام 1986 حيث أقيم أحد المؤتمرات العلمية الأثرية في ميونيخ بألمانيا للدراسات الكنسية يتناول وفرة الوثائق التاريخية المزيفة وتم عرض الكثير من الوثائق المزيفة، والوقائع المُدعاة بأشخاص غير حقيقيين، وأماكن غير حقيقية، وحتى اتفاقيات غير حقيقة، وأغلبها جرى تزييفه بواسطة الكنيسة الإمبراطورية، والذي حضره هربرت إليج صاحب الأطروحة، والذي يبدو أنه تأثر بشدة بهذا المؤتمر الذي فنّد الكثير من الزيف الوثائقي بواسطة الكنيسة.

Embed from Getty Images

بورتريه الإمبراطور شارلمان الذي تدعى النظرية عدم وجوده في التاريخ

ولكن كما يقول العالم الفيزيائي الشهير كارل ساجان: «كُلما كان الادعاء النظري كبيرًا تطلب أدلة كبرى وحاسمة»، ولكن الأدلة التي يطرحها إليج ما هي إلا «ظروف وقتية» لا ترقى إلى الدلائل العلمية المؤكدة، ولكنها دون شك تطرح تساؤلًا جادًا: إلى أي مدى يتم تزييف وقائع التاريخ؛ ذلك الأمر يفتقد دلائل مُشبعة لإثبات «نظرية مؤامرة» بالأساس.

فيزياء الفلك ترد.. لا تناقض

في مقال كتبه الأمريكي «براين كوبرلين» أستاذ الفيزياء الفلكية بمعهد «روشستر» للتكنولوجيا بنيويورك على موقع «فوربس» متناولًا تلك الأطروحة، يفيد بأنّ مثل هذا الطرح عادةً ما يجب أن يتناوله الباحث بمنهج له عدة أوجه منها المقارنات بين الحسابات التاريخية للخروج بنتائج جادة رياضيًا.

وإحدى أهم نقاط الضعف في تلك النظرية هو أن افتراض إضافة ثلاثة قرون وهمية للتاريخ الأوروبي ببساطة لا يتفق مع الحسابات التاريخية الأخرى المتزامنة معه، ويذكر براين – على سبيل المثال – تاريخ التوسع الإسلامي في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وأسرة «تانج» في الصين، والذي تتفق حساباتهم مع المذكور من الحسابات التاريخ الحالي.

نقطة أخرى يشير إليها بقوة وهو الحسابات الفلكية التي هي في الأصل أحد الأصول في حسابات الوقائع، حيث قام الإنسان بتسجيل أحداث فلكية كبيرة ومتنوعة على مر التاريخ، وإذا وضعنا مثالًا لهذا سوف نجد مثلًا سجلات الفيلسوف وعالم الطبيعة الروماني الشهير «بليني الأكبر» قد ذكر حدوث كسوف شمسي عام 59 قبل الميلاد، وهو ببساطة ما يتفق مع الحسابات التاريخية الحالية وبقياس دورات الكسوف الشمسي، لذلك يتفق كُل من المتخصصين في التاريخ والتأريخ، وعلماء الفلك أن نظرية الزمن شبح لا تصمد باعتبارها نظرية علمية بالأساس.