عشية الحرب العالمية الأولى؛ استطاع فريتز هوفمان لاروش بيع منتجات شركته التي تحمل اسمه «لاروش» في أربع قارات؛ لتصبح الشركة «السويسرية» علامة تجارية عالمية. ففي بداية القرن العشرين تمنت عائلة لاروش أن يصبح ابنها عالمًا كبيرًا، في حين أنه كان رجل أعمال موهوبًا يؤمن بأن المستقبل سيكون في شركات الأدوية؛ لذا أسس الشركة، المصنفة الأولى عالميًّا في مؤشر الابتكار في 2020.

واجهت الشركة الشابة في سنواتها الأولى صعوبات وصلت لدرجة مواجهة «لاروش» الإفلاس. ورغم رغبة والد فريتز بالتخلي عن تجارة الأدوية، أعيد إحياء الشركة وأصبحت عالمية أثناء الحرب العالمية الأولى، وأُجبرت الشركة على الاكتتاب العام في 1919.

Embed from Getty Images

توفي فريتز في 1920 ثم مات ابنه الأكبر إيمانويل، في حادث سيارة في أواخر الثلاثينيات؛ مما غير مسار قيادة الشركة. تزوجت أرملة إيمانويل من بول ساشر مؤسس ومدير أحد أهم أوركسترات الموسيقى الكلاسيكية في بازل، والذي سيطر على 49% من أسهم الشركة لصالح زوجته. 

خلال البحث عن فريتز وعائلته، وجدنا العديد من المصادر التي تروج لفكرة عائلة روش الكبرى التي تسيطر على قطاعات كثيرة من التجارة العالمية، إلا أننا – وبتفحص موقع الشركة – وجدنا أن مجموعة المساهمين أكثرها من عائلة هوفمان؛ مثل: إيزابيل هوفمان، والسيد لوكاس هوفمان، والسيدة مارينا هوفمان، وأن أندريه هوفمان – أحد أحفاد فريتز – ممثل مجموعة المساهمين ونائب الرئيس، إلا أن نسبة عائلة هوفمان من الأسهم غير موضحة على صفحة الشركة. 

أرسلنا بريدًا إلكترونيًّا لإدارة المعلومات في الشركة، نستوضح فيه عن نسبة امتلاك عائلة روش لأسهم الشركة، وإن كان أندريه هوفمان يمتلك أسهمًا وما قدرها؟ إلا أننا لم نتلق ردًّا إلى الآن. لكن على جانب آخر، وصلنا إلى خبر على موقع وكالة «رويترز» يقول إن عائلة تملك 45% من أسهم الشركة، النسبة نفسها التي ذكر موقع شركة «روش» أنها أسهم مُصدرة – وهي التي تخصص للاكتتاب ثم تُصبح مملوكة للمساهمين – وبذلك تختلف رواية الشركة مع ما ذكرته «رويترز». 

الجدير بالذكر؛ أن الخبر وضَّح أن المجموعة التي يتكون منها مساهمو الشركة هي من أحفاد المؤسس، وأن المجموعة تضم تسعة أفراد من الجيل الخامس، وستة أفراد من الجيل الرابع. وبعد تعقبنا للأسماء التي تظهر في مجموعة المساهمين المذكور على موقع الشركة لم نصل إلى دليل حول من هي هذه الشخصيات إلا أندريس أوري، الذي اتضح أنه أحد أحفاد فريتز من جهة الأم، ما يوحي بأن العائلة هي التي تملك الشركة، وبالتالي بيدها القرارات الكبرى ممثلة في شخص أندريه هوفمان. 

«عصابات الدواء العالمية».. أدوية عديمة الجدوى وأخرى خطيرة

كشفت إيرين شيبر معدة تقرير «التجارب غير الأخلاقية لشركات الأدوية» خلال مداخلة مع برنامج «ما خفي أعظم»، أنها وجدت أن كثيرًا من أدوية السرطان يجري تجريبها في مصر، ويرصد تقريرها أن هؤلاء المرضى خضعوا لتجارب سريرية دون علم منهم أو موافقة.

وهنا تأتي شركة «روش» بوصفها أكبر شركة ضالعة في هذه التجارب السرية بنسبة تصل إلى 50%. تقول شيبر إن الشركة أخذت موافقات من الحكومة المصرية لإجراء هذه التجارب رغم عدم أخلاقية التجارب. وتذكر شيبر أنه بعد نشر التقرير، تعقبت «روش» أحد المساهمين في إعداد التقرير وضغطوا عليها لتوقع ورقة تنكر فيها كل ما ذكرته في التقرير. 

في هذا السياق؛ حاول مقدم البرنامج تامر المسحال إجراء مقابلة مع أحد ممثلي شركة «روش»، لكن جاءه بريد إلكتروني برفض إجراء أي مقابلات، وفي بريد لاحق أكدت الشركة أنها ملتزمة بالقوانين واللوائح الدولية فيما يخص التجارب السريرية التي تقوم بها، وذكرت أن كل التجارب التي نُفذت في مصر كانت بعلم وزارة الصحة المصرية وموافقتها.

ومع ظهور فيروس كورونا وتفشيه، قفزت شركة «روش» لتحتل منصة ترامب. ففي استضافة من ترامب لمات سوس، ممثل الشركة، أعلن سوس اكتشاف لقاح لكورونا وسط احتفاء من ترامب ومدحه للشركة التي دعاها بـ«العظيمة».

كشفت أزمة كورونا عن أن «روش» لا تعدوا سوى ترس في كيان يعمل بالطريقة نفسها، فالشركات الكبرى في صناعة الأدوية كلها، تمتلك تاريخًا حافلًا بالتجارب غير القانونية وغير الأخلاقية أيضًا، بل سارعت شركة «روش» بإنتاج عقار كلَّف العالم مليارات، وتهافتت الحكومات على شرائه، يدعى «تاميفلو» لمنع وانتشار الإنفلونزا، ليُكتشف أن الدواء عديم الجدوى، بل الأكثر من ذلك أن منظمة الصحة العالمية، ووكالة الدواء الأوروبية، والمركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض (cdc) وافقوا جميعًا على الدواء دون فحص البيانات الأساسية له! 

والكارثة أتت بعد ذلك، فبعد تخزين كميات كبيرة من الدواء عديم الفائدة، أُرسلت كميات كبيرة في قوافل لغزة عام 2010 رغم قلة عدد المصابين بإنفلونزا الخنازير في ذلك الوقت في غزة. وبطريقة «روش» نفسها، أنتجت شركة «جي إس كي» البريطانية عقار «باندمريكس» في 2010، وجرى بيعه بكميات هائلة ليظهر بعد ذلك أن له أعراضًا خطيرة أصابت الأطفال وظهرت في كل الدول الأوروبية، ما فتح باب التحقيقات ليُكتشف أن الدواء يسبب أعراضًا عصبية نادرة وخطيرة كما ذكر التحقيق، ما جعل التساؤل يعود مرة أخرى، كيف يمكن لهذه الشركات تمرير أدويتها وبيعها للعالم دون أدنى مراقبة لشركات الأدوية هذه. 

Embed from Getty Images

تأتي الإجابة في تقرير منشور عام 2010، يذكر أن: «العلماء الثلاثة الرئيسيين الذين يقدمون المشورة لمنظمة الصحة العالمية، كان لديهم في وقت ما روابط مالية واضحة مع «روش» و«جي إس كي»، وهو ما يوضح لماذا وافقت تلك المنظمات على هذه الأدوية الخطيرة والمضرة. 

«كوربوقراطية» شركات الأدوية.. النظام العالمي الجديد

المعلومات السابقة قادتنا للبحث عن باقي شركات الأدوية الكبرى في العالم. فوجدنا بجانب التجارب غير الأخلاقية التي تقوم بها شركات الأدوية، بوصفها سمة مشتركة بينهم، أن هذه الشركات تعود لأسماء أشخاص أسسوا شركات الأدوية لتتكون على إثرها عائلات تقود هذه الكيانات – على طريقة شركة «روش» – ما يعني تحكم بضع عائلات في صناعة الدواء في العالم، أو بوصف أدق «التحكم في البشر».

فمن تشارلز فايزر الألماني المهاجر لأمريكا وتأسيسه شركة «فايزر» عام 1848، لتصبح من أقوى شركات الأدوية في العالم والأكثر شهرة في الأوساط المحلية حول العالم لإنتاجها «الفياجرا»، مرورًا بالشركة المصنفة رقم 2 عالميًّا «أبفيا» في مؤشر الأبداع، والتي كانت في الأصل تدعى مختبرات أبوت، والتي تعود إلى الأمريكي والاس كالفين أبوت، والذي أسس مختبره في 1888، ووصولًا إلى شركة «إلي للي» التي تحمل اسم مؤسسها، أحد القادة المخضرمين في الحرب الأهلية الأمريكية، الذي أسس شركته في 1876، والعديد من الشركات الأخرى.

إذًا فنحن أمام شركات أسستها شخصيات، وأدارتها عائلات هؤلاء الأشخاص، والتي تأسست أغلبيتها في القرن التاسع عشر. ما يعني أن قطاع الدواء في العالم مرهون في قبضة مجموعة من الرجال والعائلات القديمة التي تستطيع تحويل الدفة حيثما يشاءون دون رقيب أو محاسبةـ كما رأينا في تجربة عقاري «تاميفلو» و«باندمركس»، وبتورط منظمات عالمية، مثل منظمة الصحة العالمية. 

Embed from Getty Images

يقول جون بيركنز، مؤلف كتاب «اعترافات قرصان اقتصادي»: إن «وضع أغلبية الشعب في موضع التابع الذليل لأقلية من الصفوة، فإننا نبحث عن المتاعب وسوف تحصل عليها. إن «الكوربوقراطية» هي فكرة ترسيخ «الإمبراطورية العالمية»، فالشركات والحكومات والبنوك تستخدم كل قوتها الاقتصادية والسياسية والإعلامية لتجعل من ثقافتنا العالمية آلة متوحشة، وأهم ما يسعى إليه أعضاء هذه الفئة من البشر هو الإبقاء على هذا النظام وتوسيعه وتقويته؛ لكي نظل مستهلكين لما ينتجون». 

ويذكرنا ذلك بأن نظام شركات الأدوية الكبرى الذي استعرضناه خلال هذا التقرير، هو النظام نفسه في قطاعات أخرى كبرى تحكم العالم، كالقطاع المصرفي الذي يتحكم فيه عدة عائلات يروج حولها الكثير من المعلومات غير المثبتة، ولكن المؤكد أنها عائلات تحافظ على ثرواتها؛ مثل عائلة روكفيلر التي سيطرت على عمليات تكرير النفط في الولايات المتحدة، والتي لديها الكثير من الأذرع السياسية والإعلامية والاقتصادية، وعائلة مورجان التي أسست شركة مصرفية في القرن التاسع عشر لتصبح الآن «جا بي مورجان» أحد أكبر البنوك في الولايات المتحدة. 

ويجعلنا ذلك نتساءل، هل نحن أمام نظام عالمي يقوم بشكل فعلي على عدة عائلات تتحكم في مصائر المليارات من البشر بشكل منظم ومحدد، أم أنه التشابه التي خلقته الظروف والأحداث عفويًّا؟

علوم

منذ سنة واحدة
«دع الفقراء يموتون إذًا».. «بيزنس» الأمراض النادرة وأغلى الأدوية في العالم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد