منذ أول عرض سينمائي في العالم عام 1895 علي يد الإخوان لومير بمقهى في أحد أحياء باريس والسينما تأخذ دورًا محوريًا في ثقافة وعقول الشعوب، بدايةً من نقل وتصوير ثقافات الشعوب، ومرورًا بالانتقاد والسخرية وتحريك الفكر، ووصولًا لأن تصبح مؤرخًا للفترات الأخيرة من عمر الأمم.

وخلال 100 عام من التطور، شهدت السينما المصرية مراحل عديدة كانت مؤثرة بشكل أو بآخر في مسيرة الإنتاج السينيمائي.

بدايةً من عام 1896 حيث أول عرض سينمائي في مصر، أي بعد عام واحد من ظهور السينما بباريس، وكان ذلك في مدينة الإسكندرية بعد وصول جهاز السينماتوغراف إليها، وكان طبيعيًا بما أن اغلب مصوري الشرائط السينمائية وقتها فرنسيين أن تكون أسماء العروض المقدمة “مساقط مياه الراين في شافوز” و “وصول القطار إلى محطة ليون”.

ثم كان عام 1907 والذي شهد تصوير أول شريط سينما على يد مصورين مصريين (عزيز ودوريس)، وممما تحفظه ذاكره السينما من أسماء شرائط لهما “زيارة الجناب العالي”، “استيقاظ الصياد” وغيرهم، الأمر الذي أدى للتوسع في إنشاء دور العرض، وبشكل خاص في القاهرة والإسكندرية للتناسب مع الإقبال الشديد من الجمهور.

مرورًا بعام 1910 حيث ميلاد أول شركة إنتاج سينمائي بمصر وتدعي “الشركة السينمائية الإيطالية” ومديرها المصور أمبرتو دوريس، وكان هدف الشركة إنتاج أفلام روائية قصيرة، وبالفعل كان من نتاجها أفلام كـ “شرف البدوي” و “الأزهار المميتة”.

و وصولًا لعام 1923 وإنتاج أول فيلم روائي مصري طويل للمصور محمد بيومي باسم “بلاد توت عنخ آمون”، ولمحاولات عديدة لتأسيس شركات إنتاج أفلام مصرية كان أبرزها شركة “سينماتوغرافية مصرية”، وشركة “مصر للتمثيل والسينما” التي أسسها طلعت حرب عام 1925.

الإنتاج السينمائي قبل الثورة

شهد تاريخ السينما المصرية قبل عبد الناصر ظهور العديد من صناعها وروادها، كذلك كان هناك الاهتمام بإنتاج الأفلام التسجيلية فتعددت جهات إنتاج الفيلم التسجيلي والتي منها وزارات ومصالح حكومية، وهو ما استمر بعد الثورة نتيجة اقتناع رجال الثورة بدور الفيلم التسجيلي في التنمية والتوعية الثقافية.

إلا ان السينما المصرية قبل الثورة كانت لها العديد من السمات التي ستتغير تمامًا بعد ثورة يوليو، من هذه السمات مثلاً :

1- أغلب القائمين على صناعة السينما أجانب وهو ما أثر في توجهات وروح الأفلام بالطبع.

2- لم يكن للدولة أي دور فيما يتعلق بالإنتاج السينمائي.

3- كانت النظرة لدور السينما على أنها أماكن للهو، ولذلك حينما صدر مرسوم عام 1933 بفرض ضريبة على الملاهي المصرية، كان من ضمنها السينمات.

4- عملية الإنتاج السينمائي كانت محض تجارة، ولذلك كان صناع السينما كلهم من طبقة الاغنياء والتجار، وعلى ذلك كان التوجه الأساسي للسينما هو إنتاج أفلام التسلية والترفيه لضمان الربح، وتجنب الأفلام السياسية أو الاجتماعية.

وخلال تلك الفترة من 1924 (عام ظهور أول فيلم روائي مصري طويل) وحتى عام 1952 (عام الثورة) وصل محصول الإنتاج السينمائي 554 فيلمًا روائيًا طويلًا.

الإنتاج السينمائي في عهد عبد الناصر

ثم يبدأ عصر الثورة بمبادئها الستة الشهيرة، وتعاطف الشعب ومساندته لها، وهو ما أثر على السينما بالتأكيد باعتبارها مرآة المجتمع، وعلى ما بني قبل الثورة كان استكمال البناء، فشيدت الاستوديوهات الكبرى واشهرها استوديو مصر، وتم تزويد الاستوديوهات بأحدث الآلالات والمعدات، بما ساهم في جعل السينما صناعة وأحد مصادر الدخل القومي.

وخلال تلك الفترة ظهر مخرجون كبار سيكون لهم دور كبير في إنعاش السينما المصرية كصلاح أبو سيف ويوسف شاهين وهنري بركات وكمال الشيخ وفطين عبد الوهاب.

ولتكون السينما المصرية بانتهاء عهد عبد الناصر قد أنتجت 936 فيلمًا، بمتوسط إنتاج سنوي 52 فيلم، وذلك بعد مساهمة الدولة في الإنتاج السينمائي.

فماذا يعني مصطلح “ظاهرة سينمائية”؟

يشرح دكتور ياقوت الديب في كتابه “اتجاهات الإنتاج السينمائي” المصطلح، مؤكدًا تشابه الظواهر الفنية مع غيرها من ظواهر اجتماعية في كون الفرد هو بدايتها الأساسية، سواء كان هذا الفرد نحاتًا أو رسامًا أو موسيقيًا أو مخرجًا.

ثم يضع شروطًا ثلاثة لاعتبار أي أمر ما ظاهرة، التقليد، السرعة، الانتشار. تقليد للعمل الذي يمكننا اعتباره بداية الظاهرة، وسرعة في تقديم أعمال تقلد ذلك العمل، وانتشار وتأثير تلك الأعمال.

وعلى ذلك يمكننا رصد ثلاث ظواهر أساسية في عهد عبد الناصر:-

1- ظاهرة الأفلام التي تنتقد أوضاع ما قبل الثورة

وهي افلام تم انتاجها بعد الثورة واهتمت في موضوعاتها بانتقاد الأحوال الاجتماعية والسياسية والاجتماعية قبل الثورة، فوجدنا مثلاً الأفلام التي تنتقد الاستعمار والحكم الأجنبي كـ “يسقط الاستعمار”، “المماليك”، “رد قلبي”.

وأفلام تنتقد الرعاه الفاسدين، ممن يتعاونون مع الاحتلال كـ “القاهرة 30” و”الأرض”، و “ثمن الحرية”.

وأفلام تناقش الفوارق الطبقية، والذل الذي كان يلقاه الأجَراء كـ “غرام الأسياد”، “الأسطى حسن”.

وكانت الأفلام المناقشه لقضية الإقطاع، وممارسات أصحاب النفوذ ضد الفلاحين وعمال التراحيل كـ “صراع في الوادي”، “الحرام”.

والأفلام التي عالجت الفقر في المجتمعات الريفية قبل الثورة كـ “يوميات نائب في الأرياف”، “الزوجة الثانية”.

وبشكل أو بآخر كانت تلك الأفلام تمثل دعاية لعهد ناصر، ذلك بما تعقده من مقارنة للأوضاع ما بين قبل الثورة وبعدها. وهو الأمر الذي اختلف الكثيرون حوله، هل كان إنتاج تلك الأفلام بدافع من صناع الأفلام أم بتوجيه.

2- ظاهرة الأفلام المؤيدة للثورة

تمثل تلك المرحلة امتدادًا طبيعيًا لمرحلة أفلام انتقاد ما قبل الثورة، حيث الانتقال من المدح غير المباشر للمدح المباشر، وذلك عن طريق إظهار ما فعلته الثورة، وما ظهر متفقًا مع مبادئها.

ومن تلك الأفلام التي ظهرت واضحه معبرة عن تلك الظاهرة “أرض الأبطال” نيازي مصطفي، “الله معنا” أحمد بدرخان، “ضحايا الإقطاع” مصطفى كمال البدري، “بورسعيد” عز الدين ذو الفقار.

وفي كل تلك الأفلام كان التركيز قائمًا على قضيتي القضاء على الإقطاع ومواجهة المحتل، أما عن قضايا الديمقراطية والحريات في ظل الثورة فلا شيء.

وعلى الأغلب كانت ملكية الجزء الأكبر من صناعة السينما للقطاع الخاص، وكون تجربة ملكية الدولة للسينما لم تدم إلا 10 سنوات، هي السبب في قلة تلك الأفلام.

3- ظاهرة أفلام القطاع العام

كان أول اهتمام بدا من الدولة تجاه صناعة السينما هو القرار الجمهوري سنة 1957 والذي نص على إنشاء مؤسسة دعم السينما وهدفها الارتقاء بالسينما عن طريق تقديم الدعم المادي، أو المعنوي من خلال تمكين صناع السينما من عرض أفلامهم بالخارج.

وهدف تلك الخطوة كما تم الإعلان عنه هو بناء السينما المصرية المعتمدة على أبنائها بعيدًا عن الاعتماد على الأجانب اصحاب الأموال المقيمين في مصر. ثم كانت الخطوة التي تبعت تلك عام 1959 هي إنشاء معهد السينما كأول معهد أكاديمي للدراسة في الشرق الأوسط.

تلي تلك الخطوات – وكجزء من خطة التأميم – كانت حزمة القوانين التي صدرت عام 1961، والتي بناء عليها تم تأميم بنك مصر بكل الشركات التابعه له، والتي منها شركة مصر للتمثيل والسينما، وأكثر من 6 شركات أخرى.

استمرت تلك التجربة بالإنتاج الحكومي للأفلام حتى 1973، وكان نتيجة تلك التجربة إنتاج قرابة الـ150 فيلمًا، منهم 10 أفلام إنتاج مشترك مع دول أجنبية.

ومن أبرز أفلام تلك التجربة “الأيدي الناعمة”، “مراتي مدير عام”، “القاهرة 30″، “قنديل أم هاشم”، “الأرض”، “أغنية على الممر”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد