إذا كنت من هؤلاء الأشخاص الذين يحاولون إحداث فارقٍ أو ترك بصمة طيبة يُعرفون بها، أو إذا كنت ترغب في المساعدة كي تتجاوز البشرية انهيارها المشهود، أو فقط إذا كنت تنوي التخفيف من المآلات السيئة للحروب والصراعات والدمار الذي يُحيط بالعالم، فسنصحبك في هذا التقرير في جولةٍ، ربما تضعك على بداية الطريق نحو ما تريد.

سنتعرف الآن إلى بعض هؤلاء الذين تركوا أثرًا لا يُمحى في مجال العمل التطوعي، ومساعدة الناس. لنبدأ إذن:

الأم تيريزا

 الأم تيريزا وفقراء كلكتا، الهند.

وُلدت «آغنس غونكزا بوجاكسيو» والمعروفة عالميًّا باسم «الأم تيريزا» عام 1910 لعائلة مسيحية تعيش في مقدونيا، وبدأت مشوارها الخاص بمساعدة الفقراء في عمرٍ صغير، ففي سن الـ18 انضمت لمجموعة من الراهبات في إيرلندا، وبعدها بعدَّة سنوات سافرت معهن في بعثة تبشيرية إلى الهند حيث بدأ كل شيء.

بعد وصولها للهند، بدأت مباشرة في العمل كمُدرِّسة، ولكن الفقر الشديد لأهل مدينة كلكتا الهندية ترك أثرًا عميقًا بها، حيث بدأت بعثة جديدة تحت مسمى «الإرساليات الخيرية»، هدفها الرئيس هو رعاية الأشخاص الذين لا يملكون شيئًا في الحياة، وليس لديهم من يهتم بهم. وقد كانت قسوة الحياة في الهند عاملًا في ترك الأم تيريزا عام 1948 للدير، واتخاذها قرارًا بوهب حياتها بالكامل للفقراء في كلكتا، وفي كافة أنحاء الهند والعالم، والحقيقة أن الفقر وحده لم يكن العامل الأساسي في مثل هذا القرار، فمجاعة البنغال عام 1943، والتي تركت وراءها أكثر من 3 ملايين قتيل، وأصبحت معها المدينة في فوضى عارمة، ثم اقتتال المسلمين والهندوس عام 1946، والذي انتهى بانقسام الهند عام 1948، كل هذا جعل قرار الأم تيريزا واضحًا بالبقاء في الهند ومحاولة المساعدة قدر الإمكان.

عملت الأم تيريزا على مساعدة الأيتام، والمشردين، والعجزة، والمرضى، والفقراء، وفتحت منزلها لمرضى الجذام، ولمن يحتاجون للرعاية الطبية في أي وقتٍ وحين، وبمساعدة 13 راهبة في بدايات 1949، بدأت في تعليم الناس والتجهيز لبعثاتٍ أخرى في كافة أنحاء الهند، وبحلول 1950، كان عدد الراهبات اللاتي انضممن إليها من البعثات التبشيرية الأخرى قد وصل لما يتعدى الأربعة آلاف راهبة، يديرن مراكز لمرضى الإيدز، ومؤسساتٍ تعليمية، وصحية، ومراكز تأهيليَّة، وغيرها من المراكز التي بُنيت لمساعدة الناس في الهند. انطلقت بعد ذلك البعثات التبشرية التابعة لـ«الإرساليات الخيرية» التي بدأتها الأم تيريزا حول العالم، بما في ذلك الدول المتقدمة، وتحت راية مساعدة المحتاجين والفقراء أصبح لهذه البعثات مكانة واسمًا عالميًّا.

عام 1979، نالت الأم تيريزا جائزة نوبل للسلام عن مجهوداتها في مساعدة الفقراء والمحتاجين حول العالم، وفي نفس العام توفيت.

عبد الرحمن السميط

«القارة المنسية» سلسلة وثائقية صورها الدكتور عبدالرحمن السميط في أفريقيا، الصورة من موقع جمعية العون المباشر : https://direct-aid.org/cms

نشأ عبدالرحمن السميط في دولة الكويت، وتخرج في كلية الطب، جامعة بغداد، ثم سافر ليُكمل تعليمه بالخارج، وعمل لعدة سنوات في المستشفى العام بمونتريال، كندا قبل أن يقرر السفر إلى أفريقيا والعيش هناك.

عام 1981 بدأ السميط حياةً جديدةً في أفريقيا، حياةً تهدفُ فقط لتقديم العون لكل من يحتاجه. أنشأ جمعية «العون المباشر» في مالاوي، والتي كانت تسمى سابقًا «لجنة مسلمي أفريقيا»، تلك الجمعية التي بدأت عملها في دولة نائية بجنوب شرق أفريقيا، أصبحت مع مرور الوقت تقدم خدماتها للمحتاجين في 29 دولة أفريقية، حيث تضم قائمة إنجازاتها: كفالة الأيتام، وتقديم المعونة للطلبة من مختلف المراحل الدراسية، وبناء المدارس والمستشفيات والوحدات الطبية والمخيمات، وتقديم آلاف الأطنان من المعونات الطبية والأغذية والملابس، وحفر آبار المياه، وغيرها الكثير من المساعدات، ويُقدر عدد الأشخاص الذين قدمت لهم الجمعية مساعداتها بالملايين منذ نشأتها وحتى هذه اللحظة.

تضع جمعية العون المباشر نُصب أعينها مَهمة تقديم خدمات متميزة في مجالات: التعليم، والإغاثة، وتنمية قدرات ودخل المجتمعات الفقيرة، والرقي بها لدرجة الاعتماد على الذات، والمصادر المحلية كرؤية لها هدف نهائي، وهو خلق مجتمعات أفريقية خالية من الفقر والمرض والجهل. تلك الرؤية التي وضعها السميط تستمر في العمل حتى بعد وفاته عام 2013، حيث ما تزال «جمعية العون المباشر» تعمل بكامل طاقتها لمساعدة الناس في أفريقيا، وتحقيق حلم السميط بمجتمعات قادرة على العمل والإنتاج، وتحقيق كفايتها ونموها.

محـمد يونس

 محمـد يونس

حاول كل من الأم تيريزا وعبد الرحمن السميط تقديم المساعدة للناس بدون مقابل، فالجمعيات الخيرية والبعثات التبشيرية وغيرها، هذه الأمثلة كان لها مسار واحد، إعطاء الناس الأموال، والمساعدات اللازمة في كافة المجالات. ما فعله محمـد يونس كان مختلفًا بعض الشيء، لقد استطاع خلق تنمية اقتصادية في بنجلادش من العدم، لنتعرف إلى الطريقة:

تميز محمـد يونس في طفولته، وكان تميزه سببًا في سفره للهند وباكستان، ثم التحاقه بالجامعة وحصوله على الماچستير في الاقتصاد من جامعة دكا، بنجلادش. عام 1965 سافر يونس في منحةٍ دراسية للولايات المتحدة، وحصل على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة فاندربلت، وعمل كأستاذ مساعد في علم الاقتصاد بجامعة تينيسي. قرر محمـد يونس العودة إلى بنجلادش بعد استقلالها عن باكستان عام 1971؛ فاستقال من عمله بالولايات المتحدة، وعاد لتدريس الاقتصاد في جامعة شيتاجونج، بنجلاديش.

تُحيط المجاعات الناتجة عن الفيضانات والأعاصير وغيرها من الكوارث الطبيعية ببنجلادش منذ أوائل السبعينات، وتسببت هذه المآسي في موت مئات الآلاف من البشر، والعصف باقتصاد الدولة، وكنتيجة طبيعية لذلك فقد انتشر الفقر والمرض، وأصبح الناس يعيشون تحت خط الفقر، وانتشر بين الأغلبية من الفقراء نظام الدين بالربا، حيث يحصلون على الأموال من الأغنياء والتجار مقابل فوائد عالية، وحيث إن البطالة والفقر هي سمة الغالبية العظمى من السكان، فأصبحت تلك الديون عبئًا على الجميع، ولم يستطع أحد إيجاد منفذ للخروج منها، وعندها بدأ محـمد يونس:

27 دولارًا فقط، أعطاها محمـد يونس لسيدة فقيرة، كي لا تقترض بالربا، كانت هي النواة الأولى لإنشاء «بنك جرامين» أو «بنك الفقراء»، فمع تردي الأوضاع الاقتصادية في بنجلادش حاول يونس البحث عن وسيلة لدعم اقتصاد بلده، ولما لم يجدها، فقد بدأ بإقراض الفقراء من ماله الخاص، وبدأ بعد ذلك جولته لإقناع البنوك بإعطاء الفقراء قروضًا صغيرة، وكان رفض البنوك لمثل هذا الاقتراح هو المرحلة الأساسية للتفكير بإنشاء بنك خاص بالفقراء، يكون هدفه منح قروض تساعد الفقراء في بدء مشروعات صغيرة تُعينهم على الحياة، وتحول دون اقتراضهم الأموال بفوائد كبيرة من البنوك، أو من التجار، أو غيرهم.

بعد 40 عامًا تحولت الـ27دولارًا إلى مليار ونصف المليار من رأس المال الذي يُسهم به بنك جرامين في مساعدة الناس في بنجلادش، ملايين المشروعات الصغيرة التي أُقيمت، والتي أسهمت بشكلٍ فعَّال في خفض نسبة البطالة، والنمو بالاقتصاد، والتعليم، والصناعات المحلية، وصارت هناك الملايين من النساء القادرات على إنشاء مشارعهن الخاصة، والاهتمام بأسرهن، وهو ما أسهم بشكلٍ فعَّال في زيادة الدخل القومي، والارتفاع بمستوى التعليم، وانخفاض نسبة المواليد، وانخفضت نسبة الفقر من 90% إلى 25% فقط، ومن المخطط أن ينتهي الفقر في بنجلادش عام 2030، كما يرى يونس في رؤيته الخاصة لبلده، وكنتيجة للجهود التي يقدمها بنك جرامين، والمئات من المؤسسات الأخرى التي سارت على نهجه فيما بعد.

أدى النجاح الذي حققه «بنك جرامين» إلى إنشاء ما يقارب 100 بنك في العديد من بلدان العالم، النامية منها والمتطورة، و تتخذ هذه البنوك من مساعدة الفقراء وتقديم القروض الصغيرة للمحتاجين، من أجل بدأ مشارعهم الخاصة، هدفًا رئيسًا لها. وكان نجاح الفكرة كذلك سببًا في حصول محمـد يونس، وبنك جرامين على جائزة نوبل للسلام مناصفة بينهما عام 2006.

عرض التعليقات
تحميل المزيد