انتشرت مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي ووكالات الأنباء العالمية؛ حادثة تهريب دبلوماسيين فلبينيين مجموعة من العاملات الفلبينيات، اللواتي قيل إنهن تعرضن لعنف منزلي ممن يكفلهم في الكويت، وقد تسببت هذه الحادثة في وقوع أزمة دبلوماسية كبيرة بين الكويت والفلبين، وقد أعلنت الحكومة الكويتية أمس طرد السفير والدبلوماسيين الفلبينيين من الكويت وسحب بعثتها الدبلوماسية من الفلبيين.

وهذه العملية الجريئة التي خططت لها الفلبين لم تكن غريبة على السياسات المتحمسة التي تتبناها الحكومة منذ تولي «رودريجو دوتيرتي» المعروف بمعاداته القوية لأكبر قوى العالم السياسية مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، والذي هدد أكثر من مرة دول الخليج بسبب المعاملة السيئة التي تتلقاها بعض العاملات الفلبينيات والتي تصل إلى الاعتداء الجسدي والجنسي والتعذيب حتى الموت. فمن هو رودريجو دوتيرت؟

«نحتاج المال لكن كرامتنا أهم».. هل تملك الفلبين أوراقًا قوية تواجه بها الكويت؟ 

رودريجو دوتيرتي.. «دونالد ترامب آسيا»

اشتهر دونالد ترامب أثناء حملته الانتخابية بلغته الحادة التي لا يراعي فيها أحيانًا القيم الاجتماعية والإنسانية، فرأيناه أمام العالم كله يسخر من إعاقة أحد المراسلين في مؤتمر صحافي أمام الجميع، وسمعناه قبيل الانتخابات الأمريكية حين نُشر تسريب صوتي له يتكلم فيه بشكل غير لائق عن السيدات، ولغة وصفها بعض النقاد بأنها لغة «متحرش»، وفي الحقيقة إن كنت تعتقد أن دونالد ترامب هو الوحيد من نوعه؛ فأنت على الأرجح لم تسمع بعد عن الرئيس الفلبيني «رودريجو دوتيرتي» الذي كان يعد أثناء حملته الانتخابية بقتل خمسة مجرمين كل أسبوع.

في أحد المؤتمرات الانتخابية ذكره أحد الصحفيين بالمسؤولة الأسترالية التي أُغتصبت في المدينة التي كان هو عمدتها عام 1989، وأجاب دوتيرتي على النحو التالي: «لقد كنت غاضبًا للغاية لأنها مجموعة اغتصبتها حتى الموت، ولكنها كانت جميلة للغاية، أعتقد أنه كان يجب أن يكون العمدة هو أول من اغتصبها، يا للخسارة»، وفي لقاء آخر سئل دوتيرتي إن كان ما قاله هو دعابة أو نكتة مخيفة، ولكنه أنكر أن يكون هذا مجرد نكتة، وأصر أنه يعني كل كلمة قالها عن حادثة المسئولة الأسترالية.

وعلى الرغم من كل هذا؛ نجح رودريجو دوتيرتي في الانتخابات وما زال يرأس دولة الفلبين.

https://www.youtube.com/watch?v=Tebans1dOYo

في الحرب على المخدرات.. كل شيء متاح

في يناير (كانون الثاني) الماضي أصدرت مؤسسة مراقبة حقوق الإنسان العالمية «Human Rights Watch» تقريرًا عن الحرب التي يخوضها رئيس الفلبين «رودريجو دوتيرتي» ضد المخدرات، ويقول التقرير إن حرب دوتيرتي أودت بحياة أكثر من 12 ألف شخص منذ أن بدأها عقب توليه الحكم في نهاية يونيو (حزيران) 2016، وكانت الحرب على المخدرات والقضاء عليها هي الوعد الأساسي الذي بنى عليه «رودريجو دوتيرتي» حملته الانتخابية، وكان يقولها بشكل صريح أنه سوف يقتل 100 ألف شخص من المتورطين في تجارة وتوزيع أو حتى تعاطي المخدرات حتى يتمكن من القضاء على المخدرات في ستة أشهر فقط عقب توليه مقاليد الحكم.

بالفعل ظهرت شراسة الحملة التي يخوضها دوتيرتي ضد المخدرات؛ فبعد مرور ستة أشهر -طبقا للحكومة الفلبينية- شنت الشرطة أكثر من 40 ألف حملة على أوكار تجارة وتوزيع المخدرات، وتم اقتحام أكثر من 6 مليون منزل، واعتقل قرابة 50 ألف شخص وقتل برصاص الشرطة حوالي ألفين.

يستخدم «رودريجو دوتيرتي» الحرب على المخدرات باعتبارها غطاءً لقمع الكثير من المعارضين وترهيب قضاة ومسؤولين في الدولة؛ ففي فبراير (شباط) العام الماضي اعتقلت السلطات الفلبينية عضوة البرلمان الفلبيني «ليلى دي ليما» بعد أن قدمت طلبًا بفتح تحقيق في حالات القتل والتصفية الجسدية التي ترتكبها الشرطة الفلبينية خارج إطار القانون، بالإضافة إلى تحقيق آخر قامت به دي ليما في جرائم ما يقال عنها «فرقة الموت» في مدينة دافوس الفليبينية التي شغل «رودريجو دوتيرتي» منصب العمدة فيها طيلة 20 عامًا قبل أن ينتخب رئيسًا للفليبين.

وما بين احتفاء الحكومة ومؤيديها بنجاحات الحملة العنيفة ضد المخدرات وشجب المعارضة والمجتمع الدولي للتعديات على حقوق الإنسان؛ تعيش الكثير من الأسر الفقيرة في الفليبين مآسي فقدان أبنائها سواء من كانوا يتعاطون المخدرات، أو أطفالًا قد أنهى رصاص الشرطة العشوائي أحلامهم الصغيرة وأسكنهم قبورًا بُنيت في الأساس من أجل أجدادهم وآبائهم، ولكنهم سبقوهم إليها تاركين إياهم في حزن وفقر شديد.

وكما هو متوقع نتيجة لهذه الحملة العنيفة؛ قل معدل الجريمة والاتجار بالمخدرات في الفلبين بنسبة 30% في العام الأول من الحملة، وطبقًا لتقارير الشرطة الفلبينية؛ فإن ما يقرب من 1.3 مليون شخص من تجار وموزعي المخدرات سلموا أنفسهم للشرطة. وتلقى الحملة دعمًا واسعًا من قطاع عريض من الشعب الفلبيني بسبب انتشار المخدرات ومدمنيها الذين يصل عددهم إلى أكثر من 3 مليون مدمن، لا سيما وأن وعد القضاء على تجارة المخدرات هو السبب الرئيسي الذي ساعده على الفوز في الانتخابات الرئاسية، وفي استطلاع للرأي نشرته وكالة «رويترز»؛ ظهر أن 92% من عامة الشعب الفلبيني يؤيدون الحملة بشدة، حتى وإن كان الكثير منهم يرى أنه يجب تطبيق القانون والقبض على المشتبه فيهم أحياء ومحاسبتهم وفقًا للقانون؛ فلا يزال «رودريجو دوتيرتي» يحظى بتأييد شعبي للقضاء على المخدرات على طريقته الخاصة.

رودريجو دوتيرتي.. لا يهمه الاتحاد الأوروبي ولا حتى الولايات المتحدة

إن الرجل الذي يستهل خطبة تنصيبه بتحريض الشعب على قتل كل من يشكون في تعاطيه للمخدرات؛ لا يخجل من أن يشهر بإصبعه الأوسط لدول الاتحاد الأوروبي اعتراضًا منه على الحملة التي يشنها الاتحاد الأوروبي ضد حملته لمكافحة المخدرات، وفي فبراير (شباط) العام الماضي هدد دوتيرتي الاتحاد الأوروبي بغلق مكاتبهم والمؤسسات التابعة لهم في الفلبيين بالإضافة إلى تلمحيه بأنه على استعداد لترحيل كافة الدبلوماسيين الأوروبيين من الفلبيين، وبرر ذلك بأن الاتحاد الأوروبي يسعى للتدخل في الشؤون الخاصة للدولة، كما قال أن الاتحاد الأوروبي يسعى لإخراج الفلبين من الأمم المتحدة، وتصريحات دوتيرتي جاءت بعد شهر واحد من رفضه معونات أوروبية بقيمة 6.1 مليون يورو، وربما كان يستعد بذلك لاتخاذ موقف صارم من موقف الاتحاد الأوروبي تجاه حربه الدامية ضد المخدرات.

رودريجو دوتيرتي وهو يهاجم الاتحاد الأوروبي. مصدر الصورة- Business Insider

في مطلع سبتمبر (أيلول) 2016 أعلن البيت الأبيض أن باراك أوباما الرئيس الأمريكي السابق يلغي اجتماعه المرتقب مع الرئيس الفلبيني «رودريجو دوتيرتي» الذي كان من المقرر انعقاده خلال ملتقى دول جنوب آسيا، وذلك بعد أن قام الأخير علنًا في مؤتمر صحفي بسب باراك أوباما علنًا ونعته بـ«إبن العاهرة» وهدده بأنه سوف يهينه في الملتقى لنفس السبب الذي يعادي دوتيرتي الاتحاد الأوروبي من أجله وهو سياسته في مكافحة المخدرات.

ولكن هذه المرة سرعان ما تراجع واعتذر عن إهانته لباراك أوباما بعد أن فرض الأخير عقوبات اقتصادية على الفليبين كبدت الاقتصاد خسارة 6% من قيمة الناتج المحلي في أيام قليلة، وبعد رحيل أوباما؛ حاول دونالد ترامب كسر كل البرتوكولات الأمريكية وأصبح صديقًا لدوتيرتي ودعمه في حربه ضد المخدرات، ولكنه سرعان ما غير رأيه كما فعل مع بشار الأسد، وذلك بعد أن أعلنت وكالة الاستخبارات الأمريكية«CIA» أن الرئيس الفلبيني يشكل خطرًا على الديمقراطية في آسيا وطالبت الحكومة بفرض عقوبات عليه حتى يرجع عن سياسته العنيفة.

المصادر

تحميل المزيد