صباح 8 يوليو (تموز) 1971، أعلن وزير الثقافة الفلبيني ماندا إليزالدا عن كشف لقبيلة مكونة من 26 فردًا من العصر الحجري، يعيش أفرادها في بيئتهم منعزلين عن العالم منذ مئات السنين، ويحيون في غابة مطيرة بجزيرة مينداناو، جنوب شرق آسيا، وسط الأنهار التي تغطي المنحدرات الشديدة، والوديان العميقة وسط غابة كثيفة مظلمة تزيدها السحب الثقيلة ظلمة ورهبة.

وقال إليزالدا في تصريحه أن التواصل مع القبيلة صعب حتى الآن، فهم يتحدثون لغة غريبة، ولا يعرفون أساليب الزراعة، ويجمعون طعامهم من البرية؛ كالموز والدرنات والحشرات والضفادع، ويصنعون أدواتهم كالفؤوس الحجرية، ومازالوا يسكنون الكهوف ويسترون عوراتهم بأوراق نبات الأوركيد.

وأكد إليزالدا للإعلام أن هذه المجموعة الصغيرة لم تكن تعرف أي شيء عن العالم الخارجي، أو حتى تعرف بوجود الزراعة، أو قرية الفلاحين الموجودة على بعد كيلومترين ونصف من كهوفهم؛ معتقدين أن الوحوش البرية والقبائل الهمجية تنتظرهم بالخارج، وأن الغابات من حولهم مسكونة بالأرواح، ولذلك ظلوا بالداخل، لا يعرفون كيف ولماذا جاءوا إلى هذه الغابة، ولكنهم يعرفون فقط أن أجيالًا من قبيلتهم عاشوا في هذه الغابة ولم يبرحوها.

إليزالدا مع أحد أفراد التاساداي عام 1971-  المصدر أمازون.

البراءة العارية على صفحات «ناشيونال جيوغرافيك»

تم إطلاق اسم «تاساداي» على القبيلة المكتشفة، وكان ينقصهم من حياة الإنسان البدائي قدرته على اصطياد القردة والغزلان والخنازير البرية التي تملأ الغابة من حولهم. كما أن الزمن توقف بهم؛ فلم يعرفوا الفخار وصناعته أو النسيج أو المعادن أو الرسم والنقش أو بناء الأعشاش أو صناعة الأسلحة من أجل الدفاع عن النفس. وظهرت القبيلة على أنها تحمل براءة تفوق الإنسان الأول؛ فأهلها لا يقتلون الحيوانات ولا يصنعون الأسلحة البدائية من الأحجار، ويحسمون مشاكلهم بالنقاش والاقتناع، وليس في قاموس لغتهم كلمة «حرب»، ويعيشون بالحب، الحب فقط وقودهم وطعامهم.

غلاف مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» لصبي من قبيلة «تاساداي»

ظهرت أخبار القبيلة على نشرات التليفزيون، وتصدرت صورة لصبي يتسلق شجرة غلاف مجلة «ناشيونال جيوجرافيك» في عدد أغسطس (آب) 1972، وفي عدد آخر نشرت المجلة صورة لأب وابنه من أهل «تاساداي»، مع تعليق: «في براءة عارية، صبي من التاساداي يلهو بزهرة جميلة اقتطفها من البرية، في جنة عدن البدائية»، وعرضت جمعية «ناشيونال جيوغرافيك» فيلمًا وثائقيًا عن القبيلة على شاشات تليفزيون العالم في نفس العام. وفي عام 1975 صدر عنهم كتاب «قبيلة تاساداي الوديعة» من تأليف جون نانس، وهو الكتاب الذي وزع نسخه بأعداد خيالية حول العالم، وأصبحت القبيلة مزارًا لأهم الشخصيات، ومنها الممثلة جينا لولو بريجيدا.

وحيدًا في الغابة 27 عامًا.. ماذا فعلت حياة البرية بـ«كريستوفر الراهب»؟

كشف علمي ممنوع على العلماء

كان إليزالدا هو من قاد فريق الاكتشاف الذي عثر على شعب «تاساداي» لأول مرة، وفي مارس (آذار) 1972 أقام معسكرًا خاص لفريقه المكون من 41 شخصًا، بالقرب من مصب الماء النابع من كهوف «تاساداي»، حتى يتمكنوا من مراقبة حياة هؤلاء الأشخاص، خلال أشهر تالية؛ وخلال هذه الفترة كانت مروحيات إليزالدا تقل السياسيين ونجوم السينما والصحافيين والمشاهير ومنتجي ومخرجي الأفلام إلى موقع كهوف «تاساداي» من أجل الزيارة.

اختار إليزالدا تسعة علماء بعناية، وسمح لهم بزيارة الموقع لبضعة أيام، وكتابة ونشر التقارير. استمرت محاولات علماء الأنثروبولوجيا من أجل زيارة القبيلة في حملة لاستكشافها والتعرف على أسباب عزلتهم، ولكن وقف أمامهم الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس، ورفض دخولهم إلى القبيلة، وكان مبرره أنه يريد أن يحفظهم بريئين كما هم، كذكرى حية لعالم الإنسان البدائي القديم، الذي لم يتلوث بالمدنية بعد، عرايا جوعى تهددهم الطبيعة.

Embed from Getty Images

في 16 ديسمبر (كانون الأول) 1972 اتخذ إليزالدا قرارًا مع رئيس الفلبين بإغلاق معسكره الأساسي، وخصص فرديناند ماركوس لقبيلة «تاساداي» مستعمرة مساحتها 45 ألف فدان، وأغلقها عليهم تمامًا، وأوقف جميع الاتصالات بين «تاساداي» والزوار الخارجيين، باستثناء زيارات إليزالدا السريعة. وبجانب ذلك هدد الرئيس الفلبيني ماركوس أي عالم يُقبض عليه في محاولة لدخول منطقة «تاساداي» دون إذن من إليزالدا بالسجن، مما تسبب في غياب أي حديث عن «تاساداي» لمدة بلغت 13 عامًا، حتى الإطاحة بحكومة ماركوس.

«الأسطورة» تتفكك

كانت فرصة الاشتباه في إليزالدا ضئيلة، فقد كان أشبه بالأيقونة في ذلك الوقت، شاب ينحدر من إحدى العائلات الأكثر ثراءً في الفلبين، وكان قد تخرج في جامعة هارفارد، ورغم ذلك تخلى عن رفاهيته ورفع شعار الحقوق الكاملة للأقليات في الفلبين ودافع عن معتقده كمواطن وبعد ذلك كعضو في حكومة فرديناند ماركوس.

أصبح إليزالدا بعد ذلك أشبه بـ «كلب دعاية»، كما وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» في خبر وفاته، وصنع لنفسه اسمًا، وصنع لنفسه أعداءً أيضًا في مغامراته من أجل الدفاع عن الأقليات البدائية في البلاد، ولكن حصانته لم تدم. عُزل الرئيس الفلبيني ماركوس في فبراير (شباط) 1986، وظهرت تقارير صحافية كثيرة حول «تاساداي» مع تحليلات تصف القصة القديمة بأنها «خدعة».

وسط الفوضى التي تلت العزل استطاع الصحافيون الأجانب التسلل إلى موقع «تاساداي»، واكتشفوا حقيقة أن حياتهم لا تختلف عن سكان مانوبر الريفيين الآخرين في جنوب الفلبين.

صورة أوزوالد إيتن لأحد رجال قبيلة «تاساداي» يقطع الأعشاب بالسكين مع زوجته – المصدر موقع «سكولارز»

بعد شهرين فقط من عزل الرئيس تسلل إلى مستعمرة «تاساداي» عالم الأنثروبولوجيا والصحافي أوزوالد إيتن، برفقة جوي لوزانو الصحافي من جنوب كوتاباتو، وصاحبهم داتو غالانغ تيكاو أحد أعضاء قبيلة توبولي المحلية  على الرغم من عدم معرفته بلغة «التاساداي».

تسلل الثلاثة إلى «تاساداي» في زيارة بدون تصريح، ومضوا إلى الكهوف ووجدوها مهجورة، ووجدوا أهل القبيلة في ساحة أشبه بالسوق، وقضوا قرابة ساعتين مع بعض أفراد القبيلة. فوجئت المجموعة بأهل القبيلة البريئة يسكنون المنازل، ويبيعون اللحم المدخن، ويأكلون الأرز المطهي، ويلبسون التي شيرت والجينز، ويتحدثون فيما بينهم بلهجة محلية معروفة، ولديهم أسياخ معدنية وأدوات نحاسية وأقواس مصنوعة من الخيزران وأكواب زجاجية وسكاكين وعلب معدنية ومنتجات أجنبية.

قال أهل القبيلة أنهم كانوا مدفوعين للكذب بشأن حقيقتهم تحت ضغط إليزالدا، والمال الذي قدمه لهم، ووعوده بحمايتهم، فلعبوا دور سكان الكهوف وارتدوا أوراق النباتات، ومثلوا الهمجية والبدائية.

عاد إيتن ولوزانو وكتبوا عن كذبة إليزالدا، ونشروا اعترافات أهل «تاساداي»، بأنهم أفراد في قبائل محلية معروفة، نفذوا أوامر إليزالدا من أجل المال، وانكشف أمر رجل استطاع خداع العالم، وكان الرد من أهل قبيلة «تاساداي» ودفاعًا عن تميزهم الثقافي، قدم العديد منهم دعوى تشهير ضد علماء الأنثربولوجيا الذين اعتبروهم مزيفين وممولين، وصرخت إحدى نساء القبيلة وهي توقع على شكواها: «نحن الغابة. نحن حقيقيون مثل الغابة والأزهار والشجر والجذور».

لم يكن إليزالدا هناك عندما انكشفت خدعته. فقد هرب إلى خارج الفلبين عام 1983، ومعه ملايين الدولارات التي جمعها في صندوق وطني باسم قبيلة «تاساداي». هرب إليزالدا بعد اغتيال زعيم المعارضة السياسي الفلبيني بنينو أكينو، وشعوره بأن الوضع لم يعد آمنًا، بالإضافة إلى خلافه مع إميلدا ماركوس، زوجة الرئيس، على مزرعة للبن؛ وبعدها استقر إليزالدا في كوستاريكا مع 12 شابة فلبينية، حتى طردته حكومة كوستاريكا في عام 1986، مستشهدة بتقارير فاضحة عما حدث داخل مجمعه السكني ذي الحراسة المشددة.

عاد إليزالدا إلى الفلبين في عام 1987، وبقي حتى وفاته عام 1997، بعد معاناة مع مرض سرطان الدم. وخلال هذه الفترة التي مكث فيها قبل وفاته ساعد في إدارة المصالح التجارية المترامية الأطراف لعائلته، وحاول إحياء مسيرته السياسية دون جدوى، وادعى أنه أنفق على قبيلة «تاساداي» أكثر من مليون دولار من صندوقهم الخيري غير الربحي، وحاول إعادة مشروعه بإنشاء مؤسسة «TCCF» لرعاية «التاساداي».

الفرضية المُحرَّمة.. هل تمتلك الحيوانات وعيًا مثلنا؟

خدعة غير محكمة

عندما قيل للجمهور أن «تاساداي» حجريون لا يرتدون سوى أوراق النباتات، وأظهرتهم على هذه الحالة مئات الصور المنشورة، شكك علماء الأنثربولوجيا في أن الفؤوس الحجرية حقيقية، وأنها صنعت على عجل من أجل إبهار الصحافيين الزائرين، فلم يظهر بالصور أي دليل على وجود أي تقنية استخدم فيها أهل القبيلة الأحجار من قبل، ولذلك صعب عليهم اعتبار مصطلح «العصر الحجري» صحيحًا.

شكك العلماء أيضًا في قدرة «تاساداي» على العيش بدون اصطياد الحيوانات أو الزراعة، وذلك لأن الغابات المطيرة الفلبينية لا تحتوي على غذاء بري يحوي نشويات كافية للعيش، مما يجعل الإنسان فيها محتاجًا لما هو أكثر من الفواكه البرية ولب النخيل، ولم يفسر العلماء التسعة الذين زاروا القبيلة كيف يعيش بشر على هذه المحاصيل وتكفيهم، ولكنهم صدموا بالطبع بعدما عرفوا أن «تاساداي» يأكلون الأرز، الذي لا ينبت في غابات الفلبين، كوجبة يومية مع الأشياء التي تُعطى لهم سرًا من قبل موظفي إليزالدا بعد حلول الظلام.

Embed from Getty Images

سقطت معلومة أخرى من ذهن إليزالدا وهو يجهز لـ«كشفه» العظيم؛ وهو الخيزران الذي ظهر في معظم الصور الخلابة التي التقطت لأهل القبيلة، وذلك لأن الخيزران لا ينمو في الغابات المطيرة من تلقاء نفسه، وليس هناك فرصة لوجودة هنا سوى أن هناك من أتى به من حقول المزارعين الموجودة على بعد أقل من ثلاث ساعات سيرًا ثم قام بزراعته في وسط القبيلة المنعزلة. وإذا لم يكونوا على اتصال بأي شخص على مدار مئات السنين، فما سبب أن أهل «تاساداي» كانوا يتحدثون نفس لغة القبائل المحلية المجاورة في جنوب مينداناو، مع وجود فروق طفيفة في اللهجة معتادة بين القبائل.

وقد كتب لورانس ريد الأستاذ بقسم اللغويات بجامعة هاواي، في ورقة بحثية أنه قضى عشرة أشهر مع أفراد قبيلة «تاساداي»، والقبائل المحيطة بهم، وفي بحثه عن الآثار اللغوية اكتشف خطأ اعتقاده بأن لغة «تاساداي» خاصة بأهلها، باعتبارهم معزولين، ولكن بعد تحليل مفصل للأدلة اللغوية وجد عددًا يتخطى 300 تركيب لغوي تستخدمه القبائل من حولهم، كما عاد بأدلة أكثر في زيارته الثانية للقبيلة، وخلص إلى أن «تاساداي» هي على الأرجح مجموعات منفصلة كانت تعيش كجماعات في الغابة، لم يتصلوا بالمدينة، ولكنهم لم يمثلوا قط ثقافة العصر الحجري.

حقيقة قبيلة «تاساداي» لم تكن كما ظهرت على الإعلام الرسمي الفلبيني حينئذٍ، وإن كان هناك حقًا مجتمع صغيرة يشكله أهل «تاساداي»، لكنه لم يكن يومًا منعزلًا عن العالم من حوله؛ فقد كانوا مجرد مجتمع مزارعين من سلالة فلاحي مانوبو، وهجروا قريتهم في القرن التاسع عشر، منها إلى أعماق الغابة المطيرة، قرب المكان الذي ظهروا فيه لحظة الاكتشاف؛ وهناك كانوا يختلطون بمزارعي القرية التي لا تبعد عنهم أكثر من خمسة كيلومترات.

«نظرية التطور».. هل نحن مجبرون على الاختيار بين العلم والدين؟

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!