واحد من أعمق وأهم أسرار الكتاب المقدس المسيحي (الإنجيل) يمكن أن تكون على وشك أن تحل. فيبدو أن علماء الآثار وجدوا مقبرة تابعة للفلسطينيين القدماء (الفلستيون) للمرة الأولى على الإطلاق، جنبا إلى جنب مع بقايا ما يقرب من مئتي شخص دفنوا هناك.

واحد من أعمق وأهم أسرار الكتاب المقدس المسيحي (الإنجيل) يمكن أن يكون على وشك أن يحل؛ فيبدو أن علماء الآثار وجدوا مقبرة تابعة للفلسطينيين القدماء (الفلستيون) للمرة الأولى على الإطلاق، جنبًا إلى جنب مع بقايا ما يقرب من 200 شخص دفنوا هناك.

المقبرة مع بقايا هؤلاء الأشخاص قد تساعد على تسليط الضوء على واحدة من أكثر أسرار الإنجيل غموضًا. وقال العلماء إن أفراد الأمة المذكورة في الكتاب المقدس يبدو أنهم ليسوا الفلستيون، وذلك بعد أن وجدوا أن بقايا الأشخاص الموتى مدفون إلى جانبهم مجوهرات وزيوت عطرية. الآن، فإن هؤلاء العلماء أعلنوا أنهم سوف يجرون مزيدًا من الاختبارات التي يمكن أن تلقي مزيدًا من الضوء على هذا الشعب المفترى عليه.

قد تعطينا هذه الاكتشافات ما يكفي لتجعلنا نعيد التفكير في استخدام كلمة «الفلسطينيين القدماء»، أو «الفلستيون»، أو بالإنجليزية «Philistine»، والتي لانزال نستخدنها حتى يومنا هذا، والتي تميل إلى وصف أفراد شعب جاهل لا يعرفون ما يكفي عن الفنون.

الفلسطينيون القدماء

ويقصد بهم هؤلاء الشعب المذكور في الإنجيل في العديد من المقاطع التي تصفهم باعتبارهم دخلاء قادمون من «أرض كفتور»، والتي يقصد بها «جزيرة كريت» في زمننا الحالي، وبالتالي فهم شعب بحري هاجر من جزيرة كريت، واستقرت في المنطقة الساحلية الجنوبية من «أرض كنعان».

في الكتاب المقدس الكنسي في كل من اليهودية والمسيحية الغربية، فإن الكتب التاريخية تصف أرض هؤلاء الفلستيون بالدولة خماسية الأضلاع (Pentapolis) في جنوب غرب بلاد الشام، والتي تضم خمس مدن في مقام الدول الصغيرة، وهي «غزة، وعسقلان، وأشدود، وعقرون، وجت»، والممتدة في المنطقة بين «وادي غزة» جنوبًا إلى «نهر يارجون» في الشمال. هذا الوصف يصور الفلسطينيين القدماء في فترة معينة من الزمان؛ إذ كانت مملكة إسرائيل القديمة تقع بين أخطر أعدائها، وهم هؤلاء الفلسطينيون القدماء في هذه المدن الخمس.

ومع ذلك، فإن الشريعة المسيحية الشرقية كانت تستخدم مصطلح (allophuloi) والذي يعني الأمم الأخرى، بدلًا من استخدام مصطلح الفلستيون. لكن بعض مصادر اليهودية كانت تقول بأن هؤلاء الفلستيين المذكورين في «سفر التكوين»، مختلفون عن هؤلاء الفسطينيين القدماء الذين تذكرهم الكتب المسيحية واليهودية التاريخية.

مصطلح فلستيين في الثقافة الأروربية المعاصرة، تحول إلى مرادف لضيق الأفق، والتهالك المادي، وجاء هذا الأمر من النصوص التوراتية المختلفة؛ فالعهد القديم يصف الفلستيين بأقذع الألفاظ واصفًا إياهم بأنهم الأوغاد في فترة ما قبل العصر الآشوري في فلسطين. ويرى البعض أن هذا الحكم متحيز من جانب هذه النصوص التوراتية. وتجدر هنا الإشارة إلى الاختلاف بين الفلسطينيين الحاليين، وبين هؤلاء الفلستيون، أو كما يقال لهم في المصرية القديمة «بيليست» Peleset أو «فلشتيم» باللغة العبرية.

فكل من الفلسطينيين المعاصرين والفلستيين، هما مصطلحان متمايزان يشيران إلى واقعين تاريخيين متمايزين، بالرغم من حقيقة أن الفلستيين هم الذين أعطوا لهذه القطعة من الأرض اسمها التاريخي المستخدم حتى يومنا هذا. وتجدر الإشارة إلى أن الفلستيين القدماء ليسوا هم الجذور التاريخية للفلسطينيين المعاصرين؛ فالفلسطينيون الحاليون هم ليسوا مجموعة عرقية، لكنهم نتاج لعملية تاريخية طويلة.

خريطة توضح مدن فلستين القديمة

طالوت وجالوت

وقال «لورانس ستاجر»، وهو المهندس المعماري الذي قاد الحملة التي وجدت هذه المقبرة، بعد عمليات بحث منذ عام 1985، إن الفلستيين كان لديهم الكثير من السمعة السيئة، لكن هذا الكشف المذهل من شأنه تبديد الكثير من الخرافات المحاكة حولهم. وأوضح أنه حتى الآن، فإن أكثر فهمنا للفلستيين جاء من خلال الأشياء التي قد تركت وراءهم، «ولكن الآن، فإننا لأول مرة نجد رفاتهم».

وقال «دانيال ماستر»، أستاذ علم الآثار في كلية ويتون، وأحد المشاركين في هذا الاكتشاف، إنه بعد عقود من دراسة ما ترك الفلستيون وراءهم، ها نحن أخيرًا أصبحنا معهم وجهًا لوجه، «مع هذا الاكتشاف نحن قريبون من فتح أسرار أصولهم»، طبقًا لوصفه.

في الكتاب المقدس، صُوِّر ووُصف الفلستيون بأنهم العدو اللدود لإسرائيل القديمة، وهم شعب من الأجانب الذين هاجروا من الأراضي في الغرب، واستقروا في خمس مدن رئيسة في بلاد الفلسطينيين، في جنوب إسرائيل وقطاع غزة، بالنسبة لزمننا الحالي. وكان الفلستي الأكثر شهرة هو «جالوت»، المحارب المخيف الذي قتله «داوود»، نبي الله والملك المتوج.

إرث الفلستيين ظل موجودًا في هذه الأرض التي سكنوها، بعدما منح الرومان اسم «فلسطين» لها منذ القرن الثاني الميلادي، وهو نفس الاسم الذي لم يزل يستخدم حتى اليوم من قبل الفلسطينيين.

وكشف النقاب عن هذا الاكتشاف أخيرًا يوم الأحد 10 يوليو (تموز) 2016، في ختام أعمال الحفر التي استمرت لمدة 30 عامًا كاملة من قبل البعثة التي يقودها «ليون ليفي»، وهو فريق من علماء الآثار من جامعة هارفارد، وكلية بوسطن، وكلية ويتون في إيلينوي، وجامعة تروي في ولاية ألاباما.

هل كان الفلستيون قومًا همجيين بالفعل؟

إخفاء لمدة ثلاث سنوات

وطبقًا لما ذكره «دانيال ماستر»، فقد قاموا بإخفاء هذا الاكتشاف بشكل سري لمدة ثلاث سنوات حتى نهاية حفر؛ وذلك بسبب خوفهم من خطر وحيد لعلم الآثار في دولة إسرائيل المعاصرة، وهو أنهم لا يريدون جذب المتظاهرين اليهود المتشددين دينيًا. وأوضح ماستر أنهم اضطروا لربط ألسنتهم لفترة طويلة.

في الماضي، نظم هؤلاء المتشددون دينيًا مظاهرات في منطقة حفريات؛ إذ عثر على بقايا بشرية، بحجة أن ما تبقى من هؤلاء يمكن أن يكونوا ليهود، وبالتالي فإن الحفريات ونبش القبور يمكن أن تسبب إزعاجًا لهم؛ كونها تنتهك الحظر الديني.

حفر فريق «ستاجر» بانخفاض حوالي ثلاثة أمتار (10 أقدام) للكشف عن المقبرة، التي وجدوا أنها كانت تستخدم منذ قرون في وقت لاحق كأماكن لحفظ وتعتيق الخمر الروماني. ومن خلال الجلوس على اليدين والركبتين، أبعد العمال باستخدام الفرشاة طبقات من الأرض المتربة للكشف عن عظام بيضاء هشة من الهياكل العظمية الكاملة للفلستيين، والتي وضعت ودفنت هناك منذ قرابة الثلاث آلاف سنة.

كما عُثر على نوع من الأواني المزخرفة التي يعتقد أنها كانت تحتوي على الزيوت العطرية. كما أنه لا تزال بعض الجثث ترتدي أساور وأقراط، وكانت جثث أخرى تحمل الأسلحة. واكتشف علماء الآثار أيضًا بعض عمليات الحروق، التي يقول فريق البحث إنها كانت نادرة وباهظة الثمن في تلك الفترة، بالإضافة لبعض الأباريق الكبيرة التي كانت تحتوي على عظام الرضع.

وأضاف ستراجر أن حياة المواطن هنا كانت أنيقة ودنيوية ومتصلة مع أجزاء أخرى من مناطق شرق البحر الأبيض المتوسط. موضحًا أن هذا الأمر كان على النقيض من حياة القرية الأكثر تواضعًا للإسرائيليين الذين كانوا يعيشون في التلال إلى الشرق.

علماء الآثار وعلماء الكتاب المقدس كانوا يعتقدون لفترة طويلة أن الفلستيين جاؤوا من منطقة «بحر إيجه»، وذلك على أساس الفخار الذي وجد في حفريات المواقع الفلستية. ولكن العلماء كانوا يتجادلون بشأن تحديد المنطقة الموجودة في بحر إيجة بشكل أكثر دقة: البر الرئيس لليونان، أو جزيرة كريت، أو جزيرة قبرص، أو حتى منطقة الأناضول، التي تمثل تركيا في العصر الحديث.

عرض التعليقات
تحميل المزيد