تحت ظلال شجرة حياة «تيرانس ماليك» الفنية التي يجتمع فيها الملل أحيانًا، والشعور بالضيق أحيانًا، أخرى، والتي تشعر فيها بعدم الفهم، وأن هناك جانبًا فلسفيًا وراء تلك المشاهد الصامتة التي تبدأ من عشب الأرض، وتنتهي بالأجرام السماوية، مرورًا بالجبال والأنهار، ونص يُقرأ في الخلفية من الإنجيل يتحدث عن الرابط الُمقدس بين الكائنات الأرضية والأكوان المحيطة به، والكثير من الدلالات الروحية والنفسية، نتعرف على تيرانس ماليك أستاذ الفلسفة السابق، الذي عمل مُدرسًا في جامعة «MIT»، وقام بترجمة كتاب «Essence of Reasons» للفيلسوف الألماني «مارتن هيدجر» من الألمانية إلى الإنجليزية، وقد عمل في السينما منذ عام 1969، وكانت البداية بفيلم قصير يدعى «Lanton Mills».

كان ذلك الفيلم الذي مدته 10 دقائق أطروحته لنيل درجة الماجستير في الفنون الجميلة، قسم صناعة الأفلام، وقام بعده بإخراج فيلمين آخرين حتى عام 1978، ثم انقطع من 1978 إلى 1998 في صمتٍ تامٍ بعيدًا عن الأضواء، ثم يعود بعد ذلك بفيلم «The Thin Red Line»، والذي يُعد قصيدة ملحمية غنائية عن جنود في الحرب العالمية الثانية، ومقتبسة من رواية «جيمس جونز».

أيّام الجنة وسينما هيدجر!

لم يتخلَّ ماليك عن الفلسفة في أعماله، وربما كانت آخر أعماله في مجال الفلسفة حين ترجم كتاب هيدجر مفتاحًا لدخول عالم الفن من زاوية مختلفة وفريدة. على إيقاع موسيقى «إنيو موريكوني» يكتب الفيلسوف الأمريكي «ستانلي كافيل» عن العلاقة بين السينما وأفكار الفيلسوف الألماني «هيدجر»، كانت فكرة «كافيل» مستوحاة من فيلم «أيام الجنة»، وكان الحديث عن «تيرانس ماليك» يتصدر مقدمة كتاب كافيل «The World Viewed».

يُجادل «كافيل» حول أفلام ماليك على أنها شيء مختلف عن سينما هوليود، شيء يجعلنا نلتصق بالحالة الشعورية للشخصيات التي يصنعها، ويغمرنا داخل المشاهد الصامتة التي يعتمد فيها على الصورة أداةً للحوار بديلًا عن الصوت، ويترك أحيانًا للمُشاهد حوارات صوتية بسيطة جدًا لتلقي بعض المعلومات التي ليست بالضرورة تقوم بتفسير شيءٍ ما، ولكنها تجعل المُشاهد منتبهًا للمشهد، وممُسكًا به لكي يفهم سياق الأحداث.

ويرجع ذلك الربط إلى أنّ هيدجر يُعدّ من مؤسسي «فلسفة الوجود» التي تبحث في أصل وجود الإنسان وعلاقته بالكائنات الأخرى في العالم، إذ قام هيدجر بالبحث في وجود الإنسان وتواصله مع ما يدور حوله، وعن معنى حياتنا وأزمة العصر الذي نعيش فيه والطريق إلى الحرية والخلاص، ويجب أن نُكلف نفسنا مشقة البحث عن ذاتنا تلك حتى «نصل». ويتطرق هيدجر أيضًا إلى وجودنا واتصالنا مع الآخرين والكون من حولنا، ويعتبر أن أنانية الإنسان لتحقيق ذاته تجعله يُعامل من حوله على أنهم أدوات يستخدمها لتحقيق رغباته في الحياة.

فلسفة هيدجر( الفيديو بالانجليزية)

كل تلك المعاني يقوم ماليك بالتلاعب بها داخل أعماله السينمائية، فدائمًا ما يسعى إلى تحقيق رغبة هيدجر في وحدة الوجود وتواصل الإنسان مع الطبيعة من حوله لكي يخطو خارج نطاق ذاته الضيقة إلى رؤية أكثر أتساعًا، وذلك ما يطلق عليه هيدجر «وحدة الوجود»، فدائمًا ما ينتقل بالكاميرا بين الشخصيات والأرض والسماء والبحر والنجوم والكواكب، ويجعل مشاعر الشخصيات وانفعالاتهم مرتبطة بحركة الكون من حوله.

حديث المخرج «كريسوفر نولان» عن الصورة باعتبارها أداة لغوية في أفلام تيرانس ماليك

ويفترض الفيلسوف الفرنسي «موريس ميرلو» أن المعنى في الأفلام يتم إنتاجه عن طريق العلاقة التي يخلقها الفيلم مع المُشاهد، وأن المُشاهد والسينما يشتركان في وجودهما في العالم وطُرق استيعابهما، على الرغم من الفروق بينهما كبشري وآلة، ولكنهما يمتزجان كنسيجٍ ودمٍ واحد، ويقول «ميرلو» إن السينما والمُشاهد يجب ألا يكونا في جزرٍ منعزلة، ويجب أن يستثمرا بعضهما البعض، ولذلك فعندما نُعاني في أفلام ماليك، فإن المعاناة تكتسب معناها من وجودنا في هذا العالم، ومن ثم مشاهدة تلك المُعاناة تتجسد في صورة صامتة تتحدث نيابة عنا، ولذلك فإن الاغتراب الذي تحدث عنه «هيدجر» في شرح الوجود الزائف للإنسان الذي يجعله يتبع إرادة الآخرين، وينصرف عن إمكاناته واختياراته الذاتية كان جليًا في فيلم فارس الكؤوس لماليك.
اقرأ ايضًا: 18 فيلمًا فلسفيًّا أنتجتها السينما

فاروس الكؤوس وفلسفة «يعقوب بوهمه»

كان بوستر فيلم فارس الكؤوس اختصارًا لما ستؤول له أفكار ماليك هذه المرة، لم يستخدم ماليك في «البوستر» صورة لأبطال الفيلم، ولا لقطة من المشاهد، بل كان البوستر عبارة عن شجرة الروح للكاتب  «ديونيسيوس أندرياس فرير» الذي استلهمها من أفكار الفيلسوف الألماني «يعقوب بوهمه».

كان «بوهمه» مشهورًا بأفكار التصوف والفناء في الله، وكان متأثرًا بالأفلاطونية التي تسعى للتصوف، وكان يعتقد أن الإنسان نزل من العالم العلوي المليء بالخير إلى العالم السفلي المليء بالمعاناة، وأن الله يريده أن يرجع إلى العالم العلوي، لكنه يجب أن يمر من خلال جحيم العالم السفلي لكي يرجع لعالم الخير العلوي.

يقول «ريك» بطل فيلم «فارس الكؤوس» ويقوم بدوره كريستيان بيل: «أنا لا أستطيع أن أتذكر الرجل الذي أردت أن أكون»، فيرد عليه صوتٌ آخر: «يجب أن تبحث عن طريقك من  الظلام  إلى النور»، حالة فقد الهوية التي يشعر بها ريك لم يحصرها «ماليك» على «ريك» وحده بل يقطع مشهد حالة ريك ويأتي بمشهد للأرض تلف حول الشمس في بحرٍ من الظلام ليشعر المشاهدين جميعًا بفقد دورهم في هذا الكوكب داخل تلك الحالة ومُشاركين فيها.

يأتي في نهايات الفيلم قديس يُقربنا أكثر من أفكار «بوهمه»، ويقول إن المعاناة التي يرسلها إلينا أُناس حولنا هي منحة من عند الله، يريدنا أن نرتقي بواسطة المعاناة إلى عالم آخر يمكننا من خلاله رؤية ما يكمن وراءه؛ لأنه عندما يجعلك تعاني، يجعل هناك شيئًا أكبر من طاقتك، وقدرتك شيئًا أعلى من نفسك، ولذلك فإن المعاناة تقوم بترقيتك لكي ترى ما وراء الأشياء بشكل أعمق، ويقول القديس إنّ هذه هدية ثمينة أكثر من السعادة التي نتمناها لأنفسنا.

المُعاناة- فيلم فارس الكؤوس

دائمًا ما يكون هناك مشهدٌ للبحر مما يستدعي أتصالًا نقيًا بالإله، ولكنه يأتي بمشهد لليخوت والممتلكات الباهظة التي تحوم حول البحر وتُحاصره وتفقدنا الوعد الأول بالجمال والرضا، ويواجه «ريك» زلزالًا يبدو فيه العالم كهيكل كامل في طريقه إلى نهاية وشيكة، وعندما يضع ريك أذنه على الأرض يبدو كأن الأرض على وشك الإنفجار، يتجاوز هذا المشهد إلى رجلين مُشردين يقتحمان شقة «ريك» بحثًا عن المال، كل ذلك يجعله ماليك يؤثر على نظامنا الكوني الذي نعيش داخله.

إن يأس ريك في بحثه عما يفقده في حياته هو نفسه ما يُكرره ماليك في شخصياته، وفي بحثه عن الرضا عن طريق الاتصال الأبدي مع الله، واستيعاب الخلاص غير المادي المتجاوز لهذا العالم، وذلك يعُبر عن  فكر أفلاطوني يقول إن أشياء هذا العالم هي مجرد نُسخ أرخص من المُثل العليا، وهي مجرد ظلال على جدار كهف.

رحلة حجّ تيرانس ماليك

منذ عام 1973 بدأت رحلة حج ماليك، الرحلة التي يتجرد فيها من العالم المادي، ويسعى للاتصال بعالم مُفارق لهذا العالم الاستهلاكي، عالم بعيد عن التفسيرات التجريبية المعملية. «يوتوبيا» يمكننا رؤيتها في أفلام ماليك، فيمكننا رؤية سعي شخصية «كيت» في أن يصبح أسطورة ولغز خالد في فيلم «Badland»، أو في العالم الآخر الذي يتخيله «وايت» في«The Thin Red Line»، أو في شجرة الحياة التي يمرُّ فيها من بداية خلقه إلى نهايته بحثًا عن نفسه، ولكن في «To The Wonder» نبحث فيما يريده ماليك من خلال علاقة حميمية بين عشيقين.

تُعدّ أعمال «تيرانس ماليك» مُقاربة لأعمال «جون بنيان» الكاتب الواعظ الإنجليزي الذي اشتهرت كتاباته بالمواعظ الدينية، إن رواية «رحلة الحج» لـ«بنيان» هي تطور لشخصيات «ماليك» من التجول بلا قصد للعبور إلى اللانهائية.

على مدى السنوات الأربعين الماضية، أصبحت تأثيرات ماليك كمخرج أكثر تطورًا في المسيحية؛ إذ تثير أفلامه معركة بين المادية والوفاء من مصدر غير ملموس من الأشياء الإدراكية أو الحب من ألوهية بعيدة المنال. هذا الصراع بين استهلاك المواد والوفاء الأبدي يلعب في التناقض بين شخصياته، وحتى في تصويره للطبيعة في أفلامه التي تضاعف الطريق إلى الله، والمواد التي يمكن أن تكون مملوكة له في طريقة لإيجاد نفسه وإيجاد الله.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!