توضح الاحتجاجات الأخيرة في هونغ كونغ وجود اتجاه بين الحركات الشعبية التي تستخدم استراتيجيات المقاومة المدنية لزيادة التركيز على الاستيلاء على الحيز المادي، التي تُعرف في العالم الآن بتكتيك «احتلوا» أو Occupy.

يتركز التجمع عادة حول ساحة مركزية، كما كان الوضع في مصر وأوكرانيا، أو يتركز حول موقع معين يرمز إلى الظلم، كما هو الحال بالنسبة لحركة احتلوا وول ستريت. لقد شكَّل احتلال الميادين وجبة دسمة للتغطية الإعلامية في كل الحركات الاحتجاجية التي حدثت على مدى السنوات القليلة الماضية. وهذا يمثل ظاهرة جديدة نسبيًا عند النظر في التاريخ الطويل لحركات المقاومة المدنية، عندما كان من النادر أن يحدد تكتيك أو مكان الاحتلال أهداف الحركة بأكملها.

ويبدو أن أحداث احتلال الميادين الأخيرة تتميز بانفتاحها وسهولة الوصول إليها. ويبدو أن هذا ما يجعلها قوية ولكن عرضة للمخاطر أيضًا. حيث يسمح لهم هذا العنصر إما بجذب المحتجين سواء أكان من جانب المدنيين العاديين أم من جانب أولئك المرتبطين بالنظام أو غيرهم من المعارضين، وعندما تبدأ القوات الحكومية أو التابعة للنظام في إجراءات القمع، فإنه يمثل رمزًا شعبيًا للخسارة الحقيقية أو المنظورة للزخم. تخلق المواقع المحتلة مسرحًا شعبيًا للمقاومة، وهذه نقطة محورية لجذب التضامن العالمي الذي يأتي عن طريق التغطية الإعلامية الدولية، رغم أنها قد تخضع أيضًا للأهواء، ونقص المعرفة بديناميات المقاومة المدنية. ولذلك فهي تمثل عمومًا لعبة محفوفة بالمخاطر يعتقد منظموها حاليًا بأنها استراتيجية ناجحة.

استراتيجية ناجحة

وبالطريقة نفسها التي استخدم بها مصطلح «الثورات الملونة» من قبل خصوم الحركات اللاعنفية لتحديد المحاولات الناجحة وغير الناجحة لقلب الحكومات الاستبدادية، فإن وسائل الإعلام العالمية حريصة الآن على تغطية أحداث احتلال الميادين. فهل هذا يعني أننا ندخل عصر الاحتلال؟ ما مزايا استخدام هذا التكتيكوما عيوبه؟ وكيف يمكن للحركات القيام بعمليات «احتلال» بشكل أكثر فعالية؟

ومثلما روج فلاديمير بوتين إلى مصطلح «الثورة الملونة» كوسيلة تشير إلى أن جميع هذه الحركات يجري تغذيتها عن طريق قوى خارجية، فإن مصطلح «احتلال» يمكن إعادة صياغته كمصطلح تحقير يهدف إلى تصنيف الحركات الاحتجاجيةوالتقليل من شأنها.

ويمكن القول إن ما يسمى بالثورات الملونة في صربيا وجورجيا ولبنان وإيران، وخصوصًا الثورات الانتخابية في أوروبا ما بعد الحقبة الشيوعية، كشفت عن نهج جديد فعال للمقاومة المدنية، لأنها وجدت طريقة لتحويل المشاركة السياسية التقليدية إلى فعل لاعنفي في اللحظة المناسبة.

خلال عديد من هذه الثورات الانتخابية ظهرت مرحلة بناء الحركة الهامة أثناء الحملة الانتخابية التقليديةوجنبًا إلى جنب معها، كما عملت الجماعات التي قادها الطلبة مثل أوتبور الصربية وكمارا الجورجية وبورا الأوكرانية كقوة شبه سياسية، حيث قامت بنشر استراتيجيات الحركات، وحشد السكان حول المرشحين السياسيين الذين يمثلون التغيير، وأعطت أيضًا للجمهور وسائل بديلة للمشاركة إذا جرى تزوير الانتخابات.

لقد مثلت هذه الحركات وسيلة ضمان غير عنيفة على الانتخابات، ولأنها كانت استراتيجية مقروءة وقابلة للتكرار، فقد أصبحت قابلة للنقل إلى مجتمعات أخرى. الشيء نفسه يمكن أن يحدث اليوم مع فكرة «الاحتلال»، الذي اكتشف روادها، لا سيما في مصر، أن التكنولوجيا الجديدة، وخاصة وسائل الإعلام الاجتماعية، تمكن في بعض الحالات الحركات من تحقيق زخم كبير بسرعة نسبيًا. ثم جرى توجيه هذا الزخم نحو نقطة مركزية داخل المدينة، والتي غالبًا ما يكون لها علاقة بمظالم مدنية، وتتميز بسهولة الوصول إليها ولها أهمية استراتيجية كموقع أساسي. وإذا تمكنت كتلة المحتجين من الصمود لفترة طويلة، يتضاعف الاحتلال كمحفز/مكان للاحتجاجات والمشاركة اللاحقة، وإذا زاد الزخم، يمكن للحركة التمدد خارج مركز الاحتجاج، وتوفير غطاء لانشقاق قوات الأمن، وفرض تكاليف اقتصادية على الحكومة.

إن جوهر هذه العملية بسيط جدًا: يتعين على الحركة الاحتجاجية أن تحمي نواة الاحتجاج وتبقيها مفتوحة لمشاركة إضافية بحيث تتوسع وتنمو. ولكن يصبح الأمر صعبًا عندما يدرك المرء أن هذا كلهيتوقف على قدرة الحركة على احتلال الحيز المادي.

قمع حركات اللاعنف

لأن عمليات الاحتلال هي حركات غير عنيفة، فإن أكثر الأنظمة وحشية غالبًا ما تبدأ باستخدام وسائل «غير قاتلة» في تفريق المحتجين قبل أن تصبح أكثر قمعًا. ولكن جميع السلطات غير الديمقراطية نادرًا ما تمتنع عن استخدام القوة المميتة عندما تبلغ الوسائل غير القاتلة حدود فعاليتها. كان هذا صحيحًا في البحرين، عندما قررت الحكومة ليس فقط إطلاق النار على المتظاهرين السلميين الذين احتلوا دوار اللؤلؤة، بل سلبت الحركة جاذبيتها الرمزية من خلال تدمير الميدان نفسه.

إلى جانب ذلك وعبر استخدام عملاء مدسوسين أو بلطجية، كثيرًا ما أثبتت قوات الأمن براعتها الشديدة في إثارة العنف، أو على الأقل خلق مفهوم العنف، ومن ثم استخدام هذا لتبرير القوة المميتة. لقد رأينا باستمرار تكتيكات مكافحة الاحتلال هذه تنجح لفترة من الوقت، أو تنجح في وضع حد للاحتجاجات.

وعندما يحدث أي عنف – وبغض النظر عما إذا كان ذلك يرجع إلى انهيار النهج اللاعنفي أو استفزازات النظام- فتقريبًا ستصبح دائمًا نقطة محورية في تغطية وسائل الإعلام الرئيسية، ويحتمل أن تتسبب في تخويف المشاركين المحتملين، ويقلل من فرصة الانشقاقات.

الحالة الأوكرانية

لقد اتضحت صحة هذا الأمر تمامًا في أوكرانيا. يقول الكاتب إنه عند وصوله إلى الميدان في كييف في الشتاء الماضي، في فترة الاحتفالات برأس السنة الميلادية، شعر بالدهشة مما تم تحقيقه في غضون أسابيع. فقد شمل الفضاء، سواء المادي أوالسياسي، الذي تم إنشاؤه وحمايته بالحواجز والمباني المحتلة نوعًا من المجتمع الصغير الذي كان تجسيدًا للقيم التي سعى الناس من جميع أنحاء أوكرانيا إلى غرسها في مجتمع أكثر حرية.

الجميع من مجموعات الشباب التواقين إلى الانضمام الاتحاد الأوروبي وصولاً إلى حزب سفوبودا اليميني يشاركون في جميع أشكال العمل السياسي وحرية التعبير على أرض متساوية وفي بيئة مدنية خالية من التحرش والترهيب والخوف. كانت هناك محاضرات حية ألقاها أساتذة متطوعون ومسرح سياسي وتوزيع للمنشورات.

وعلى العكس تمامًا لما روجته وسائل الإعلام الدولية، فإن احتلال الميدان لم يبدأ كمظاهرة مؤيدة للاتحاد الأوروبي، ولكن كرد فعل على قمع النظام لاحتجاجات الطلاب المؤيدين للاتحاد الأوروبي، وإنكار حق الطلاب في حرية التعبير، وليس الرغبة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقد حول ذلك الميدان إلى حركة احتجاج وطنية. وبالتالي خلق فضاء لحماية حرية التعبير والتجمع عن طريق استخدام المقاومة المدنية.

لم يكن لذلك المسعى علاقة بسياسة العمل اللاعنفي وكان بالأساس مسألة تتعلق بالخدمات اللوجستية، بمعنى كيفية الحصول على المواد الغذائية والمياه والحطب وتوفير الرعاية الطبية والمراحيض المتنقلة والكهرباء والتخلص من النفايات. وقد خيم على كل شيء هذا السؤال: «كيف يمكننا الاستمرار في الدفاع عن أنفسنا في الفضاء الذي أنشأناه؟».

يقول الكاتب إنه بعد فترة وجيزة من مغادرته كييف، شنت قوات الأمن التابعة لحكومة يانوكوفيتش هجومًا ضد المتظاهرين، في محاولة لاستعادة السيطرة مرة أخرى على الساحة. ونظرًا لأهمية حماية نواة الحركة، اضطر المتظاهرون للدفاع عن الساحة بكل الوسائل عدا العنف المباشر.

إن مثل هذه التكتيكات القمعية فرضت على حركة الاحتجاج مهمة متناقضة استراتيجيًّا بتقييد أنفسهم بمستوى مقبول من العنف. وقد بدا من تلك اللحظة أن مصير الصراع يعتمد على معضلة اتخاذ الخطوات اللازمة للدفاع عن الميدان – مثل التسلح بالهراوات والدروع، وإطلاق الحجارة وقنابل المولوتوف على الشرطة، وحرق إطارات المركبات والشرطة – بما من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من القمع وزيادة الوفيات، وعدد أقل من الانشقاقات بين صفوف قوات الأمن.

وعلى المدى الطويل، سبب اللجوء إلى العنف من قبل بعض المتظاهرين من تمكين يانوكوفيتش وبوتين من الادعاء بأن ثورة الميدان تتبنى العنف. لكن لأن الحركة كانت غير عنيفة لعدد كبير من الأسابيع، فلم تفقد الدعم الشعبي. أدى خيار الدفاع عن الميدان إلى قمع أكبر، ولكن تم التمسك به لفترة طويلة بما يكفي لمساعدة دعوات الانشقاق في قوات الأمن، والتي كانت كافية لهرب يانوكوفيتش وبدء عملية تشكيل حكومة جديدة.

حالة هونغ كونغ

إن الاحتجاجات في هونغ كانت نتاج استراتيجية احتلال أبسط وأقل صدامية، وتعتمد على متاريس وضعت لحماية فضاء الاحتجاج الأساسي. ومع ذلك، اتهمت الحكومة الحركة الاحتجاجية بعرقلة الحياة الطبيعية والتجارة ومنع الناس من الذهاب إلى العمل وحتى الوصول الى المستشفى. وقد ظهر أن المتظاهرين كانوا منقسمين أيضًا على القضايا المتعلقة باحتلال الحيز المادي وبناء وتفكيك الحواجز والقرارات المتعلقة بعرقلة المباني والطرق وشل الجزيرة بأكملها. وعندما بدأ الاحتجاج في الانتهاء، تركت الحكومة المتاريس في مكانها حتى يتمكنوا من الاستمرار في اتهام الحركة بتقويض المجتمع.

لكن المحتجين في هونغ كونغ وظفوا بعض الابتكارات المهمة في احتلالهم للميادين، مثل مواجهة اتهامات النظام من خلال فتح بعض الحواجز والسماح للناس بالذهاب إلى العمل. كما لم يسقط المحتجون في أوكرانيا في فخ ظهور فضاء الاحتجاج بأنه مكان سيء الإدارة، ويجذب العاطلين، ويجعل المواطنين العاديين متشككين حول جدية الحركة.

لكن ثمة شيء عن لغة الحركة الاحتجاجية في هونج كونج يبدو راسخًا. فبالإضافة إلى هذه التكتيكات وهذا المصطلح نفسه، دخلت عبارات جديدة مثل «99% و1%» إلى قاموس  التظاهرات، وظلت حاضرة لتُشكل إطارًا جديدًا لفهم المظالم التي تنادي بها الحركة. لكن شيئـًا عن مصطلح «احتلال» يستثير إحساس الجماهير بالتشدد في مطالب الاحتجاجات، وبأن الحركة استولت على مساحة ليست من حقها لها في المقام الأول. ولأن مصطلح «الاحتلال» لا يعني الملكية لمساحة بعينها أو للمجتمع الأكبر الذي يمثله، فقد ينزع الشرعية عن الحركات بوصف المشاركين فيها بـ «المحتلين» – كما لو كانوا ضيوفـًا وليسوا ممثلين عن أصحاب المظالم في المجتمع الأوسع.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد