«لا أشعر أنني مُختلف عنهم إلا عندما أرى ملامح وجوههم بعدما يرونني، أنا أفكر مثلهم، أشعر مثلهم، يؤذيني ما يؤذيهم، ويُمكنني أن أفرح أيضًا إذا سمحوا لي أن أفرح دون أن تُذكرني نظراتهم بأنني مُختلف عنهم، ذاك الاختلاف الذي لا يُشعرني إلا بالنقص».

هكذا يقول لنفسه، الشاب العشريني (سليمان. ج). لا يختلف سليمان عن أي شاب في مثل سنه في شيء، كل ما هُنالك أنه من قصار القامة، الذين اصطُلح على تسميتهم بـ«أقزام».

«تنمر»، «إيذاء»، «رغبة في السخرية والضحك»، أيًّا كان ما يتعرض له سليمان يوميًّا من ردود الفعل المُجتمعية بسبب قصر قامته، فهو ليس وحده، هناك المئات أو رُبما آلاف غيره، من الذين لديهم اختلافات شكلية عن الشكل الخارجي المُعتاد المألوف، يتعرضون أيضًا للعنف المُجتمعي لا لسبب سوى لكونهم مُختلفين شكليًّا عن السائد المألوف فقط.

«الأقزام» هم أشخاص ولدوا يعانون من قصر شديد في القامة نتيجة لبعض الجينات الوراثية، في تصريحات صحفية سابقة، تقول الدكتورة زينب بكر أستاذ طب الأطفال، إن إصابة الأطفال بالتقزم يرجع للعديد من المشكلات العضوية، مثل وجود خلل في الغدد والهرمونات والمنظومات الجينية في الجسم، مما ينتج منه الإصابة بقصر القامة فقط، أو قصر القامة مع الإصابة بتخلف عقلي، أو وجود عيوب خلقية، وذلك نتيجة لزواج الأقارب، أو الحمل في سن مبكر، أو الإصابة بأمراض وراثية في العائلة.

أسئلة نهارًا وكوابيس ليلًا

منذ أن يخرج سليمان من بيته وحتى يعود إليه، يواجه مئات التحديات يوميًّا، وما إن يعود لبيته ويضع رأسه على وسادته حتى تتكرر أحداث يومه في شكل كوابيس أكثر فظاعة وقسوة، فاختلاف الكوابيس عن الأحداث الحقيقية تتمثل في أن كل مخاوفه وهواجسه تتجسد أمامه مُتخذة من أحداث يومه مدخلًا لها.

رغم كل المُضايقات التي يتعرض لها في الشارع، صمم سليمان أن يُنهي تعليمه الجامعي، وحصل على مؤهل عالٍ، فيقول لـ«ساسة بوست»: «لو كان معي المال، لو كان لأهلي سلطة وسطوة، لكنت عشت في أفضل حال ممكن، وقتها لن يرى أحد قصر قامتي. لن يروا أنهم أقوى مني ويُمكنهم الاستهزاء بي والسخرية مني والاستعلاء عليّ، واستخدامي لأجل إضحاكهم، كل ما كانوا سيرونه وسيملأ عيونهم هو مالي أو نفوذ عائلتي».

مجتمع

منذ 3 سنوات
ما لا تعرفه عن مآسي أصحاب البشرة السمراء في مصر

يُضيف سليمان: «لكن للأسف لا يوجد مال ولا نفوذ، لم يكن أمامي سوى التعليم، حتى لا يُصبح الأمر خربًا من كل الجهات، وهو ما وظفت كل إرادتي لفعله، رغم كل المضايقات التي تعرضت لها في صفوف المدارس ومُدرجات الجامعات، والتي كانت تجعلني لا أرغب في الخروج إلى الشارع من الأساس، إلا إنني أصررت على إنهاء تعليمي».

ويكمل «لن يكون بيدي سلاح غير التعليم. وقد صدق حدسي، فقد تعلمت وقرأت لأنني أحب القراءة، ورغم أنني لا أستطيع الحصول على فرصة عمل لأن أصحاب الأعمال كلما رأوني استهزأوا بي، ورفضوا توظيفي، فإن التعليم والقراءة جعلاني أعرف كيف أفكر. فعلى الأقل أعرف أنني لست أقل ممن يهزأون بي، وأن كل الاختلاف الذي بيني وبينهم هو اختلاف شكلي، وهو ليس أمرًا مُضحكًا كما يعتقدون».

بعزيمة حديدية استطاع سليمان أن يحصل على ليسانس آداب قسم تاريخ، ووجد أن فرصة العمل المُتاحة أمامه التي تُمكِّنه من كسب عيشه دون إهانة، لأنه لن يتعامل خلالها مع أحد مُباشرة، هو عمل المُلخصات الدراسية في مجال تخصصه، وبيعها لإحدى المكتبات التي توجد بجوار أسوار الجامعات المصرية.

مُجتمع يستخدم الأقزام لـ«إضحاكه»

طرق الحب قلب سليمان، تعرَّف إلى حبيبته في إحدى الجمعيات التي يلتقي بها قصار القامة، هي في مثل حالته، ولكن لم تتمكن من إنهاء تعليمها، حصلت على مؤهل متوسط، واستسلمت لفكرة عدم الخروج للشارع، وهو الأمر الذي حاولت التغلب عليه عندما خُطبت لسليمان، كانا يُحاولا الخروج والتنزه، لكنهما كانا يجدان أن الأطفال يتجمعون حولهما ويضحكون منهما وكأنهما يُقدِّمان عرضًا في سيرك.

ما يتعرض له سليمان ليس مُختلفًا عن تلك الحادثة التي جرى تداولها في سبتمبر (أيلول) عام 2019، فقد تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لمجموعة من الشباب يستخدمون كلبًا شرسًا في ترويع أحد الأقزام، بإحدى المناطق الريفية، فيما يحاول القزم الإفلات من الكلب، وسط تعالي ضحكات الشباب المشاهدين لما يحدث.

في تصريحات صحفية يوضح الدكتور صهيب سعد استشارى الطب النفسى أن أغلب الأشخاص لديهم أوهام وتصورات خاطئة عن الأقزام، فقد يعتقد البعض أن الأقزام لديهم قدرات عقلية محدودة، أو اضطرابات نفسية أو شخصية، والبعض يرى الحكم على النمو بالطول بدلًا من السن، مما يجعل بعض الناس يعاملون الأقزام على أنهم أطفال وهذا غير صحيح، بالإضافة إلى وجود تاريخ طويل للأقزام الذين عوملوا كمصدر للتسلية والضحك فقط.

يؤكد صهيب أن القزم يعاني من مشكلات اجتماعية ونفسية وصحية عديدة، ومن المشكلات الصحية، أمراض المفاصل والآلام في الأطراف السفلية والركبة، والعظام بسبب تأخر نموها العادي، زيادة على الاضطرابات التي يشعر بها بعضهم في الجهاز الهضمي.

ضحك مصحوب بالدموع

«كلما حاولنا النزول من المنزل نتعرض أنا وزوجتي للسخرية والتفاف الأطفال حولنا ورُبما يصل الأمر إلى حد قذفنا بالحجارة، وخاصًة أننا نقطن في حي شعبي، حيث يُعاني الكثيرون من الفقر والجهل وسوء التربية، فنصبح نحن فقرة الإضحاك التي ينتظرونها للتسرية عن أنفسهم، حتى وإن كانت هذه الفقرة تتم بدموعنا وتألمنا.» *بركات. ز

Embed from Getty Images

بركات رجل أربعيني، يعيش بصحبة زوجته منذ 10 سنوات. لم يُرزقا بأطفال للمشكلات الصحية التي أًصيبوا بها بسبب تقزم قامتهم. حرص بركات قبل الزواج على أن تكون زوجته مثله؛ حتى لا يظلمها بحرمانها من الإنجاب.

يُحاول بركات وزوجته الحصول على أي فرصة عمل مُتقطعة لكسب عيشهما، وتوفير إيجار مسكنهما الذي حصلا عليه بالكاد، والذي يصل إيجاره لنحو 400 جنيه مصري، وهو المبلغ الذي بالكاد يتمكَّنا من توفيره، هذا الإيجار الذي يُعد مُتواضعًا في هذه الأيام هو الذي جعلهما يقبلان بالعيش في حي يتعرضان فيه للمُشكلات والتي تفوق بكثير قدرتهما على التحمل في الكثير من الأحيان.

الـ«فريك شو» هكذا تصالح البشر مع فكرة السخرية من المُختلفين

فكرة الضحك على المُختلفين جسديًّا ليست فكرة وليدة لهذا الجيل ولا الجيل السابق له، هي فكرة قديمة استطاعت البشرية أن تتصالح عليها منذ مئات السنين حينما ابتدعت الـ«Freak shows»، أو «عروض المسوخ».

Embed from Getty Images

«الفريك شو» هو مصطلح يستخدم لوصف عروض الحيوانات الغريبة أو المشوهة، وكذلك البشر، الذين يعد شكلهم بطريقة أو بأخرى غير طبيعي أو خارج المعايير المقبولة على نطاق واسع، على الرغم من أن لهذه العروض تاريخًا طويلًا، فإن المصطلح «freak show»، وفقًا للموسوعة البريطانية، يُشير إلى ظاهرة أمريكية يمكن أن تعود إلى القرن التاسع عشر، إذ يُشير لفظ «Freaking» إلى التجويف، أو الحركة المفاجئة، أو السلوك المتقلِّب.

خلال عصر التنوير في أوروبا والجهود المُصاحبة له في التصنيف البيولوجي خلال القرن الثامن عشر، حاول علماء الطبيعة وغيرهم العثور على فئات محددة لجميع أشكال الحياة، وكثيرًا ما كان يُشار إلى الكائنات الحية التي لم تكن تتطابق مع متوسط ​​الأنواع المُتصورة باسم «lusus naturae cavorts»، أو «نزوات الطبيعة».

في أوائل القرن التاسع عشر، قام بعض علماء الطبيعة بجولة في أوروبا وأمريكا الشمالية لجمع أمثلة على الحيوانات الغريبة أو الفريدة، وفي الأغلب أيضًا كان يجري تجميع البشر الذين لديهم أجسام يُنظر إليها على أنها تنحرف إلى حد كبير عن القاعدة الشكلية المفهومة، ومن هذه المجموعات طُوِّرت العروض المتنوعة والمُكونة من أنواع الأداء المختلفة التي أصبحت تُعرف مُجتمعة باسم «freak show».

خلال عرض المسوخ كانت تستعرض النوادر البيولوجية، والتي يُشار إليها في الثقافة العامة بـ«مسوخ الطبيعة»، وكان يتضمن بشرًا من ذوي الإعاقات العقلية والجسدية كالأقزام والعمالقة طوال القامة، أو من يعانون من تضخم أو ورم ما، وأصحاب التشوهات الخلقية والجينية، و النساء ذوات اللحى، والتوائم الملتصقة، والأشخاص ذوي الوزن الزائد وذوي القدرات الشاذة التي تُمكنهم من رفع الأوزان الثقيلة أو تحمل الألم، مثل المشي على المسامير أو الجمر الملتهب، أو بلع السيوف، كما شوهد أفراد تفيض أجسادهم بالوشوم أو الثقوب في هذه العروض.

نضجت عروض المسوخ خلال القرن التاسع عشر في كل من إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية كمشروعات ناجحة تُدار تجاريًّا، وخلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بلغت عروض المسوخ أوج شهرتها، فشهدت تلك الفترة عروضًا منظمة وربحية لأشخاص يمتلكون نوادر جسدية، أو ذهنية أو سلوكية، وتزايد إقبال الجماهير على مشاهدتها حتى إن سيرك  «the Ringling Bros» حقق أعلى الأرباح من إيرادات «عرض المسوخ» الخاص به، وتخبرنا القصص التي وصلت إلينا عن معاناة مؤدي هذه الفقرات، والذين لم يجر التعامل معهم كبشر على الإطلاق.

يمكننا القول إن هذه العروض كانت التجسيد التاريخي لما يتعرض له الأشخاص المُختلفون جسديًّا من سخرية واستهزاء وإيذاء بدني ومعنوي، وأنه من خلال هذه العروض جرى تكريس فكرة أن الاختلاف يُضحك وأن صاحب الاختلاف سيُضحكك وإن لم يسع هو لإضحاكك.

حكايات أخرى مع الاختلاف

محمد. ي رجل خمسيني من أقصى جنوب مصر، وُلد بتشوه في يده اليمنى، تحديدًا في أصابع كف يده، هذا التشوه الذي جعل لديه إصبعين بارزين فقط، وباقي الأصابع مضغوطة في تشوه ملحوظ، يُجسد محمد مُعاناة أن يكون لديك تشوهٌ حتى وإن كان بسيطًا، لكنه يتضخم إلى أن يصل حدَّ السماء، لأنك ولدت في مجتمع مُغلق، يعرف أفراده وعائلاتهم وأصولهم، يُراقب المظهر والسلوك جيدًا، ويُجيد بشدَّة الحكم على الأمور من ظواهرها فقط.

هكذا كان يصف محمد. ي مُجتمعه الصعيدي، الذي لا يجد أفراده تسلية أو ترفيهًا سوى الجلوس على المصاطب أمام منازلهم بعد انتهاء أعمالهم التي تنتهي في عصر كل يوم على أقصى تقدير، وهناك لا توجد وسيلة لتسرية وقت الفراغ سوى مُشاهدة الذاهبين والعائدين، وسرد الحكايات حول أخبار البيت الفُلاني أو العائلة العلانية.

Embed from Getty Images

لم يعرف هذا المجتمع وسيلة للتصالح مع أصابع يد محمد، فوجد الرجل نفسه كثيرًا ما يستمع إلى التعليقات اللاذعة حول يده «المعووجة» كما أطلقوا عليها، أصابع يده دفعته إلى أن يتزوج زيجة لا يرضى بها، فقد كانت عائلته تُخبره بأن بنات الناس لن ترضى به زوجًا، فليقبل هو من قبلت به، لا لسبب سوى إنها قبلته، وعلى الرغم من عدم رضائه، فإنه بعدما تزوج شرع في الإنجاب كثيرًا، لم يكتفِ بطفل ولا اثنين ولا ثلاثة، امتدت ذريته لنحو ثمانية أطفال.

يقول محمد لـ«ساسة بوست»: «لم أكن أرغب في الإنجاب في ذاته، كل ما رغبت فيه أن يعرف الناس أنني سليم تمامًا مثلهم، وأن يدي لا تجعلني منقوصًا عنهم في شيء، وأنني أستطيع الإنجاب، وسيكون بين الناس رجال ونساء كبار ومُعافين وسأكون أنا من أنجبتهم، رجال سيقومون بتقبيل اليد التي خبأتها في جيبي من الناس طوال عمري، حتى لا أسمع تعليقاتهم، تعليقاتهم التي جعلت أحدهم يقول لي في شجار بيننا: «لو كان فيك خير لكنت ولدت بيد سليمة، يعمل فيك إيه ربنا أكتر من كده؟!»، أنا لم أتلق أي قدر من التعليم، لكنني أعرف جيدًا أن هذا شخص جاهل، ويتأول على الله بما لا يعلم».

يُضيف محمد قائلًا: «لو علم الناس شعوري وأنا أسير بيد مُخبأة في جيب بنطالي منهم؟ لو يعلمون أنني أشعر أن كل كياني وتفكيري يُصبح حبيسًا لهذه اليد المُخبأة ما آذونني بتعليقاتهم وأسئلتهم».

أما فاتن.ع فهي فتاة ثلاثينية، ولدت وعاشت عُمرها وتلقت تعليمها في العاصمة المصرية حتى تخرجت في الجامعة، لكنها تعاني من تضخم في شفتيها، تضخم يجعل شكلها غريبًا وغير مألوف بعض الشيء، هكذا فقط، ولا يوجد أي شيء آخر في بدنها أو صحتها أو ذهنها أو سلوكها.

في مرحلة التعليم الثانوي وحتى الجامعي، كانت تسمع فاتن تعليقات من قبيل: «هو أنتِ ممكن تحبي فعلًا؟ الشخص المُعجبة به رآكِ أم لا؟ هل علَّق على شكلكِ بشيء؟»، كانت هذه التعليقات التي تسمعها من صديقاتها المُقربات، إلى الحدِّ الذي جعلها في أحيان كثيرة ترد قائلة بحدَّة: «ما لا تعلمْنه أنني سأتزوج قبلكن جميعًا، فقط لأنني أثق في نفسي وأعلم أن لا شيء ينقصني عنكن».

تقول فاتن لـ«ساسة بوست»: «ما أشعر به فعلًا أن لا شيء ينقصني، هم يرون أن هناك شيئًا في وجهي خارجًا عن المقاييس المألوفة التي اعتادوا عليه، ومن ثم فيجب أن أكون مكسورة ومُنهزمة، أما من جهتي فكنت أرى الأمر مُختلفًا، كنت أرى إنسانيتهم منقوصة، فقط لأنهم استطاعوا أن يُقللوا إنسانًا درجة لا لشيء سوى لأنه مُختلف في شكله الخارجي عنهم، ليست إنسانيتهم المنقوصة؛ فحسب بل عقولهم وأفكارهم تحتاج إلى نسف وتعديل أيضًا، ولم أكن أحتاج أكثر من تعليقاتهم البسيطة العابرة تلك حتى أرى بواطنهم بوضوح».

التجربة التي وُضعت فيها فاتن باختلافها الخارجي، جعلها تتجه بكامل عزمها وإرادتها نحو الداخل، نحو عقلها وقلبها، تعلمت وقرأت كثيرًا، فبعد أن تخرجت من كلية الطب وأصبحت طبيبة، لم تكف عن الدراسة، درست التاريخ والفلسفة وعلم النفس، تقول عن ذلك: «كل ما أردت أن أثبته لنفسي أن ما بداخلنا يسع الكون، قلوبنا هي المكان الذي يُمكنه التعرُّف إلى الله، وهذا أولى بالاهتمام والتطوير، تركتهم يتساءلون حول سبب كون شفتَي بهذا الشكل، وانشغلت أنا بأشياء أخرى رأيت أنها أكثر أهمية».

اضطراب تشوه الجسم قد يقود صاحبه للانتحار

على الرغم من أن معظم الناس يتضايقون إلى حد ما بسبب بعض العيوب الجسدية لديهم، فإن الذين يعانون من اضطراب التشوه الجسدي يقضون ساعات في اليوم مهووسين بالعيوب الحقيقية أو المُتخيلة، ويتخذون تدابير مُفرطة وأحيانًا شديدة لإخفاء عيوبهم المُتصورة عن الآخرين.

Embed from Getty Images

في علم النفس يوجد اضطراب يُسمى اضطراب التشوه الجسدي «BDD»، ويتميز هذا الاضطراب بهوس التفكير حول وجود عيب في جزء معين من وجهك أو جسمك، يجري تخيله في كثير من الأحيان، وأحيانًا يكون موجودًا بالفعل، لكن له تأثيرًا مُبالغًا فيه في ذهنك.

يُحاول صاحب هذا الاضطراب التقليل من ظهور الخلل المُتصوَّر من خلال تغطيته بالماكياج أو الملابس، والعزلة الاجتماعية من أجل الحفاظ على الخلل أو الاختلاف سرًّا من الآخرين.

علامات وأعراض اضطراب تشوه الجسم يمكن أن تختلف على نطاق واسع من شخص لآخر، يكون التركيز عادةً على جزء معين من الجسم أو عيب محسوس، مثل الشامات أو النمش التي تعد كثيرة جدًّا أو ملحوظة للغاية، يمكن أن تشمل مجالات الهوس الشائعة الأخرى الندبات البسيطة، أو حب الشباب، أو شعر الوجه، أو الرأس، أو الجسم، أو حجم وشكل الأعضاء التناسلية، أو الثديين، أو حجم العضلات، أو حجم وجهك أو شكله، أو أي جزء آخر من الجسم.

يُمكن أن يُسبب هذا الاضطراب لصاحبه مجموعة متنوعة من المشكلات العاطفية والجسدية والنفسية، والتي يمكن أن تتداخل مع نوعية الحياة اليومية، مثل:

تجنب المرايا، وعدم سماح الشخص بالتقاط صورة له، وفحص وإعادة اللمس مرارًا وتكرارًا للعيب المُتصور، كذلك استخدام الماكياج الزائد لتخبئة الخلل إذا كان في الوجه، وارتداء أنواع معينة من الملابس والتي يجب أن تتحلى بميزة القدرة على مُداراة الخلل، والتفكير باستمرار حول المظهر، البحث عن الطمأنينة من خلال سؤال الآخرين دومًا عن رأيهم في الشكل الذي يبدو عليه الشخص مع عدم تصديقهم عندما يقول الآخرون إنه يبدو جيدًا.

مجتمع

منذ سنتين
انسَ ما تعرفه عن «القزم» من السينما.. 5 نماذج مبهرة لأقزام ألهموا العالم

كذلك تجنب المواقف الاجتماعية وعدم الرغبة في مغادرة المنزل في كثير من الأحيان، والحفاظ على الهواجس والمخاوف سرًّا، وعدم التحدث بشأنها خوفًا من وصمة العار الاجتماعية، والمُعاناة من مشكلات عاطفية، بما في ذلك الاكتئاب، ومشاعر الاشمئزاز، وتدني احترام الذات، والقلق، وأخيرًا قد تشمل مُضاعفات الاضطراب الإصابة باضطرابات أخرى، مثل: اضطراب الوسواس القهري، اضطرابات الأكل، تعاطي المواد المُخدرة، أفكار أو سلوكيات انتحارية.

يُعلق دكتور نادر حنا، طبيب الأمراض النفسية لـ«ساسة بوست» قائلًا: «على الرغم من أن اضطراب تشوه الجسم قد يكون مُتعلقًا بعيب جسدي حقيقي أو مُتخيل في ذهن صاحبه فقط، مثل من يتوهمون أن أنوفهم أكبر أو أصغر من اللازم، فإن الوصف العلمي لهذا الاضطراب بإمكانه أن يُعطينا نظرة مُقربة عمَّا يتعرض له المختلفون جسديًّا بيننا، يشرح هذا الاضطراب لحد كبير نفسياتهم ويُوضح تفسيرات سلوكياتهم».

يُضيف نادر: «عدم التصالح مع الاختلاف الجسدي هو عطب بشري وُصمت به البشرية، لا يُمكننا أن نقصر هذا على مُجتمعاتنا العربية أو على أيامنا الحالية، رُبما حاولت الأخلاق والأديان أن تُقدّم تعديلًا لمثل هذا السلوك بسلوك عقلاني في المقام الأول، أقول عقلاني لأن العقل والمنطق هم من يقودوننا إلى استيعاب أن الشكل الخارجي يجب ألا يُمثل أساس تعاملنا، وأن هذا المُختلف الذي نسخر منه ليس بأقل منَّا، بل يُمكن أن يكون أفضل بأخلاقه أو تعليمه، أو إيمانه ورُقيه الروحي، لكن الناس على مرِّ العصور تصالحوا مع فكرة أن المُختلف «شكليًّا» أقل بدرجة ما، وهذا الشعور هو ما يُولد الاستعلاء والسخرية والقدرة على الإيذاء، فلا يُمكن للإنسان أن يفعل هذه الأشياء تجاه شخص يراه مُكافئًا له.»

يرى نادر أن هذا الأمر قابل للتصحيح والإصلاح الآن أكثر من أي وقت مضى، وأن بإمكان وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أن تتبنى هذه المفاهيم؛ حتى يُمكن زرعها وقبولها تدريجيًّا على نطاق اجتماعي واسع.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد