«أقسم بالله العظيم، أن أراقب الله في مهنتي، وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال، باذلًا وسعي في استنقاذها من الموت والمرض والألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عوراتهم، وأكتم سرّهم. وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلًا رعايتي الطبية للقريب والبعيد، الصالح والطالح، والصديق والعدو».

كان هذا قسم أبقراط بصيغة البلدان الإسلامية، الذي يؤديه الأطباء في مختلف بقاع العالم، ومنذ ما يزيد عن 11 قرنًا، قبل مزاولتهم مهنة الطب، كعربون للالتزام بالواجب، الذي قد ينقذ حياة أناس، أو يخفف معاناتهم مع المرض، أو قد يتسبب في إنهاء حياة إنسان.

وإذا كان الأطباء في الدول المصنفة بالعالم المتقدم، يُشْبهون الفريق الطبي في مسلسل «  House M.D.»، من حيث أداء عملهم وفعل أقصى ما يمكن فعله لإنقاذ المرضى، فإن الأطباء في المغرب يقدمون للرأي العام صورةً مؤلمةً لمهنة الطب.

أطباء مبتزون

تشير معطيات التقارير الدولية المعنية بالصحة إلى حالة تدهورٍ حادة للوضع الطبي في المغرب، إذ يحتل البلد الرتبة 78 من أصل 115، في ما يخص عدد المرضى لكل طبيب، وفق موقع «بيج ثينك» العلمي، بمعدل ألفيْ مواطن لكل طبيب، في حين توفر تونس طبيبًا لكل ألف نسمة، وتملك إسبانيا طبيبًا لكل 40 مواطنًا، كما أن هناك مركزًا صحيًّا واحدًا فقط لكل 42 ألف مغربي، وأقل من سرير لألف مواطن.

وسبق لكل من منظمة رعاية الطفولة (اليونيسيف)، التابعة للأمم المتحدة، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، أن أصدرا تقارير تنبه المغرب إلى سوء الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين، وانعدامها في كثير من الأحيان، خاصةً بالعالم القروي.

محمد هو أحد المرضى الذين التقى بهم «ساسة بوست». يُعاني محمد من صداعٍ مزمنٍ في الرأس، قاده إلى شد الرحال من منطقته القروية، إلى مدينة مكناس.

يروي رحلته الطويلة في طلب العلاج، فيقول: «تداينتُ لأغطي مصاريف السفر والدواء، راجيًا أن أعالج من صداعي بأقصى سرعة، لكني بعد أن وصلت مستشفى المولى إسماعيل في مكناس، صدمت بالواقع المرير».

وأوضح: «لم أستطع ملاقاة الطبيب رغم كل محاولاتي، بعد أن طلب مني إداريو المستشفى العودة في موعد آخر مع حزمة أوراق لا أعلم طريقة تحضيرها، ما جعلني أتوجه مباشرة إلى عيادة خاصة بأمراض الرأس، حيث دفعت 500 درهم، مقابل بضع دقائق، وصف لي فيها الطبيب دواءً، دون أن يجري عليّ أي فحوصات بالأجهزة الطبية، ولم أشف قليلًا إلا بعد زيارات أخرى متكررة». يتمنى مُحمد، كغيره، لو أن مُستشفى قريته مُجهزةً، ليعالج فيها الناس مجانًا.

ولا تمثل قصة محمد سوى واحدة من آلاف الحالات الأخرى، التي يتعرض فيها المرضى إلى الابتزاز من قبل الكوادر الطبية، في ظل المستشفيات العمومية المتهالكة، التي تفتقد للتجهيزات الطبية والحرفية المهنية، الوضع الذي تستغله العيادات الخاصة في استحلاب جيوب المواطنين المرضى.

وتشيع في المرافق الصحية العمومية بالمغرب، باعتراف وزير الصحة الحسين الوردي، ظواهر الرشوة والمحسوبية والإهمال، علاوة على الفوضى، وسوء المعاملة مع المريض، ما يحوّل عادة رحلة المريض في طلب العلاج إلى قطعة من الجحيم، تستنزف ماله وقواه الصحية والنفسية، دون الوصول إلى نتيجة مرضية في غالب الأحيان.

وهذا ما حصل مع فاطمة، التي غرقت في دوامة من الزيارات للمستشفيات من أجل إجراء عملية جراحية لمعدتها، فتقول لـ«ساسة بوست»: «أنفقت الكثير من المال بين الزيارات والدواء والعملية الجراحية، وفي الأخير لم أشف تمامًا، بعد أن علمت أن الأطباء أساؤوا إجراء العملية».

الأطباء جزء من معيقات إصلاح القطاع الصحي

يمثّل الأطباء ركيزة رئيسة في المنظومة الصحية، ويعتبرون الحجر الأساسي في عملية الإصلاح، إلا أنه في المغرب يتحوَّلون في معظم الأحيان إلى عائق بذاته أمام السياسات الإصلاحية لهذا القطاع.

وكان وزير الصحة المغربي، الحسين الوردي، خاض معركة مريرة مع ممارسي مهنة الطب، لثنيهم عن المزاوجة بين الأداء العام، والعمل في عياداتهم الخاصة، بعد أن ضاق المواطنون ذرعًا من غياب الأطر الصحية في المستشفيات العمومية، إلا أنه عجز عن ذلك، وتوصل إلى اتفاق يقضي بالسماح للأطباء بالقيام بعملهم الخاص، لكن خارج الساعات العمومية.

ويذكر أن عدد الأطباء بالمغرب وصل سنة 2015 إلى حوالي 17 ألفًا و121 طبيبًا، منهم فقط  8 آلاف طبيب يشتغلون في القطاع العام، أي ما يعادل 47% فقط، الأمر الذي تعتبره منظمة الصّحة العالمية مفتقدًا للمعايير الدولية، هذا ويستمر النزيف في الأطر الصحية المتخصصة بالمستشفيات العامة، حيث يتهرب معظم الأطباء من القيام بالخدمة العامة نحو العمل بالعيادات الخاصة الأكثر جنيًا للمال.

 

كما سبق لوزير الصحة أن أكَّد عزوف الأطباء وتخلفهم عن الالتحاق بمقرات العمل بالمناطق القروية والنائية، والتي تعرف خصاصًا كبيرًا في الأطر الطبية، حيث ذكر أن 26% من المناصب المفتوحة تم إلغاؤها بالقطاع الصحي العام لعدم وجود متقدمين للعمل.

وكان طلبة الطب بالمغرب قد خاضوا خلال النصف الأول من هذا العام حملة احتجاجية واسعة، ضد مشروع قانوني لوزارة الصحة، يقضي بالخدمة الإجبارية لمدة سنتين في المناطق النائية المحتاجة للأطر الصحية؛ مما اضطر وزير الصحة في الأخير إلى التراجع عن قراره، ليبقى 13 مليون مواطن من ساكنة العالم القروي دون خدمات صحية مقبولة، في ظل الخصاص المهول للأطر الصحية والأجهزة الطبية في تلك المناطق.

ووصلت معركة وزير الصحة الحسين الوردي مع لوبيات الصيادلة إلى تعرضه لمحاولة اعتداء داخل قبة البرلمان سنة 2014، بعدما قرّر خفض أثمنة بعض الأدوية، التي يضاعف سعرها معدلات الأسعار الدولية عدة مرات.

أما على المستوى الأكاديمي، فيظهر تقرير إسباني حصيلة هزيلة للأبحاث الطبية المغربية المنشورة على الإنترنت، حيث يكشف احتلال المغرب المرتبة 19 في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، متأخرًا عن دول عربية يضاعفها سكانيًّا مثل تونس وقطر. كما أوردت الوزيرة المغربية المنتدبة لدى وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر، جميلة المصلي، أن نسبة الأساتذة الباحثين في العلوم الطبية لا تتجاوز 5% من العدد الإجمالي للباحثين، ما يعني أن معظم الأطباء لا يهتمون بنشر الأوراق البحثية في تخصصاتهم.

على جانبٍ آخر، تنخرط المملكة المغربية في «إصلاحات اقتصادية ليبرالية»، بإيعاز من صندوق النقد الدولي، ويعد القطاع الصحي أحد المجالات التي مستها هذه الإصلاحات، بعد أن فتحت الوزارة مؤخرًا الباب أمام الرأس مال الخاص للاستثمار في المصحات، وهو ما سيعرض الشرائح الاجتماعية الفقيرة إلى مزيدٍ من الإقصاء الصحي.

لكن تبقى حسب مراقبين فئة نزيهة من الأطباء، ما تزال ترابط بالمناطق القروية والمستشفيات العمومية، من أجل خدمة المواطنين الفقراء، بما يتوفر لديها من إمكانيات، ولعلها الأمل الوحيد الذي يدفع المرضى الفقراء إلى تجشم عناء الذهاب للمستشفيات العمومية طلبًا للعلاج.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!