«فرناندو وإيزابيلا لم يجبرا أحدًا على التنصر؛ فمئات الألوف من الرعايا المسلمين، الذين يعيشون في بلنسية وأراجون، يتمتعون جميعًا بممارسة شعائرهم بحرية». *بييترو مارتيري موجهًا حديثه لسلطان مصر

في سجون عميقة مظلمة تغض أراضيها بالحشرات والجرذان، يجلس العديد من السجناء مصفدين بأغلال حديدية ثقيلة، وذلك بعد أن جرت مصادرة كل أملاكهم، وانقطعت جميع صلاتهم بالعالم الخارجي. زُجوا في السجون بعد محاكمات تعسفية، اتهموا فيها بالكفر، وبُعثوا على إثرها إلى غياهب السجون، حيث لا تعرف أسرهم عنهم شيئًا، وتُدفع نفقات سجنهم من ثمن أملاكهم المصادرة.

يُؤخذ المتهم من السجن دون أن يعرف مصيره الحقيقي، ثم تبدأ أولى الخطوات بمراسم الإيمان «الأوتو دافي (Auto defee)» التي يجب عليه اجتيازها، ويُجبر على ارتداء الثوب المقدس، ثم يُوضع في عُنقه حبل، وفي يده شمعة، ويؤخذ إلى الكنيسة ليجتاز مراسم التوبة، ثم يؤخذ إلى ساحة التنفيذ، حيث يُتلى عليه الحكم للمرة الأولى. وإذا ما اعترف المتهم بأنه ما يزال على دين الإسلام يصدر الحكم بالإعدام حرقًا.

كان ذلك مشهدًا من مشاهد محاكم التفتيش الإسبانية المروعة، والتي تأسست بعد سقوط غرناطة في كل قرى ومناطق الأندلس؛ واتبعت سياسة العنف والمطاردة، ومارست القمع والاضطهاد ضد المسلمين، ومنعتهم من أداء شعائرهم الدينية. وحين حاول المسلمون الاستنجاد بسلطان مصر، وأرسل السلطان إلى فرناندو الثاني ملك إسبانيا، يُهدده بالتنكيل بمسيحيي مصر والشام قصاصًا لمسلمي غرناطة؛ أوفد إليه فرناندو الحبر والمؤرخ بييترو مارتيري، الذي استطاع ببراعة إثناء سلطان مصر المملوكي الأشرف جان بلاط عما توعد به.

ولم ينجح بييترو مارتيري في ذلك وحسب، بل تمكن أيضًا من إقناع السلطان بإعفاء مسيحيي بيت المقدس من عدد من المغارم والفروض. فما هي قصة هذا الحبر؟ وكيف تمكن من فعل ذلك؟ وما الذي أخبر به عن رحلته إلى مصر؟

بييترو مارتيري.. من أقاليم إيطاليا إلى البلاط الإسباني

في أرونا على بحيرة ماجوري في إقليم بييمونتي الإيطالي، وُلد بييترو مارتيري دانجييرا بالإيطالية، أو بدرو مارتير دانجليريا بالإسبانية، في الثاني من فبراير (شباط) عام 1457. وانتقل إلى روما في العشرين من عمره، وهناك تعرف على عالم الآثار بومبونيوس لايتوس، والتقى عددًا من كرادلة الكنيسة الكاثوليكية الذين تولوا رعايته.

كذلك، تعرف بييترو مارتيري على سفير إسبانيا في روما، وصحبه إلى سرقسطة في أغسطس (آب) عام 1487. وسرعان ما أصبح شخصية بارزة، وعلت مكانته بين مثقفي إسبانيا. وفي عام 1488، حاضر في جامعة سالامانكا، بناءً على دعوة من الجامعة. ولاحقًا، صار قسًا بقصر الملكين الكاثوليكيين، الملك فرناندو الثاني، والملكة إيزابيلا الأولى.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
بين محاكم التفتيش والإطعام القسري.. كيف غامر مسلمو الأندلس بصيام رمضان؟

بعد عام 1492، تولى بييترو مارتيري تعليم أبناء نبلاء البلاط الإسباني. وعمل في الكتابة والتأريخ أيضًا؛ فأرَّخ لاسكتشافات الإسبان الجغرافية خلال عصر الاستكشاف، الذي أرخ له في سلسلة من الرسائل والتقارير نُشرت باللاتينية، بين عامي 1511 و1530، في مجموعة من 10 فصول سُميت بالـ«عشريات»، وتُعد من المؤلفات القيمة في تاريخ الجغرافيا والاستكشاف.

أيضًا من أبرز مؤلفاته، كتاب «عن العالم الجديد»، الذي وصف فيه اللقاءات الأولى بين الأوروبيين والأمريكيين الأصليين، وحضارتهم في منطقة الكاريبي وأمريكا الشمالية والوسطى. كذلك، اشتمل الكتاب على أول إشارة أوروبية إلى المطاط الهندي. وقد تُرجم لأول مرة إلى الإنجليزية في عام 1555. وتُوفي بييترو مارتيري في غرناطة، في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1526.

استغاثة أهالي غرناطة بسلطان مصر

«يُعد الموريسكي أو العربي المُنصَّر قد عاد إلى الإسلام إذا امتدح دين محمد، أو قال أن يسوع المسيح ليس إلهاً، وليس إلا رسولاً، أو أن صفات العذراء أو اسمها لا تُناسب أمه. ويجب على كل نصراني أن يُبلغ عن ذلك، ويجب عليه أيضًا أن يُبلغ عما إذا كان قد رأى أو سمع أحدًا من الموريسكيين يُباشر بعض العادات الإسلامية». *نص وثيقة منقولة عن مؤرخ ديوان التحقيق الإسباني، الدون لورينتي

في عام 1492 سقطت مدينة غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس؛  ليفقد المسلمون نهائيًا آخر معاقلهم في إسبانيا، ويُسدل الستار على الوجود الإسلامي بها. وبحلول عام 1502، أصدر الحكام المسيحيون قرارًا يقضي بتحول المسلمين إلى المسيحية. وعندما أخفقوا في ذلك، فرضوا قيودًا مُشددة على من تبقى من المسلمين الإسبان.

وأخذت محاكم التفتيش التابعة للكنيسة تشن إحدى أكبر حملات الاضطهاد في التاريخ، بهدف تطهير إسبانيا من كل ما هو إسلامي، وإبادة المسلمين وآثارهم. وقد أجبرت تلك المحاكم المسلمين على اعتناق المسيحية، وتخييرهم بين الرحيل إلى شمال أفريقيا أو التحول للمسيحية. وأصدرت قوانين تنص على حظر استخدام اللغة أو الملابس العربية، أو إقامة أي احتفالات إسلامية.

وقد حاول المسلمون في يأسهم اللجوء إلى معاونة سلطان مصر؛ فأرسلوا إليه كتبهم يصفون إكراههم على التنصر. ويطلبون إليه أن ينذر ملك إسبانيا بأنه سوف يُنكل بالنصارى المقيمين في مملكته، إذا لم يكف عنهم. ونزل السلطان إلى رغبتهم، وأرسل إلى فرناندو يخطره بما تقدم.

ولم يتحقق ما كانت ترجوه مصر بتدخلها السياسي لدى ملوك النصرانية، من أثر ملطف في سير الحوادث الأندلسية. وقد كانت مصر بالرغم من بعدها تتبع أحوال الأندلس باهتمام خاص، لم ينتقص منه سوى اضطراب شؤونها الداخلية في ذلك الحين. ولما استولى النصارى على غرناطة، وحققت بذلك أمنية أسبانيا التاريخية، لم ينس ملك قشتالة ما توعد به سلطان مصر بأن ينكل برعاياه النصارى، ولم يقنع بالخطاب الذي وجهه إليه.

ولما استقرت الأمور، وخضعت سائر الأراضي الإسلامية، رأى فرناندو أن يسعى لإقناع سلطان مصر بما يلقاه مُسلمو الأندلس من الرعاية والرفق في ظل الحكم الجديد؛ فأرسل فرناندو إلى بلاط القاهرة سفيره الحبر والكاتب والمؤرخ بييترو مارتيري، الذي كان من مستشاري الملك.

بييترو مارتيري.. سفير الملكين الكاثوليكيين إلى مصر

انتُدِب بييترو مارتيري لهذه السفارة في أغسطس عام 1501، وزُوِّد بالكتب والوثائق اللازمة. ووصل إلى الإسكندرية بعد رحلة بحرية شاقة، عن طريق إيطاليا واليونان في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، ثم وصل إلى القاهرة في أواخر يناير (كانون الثاني). وكان سلطان مصر في ذلك الحين الملك الأشرف جان بلاط، الذي استقبل بييترو مارتيري برفق ورعاية. ولكن ذلك أثار غضب بعض الأشراف والمغاربة والأندلسيين المنفيين، الذين استنكروا مسلكه وتكريمه لسفير ملك، استولى على أراضي المسلمين في الأندلس، ويسومُهم سوء العذاب.

ونتيجة لذلك بعث السلطان إلى بييترو مارتيري يرجوه الانصراف من حيث أتى، خوفًا من سوء العواقب. ولكن مارتيري بعث إلى السلطان يشرح له خطورة الأمر، ويصف عظمة ملكيه فرناندو وإيزابيلا، وروعة سلطانهما الباذخ الذي يمتد حتى أواسط البحر المتوسط، وقدرتهما على الانتقام والإضرار بمن يسيء إليهما.

Embed from Getty Images

وعاد السلطان واستقبله في مقابلة سرية خاصة، استمرت من الصباح إلى الظهر، في السادس من فبراير عام 1502. وألقى بييترو مارتيري بين يدي السلطان خطابًا، فنَّد فيه ما نُسب لملكيه ظُلمًا – على حد وصفه – من الاستيلاء على غرناطة، واضطهاد المسلمين، وإجبارهم على التنصير. وأوضح بييترو مارتيري حق سيده في الفتح، وكونه يحكم مئات الألوف من الرعايا المسلمين، الذين يعيشون في بلنسية وأراجون، ويتمتعون جميعًا بممارسة شعائرهم بحرية.

واستطاع بكياسته وبراعته أن يقنع السلطان بصدق رسالته، وبما يلقاه مسلمو الأندلس من الرعاية، وأن يطمئنه على مصيرهم، وحسن نيات ملكيه. وقدم إلى السلطان شهادات من حكام الثغور المغربية، تُفيد بأن المسلمين المهاجرين إلى المغرب، يصلون إلى الشواطئ مع نسائهم وأولادهم في أمن وسلام، ويلقون من مندوبي الملكين كل الرعاية والرفق. ولم يكتفِ بييترو مارتيري بذلك وحسب، بل استطاع فوق ذلك أن يُقنع السلطان بأن يُعفي نصارى بيت المقدس من طائفة من المغارم والفروض.

وأورد بييترو مارتيري خلال وصف حوادث سفارته نبذة مطولة عن تاريخ مصر الإسلامية، ووصفًا شائقًا للقاهرة، وسكانها، والنيل، والأهرام. وألّف عن زيارته تلك هذه كتابه «Legatio Babylonica»، الذي وصف فيه أيضًا قصر السلطان بأنه يقوم على ربوة، على نمط قصر الفاتيكان في روما، وقصر الحمراء في غرناطة. ووصف السلطان نفسه بأنه رجل في نحو الخمسين من عمره، ذو لحية كعادة أهل البلاد، مهيب الطلعة ذو وجه أسمر، وعينين صغيرتين غائرتين، وحركاته ثقيلة، ويرتدي ثوبًا لا يختلف كثيرًا عما يسميه أهل غرناطة بـ«الجبة». ونُشر هذا الكتاب في طبعة عام 1511 من عشريّاته، وتُرجم إلى الإسبانية بعنوان «سفارة من الملكين الكاثوليكيين إلى مصر».

«سيد الفرسان».. لقب يُحصد وسِتار يُسدل

بعد نجاح مهمته الدبلوماسية في مصر، حصل بييترو مارتيري على لقب «سيد الفرسان maestro de los caballeros». وفي عام 1511، مُنح منصب المؤرخ الإخباري في مجلس ولاية الهند الذي شُكل حديثًا، والذي كلفته الحكومة بوصف ما كان يحدث في العالم الجديد.

ولا يمكن القول أن سقوط غرناطة كان حادثًا فجائيًا، بل كان نتيجة طبيعية لحوادث عدة، وخاتمة محتومة لاستشهاد طويل الأمد. وقد كانت الأندلس تُثير جزع الأمم الإسلامية وعطفها منذ البداية، ولكن الأمم الإسلامية لم تستطع أن تبذل أي مجهود عملي لإنقاذ الأندلس من قدرها المحتوم. ومع ذلك، فقد كان لسقوط غرناطة وقع عميق في الضفة الأخرى من البحر، حيث أمم المغرب العربي التي لبثت عقودًا ترتبط بالأندلس بأوثق الروابط، وفي سائر أنحاء العالم الإسلامي.

تاريخ

منذ 9 شهور
أصل الحكاية.. هكذا بدأ سقوط الأندلس منذ اليوم الأول للفتح!

على الجانب الآخر كان لهذا الحادث وقعه العميق في سائر الأمم النصرانية، التي ابتهجت له واعتبرته عوضًا لسقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين قبل ذلك بـ40 عام. وخلدت ذكرى الحادث في روما بإقامة قداس أعظم، واستمر ابتهاج الشعب أيامًا. ورحبت قصور أوروبا بالنبأ، وأقامت الحفلات الدينية والمدنية لإحيائه، مشيدةً بفضل فرناندو وإيزابيلا في تحقيق هذه الأمنية العظيمة.

وهكذا اختتمت المأساة الأندلسية، واستولى القشتاليون على غرناطة، آخر الحواضر الإسلامية في إسبانيا. وطويت بذلك تلك الصفحة المجيدة من تاريخ الإسلام. وقضي على حضارة الأندلس، وآدابها، وعلومها، وفنونها بالفناء. وأخذ الصدى الأليم الذي أثارته حوادث الأندلس في الأمم الإسلامية يخبو شيئًا فشيئًا، ولم تمض أعوام قلائل حتى أُسدل عليها في المشرق ستارًا من النسيان. ولكن ذكرى الأندلس وحوادثها، لبثت حية قوية في عدوة المغرب عصورًا أخرى؛ ذلك أن المأساة الأندلسية كانت أول ما تلقى صداها العميق في الضفة الأخرى من البحر، حيث كانت العدوة دائمًا ملاذ الضحايا الأخير.

المصادر

تحميل المزيد