تدير الآن قوات الكوماندوز التركية مدعومة جوًا بطائرات الهليكوبتر الهجومية والمدفعية هجومًا قويًا ضد «حزب العمال الكردستاني (بي كا كا)»، وتستهدف مستودعات الذخيرة والكهوف والمخابئ بالصواريخ الباليستية التكتيكية.

بيد أن أرض المعركة هنا ليست تُركيّة أو سُورية، بل أرض عراقية، وتحديدًا منطقة هاكورك شمالي العراق، حيث ترى أنقرة في انتشار «حزب بي كا كا» عسكريًا وأمنيًا واجتماعيًا بكركوك وسنجار، وغيرها من المناطق العراقية الأخرى، مصابًا جلل يجب انهاؤه عبر «عملية المخلب» الدائرة الآن في العراق.

«عملية المخلب».. صيف تركي ساخن

تواصل أنقرة شن عملياتها العسكرية في الأراضي العراقية منذ عام 1983، وذلك بتوافق مع الحكومات العراقية المتتالية المعادية لإنشاء دولة كردية مستقلة في العراق.

مقبرة لمقاتلي أكراد في كردستان العراق

ودعمت اتفاقات غير معلنة بين العراق وتركيا خلال عقد الثمانينات والتسعينات هذه العمليات، ثم بعد الغزو الأمريكي للعراق وتحديدًا في عام 2007، عقدت تركيا والعراق اتفاقًا يسمح للجيش التركي بملاحقة عناصر «حزب العمال الكردستاني» في شمال العراق، لكن مع خروج القوات الأمريكية، ووقوع العراق تحت سيطرة النفوذ الإيراني، أصبح الخلاف حول وجود القوات التركية كبيرًا في عهدي الرئيسين: نوري المالكي، وحيدر العبادي.

ثم شهدت فترة صراع العراق مع «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» تدخلًا تركيًا قويًا بتأسيس قاعدة عسكرية تدريبية كبيرة نسبيًا في عمق الأراضي العراقية، وتقول المصادر غير الرسمية أن لتركيا حوالي 19 قاعدة ما بين عسكرية واستخباراتية في العراق، تضم جميعها حوالي 3 آلاف جندي تركي.

ويؤرخ للعام 2019 على أنه بداية صفحة جديدة بين البلدين في عهد الرئيس الحالي برهم صالح الذي زار تركيا مرتين هذا العام؛ لتأتي «عملية المخلب» التي أطلقت في 27 مايو (أيار) الماضي، في منطقة هاكورك شمالي العراق، ضد «بي كا كا» المصنف في تركيا باعتباره منظمةً إرهابيةً، إذ ترى تركيا في عناصره بهذه المنطقة قاعدة رئيسة لـ«الإرهاب» تتسلل إلى تركيا وتهاجم المواقع الحدودية التركية التي تبعد عنها حوالي 30 إلى 40 كيلومترًا، لتدلل على التقارب بين البلدين.

وبالحديث إلى الباحث التركي طه عودة أوغلو أكد أن العملية العسكرية «المخلب» التي يشنها الجيش التركي منذ نهاية مايو الماضي ضد عناصر «حزب بي كا كا» يميزها عما سبقها تقارب تركي عراقي في الأشهر الأخيرة، وزيارات متبادلة بين الطرفين. إذ جاءت العملية بعد الزيارة التي قام بها الرئيس العراقي برهم صالح لأنقرة الشهر الماضي؛ ما يدل على موافقة ضمنية عراقية على العملية في ظل التفاهمات الأمنية والسياسية بين البلدين.

ويضعنا أوغلو في أول الأهداف التركية لهذه العملية، إذ يقول: إن «أنقرة تحاول قبل قدوم الصيف قطع الطريق على حزب العمال الكردستاني من تنفيذ أية عمليات على الحدود، أو داخل الأراضي التركية»، أما الهدف الثاني فخارجي، ويصفه أوغلو بأنه الأكبر والأهم بالنسبة لتركيا، ويتمثل في التمهيد لشن عملية عسكرية أضخم وأوسع بعد الحصول على توافقات دولية من اللاعبين الكبار على الأرض السورية، لتطهير منطقة شرق الفرات السورية، ويبين أوغلو لـ«ساسة بوست» أن «النظرة التركية لهذه العملية هي ترسيخ أمنها ليس داخل حدودها فحسب، بل خارجها أيضًا في سوريا والعراق. ما يدل عليه الوجود العسكري الجيش التركي في منطقة درع الفرات وعفرين وإدلب».

من جانبه يرى الكاتب والمحلل السياسي العراقي نظير الكندوري أن ما يميز هذه العملية أنها لا تعتمد على ضربات جوية فحسب، إنما الضربات الجزئية هي جزء من خطة تريد من خلالها تركيا البقاء في منطقة شمال العراق لمدة أطول مستفيدة من قواعدها العسكرية هناك، لتضمن من خلالها تقليل، أو إنهاء نشاط «حزب بي كا كا» في تلك المنطقة، لما يشبه المناطق الآمنة التي تريد تركيا إنشاءها في سوريا، وذلك بالطريقة نفسها التي استفادت بها تركيا من الجيش الحر السوري في معركتها مع «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» في سوريا، إذ إنها تنوي الاستفادة من البيشمركة التابعة لـ«الحزب الديمقراطي الكردستاني» (جماعة مسعود بارزاني) في حربها ضد هذا الحزب.

لماذا تسعى تركيا إلى تحسين العلاقات مع العراق؟

ما مصير الاتفاقات العراقية التركية؟

«إننا ندين ونستنكر ونشجب القصف التركي للأراضي العراقية، وإن كان وفق اتفاقات، فإنها اتفاقات هزيلة لا معنى لها» *العراقي مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، عبر «تويتر».

جندي تركي في قاعدة حدودية مع العراق

أدان الصدر بشدة «عملية المخلب» التركية في مناطق من إقليم كردستان العراق، ودعا الحكومة التركية لإنهاء خلافها مع الأكراد في العراق سلميًا وفق حوار ممنهج يحفظ للطرفين سلامته. ويُعرف أن إيران التي ترى في الوجود التركي عائقًا يحول دون استكمال بسط سيطرتها على العراق يدفع التيارات الشيعية الموالية لها وغيرها لمهاجمة التدخل التركي في العراقي حتى وصل الأمر لتهديد مجموعات شيعية موالية لإيران باستهداف القوات التركية بشكل مباشر إذا رفضت الانسحاب من العراق.

وتعقيبًا على الموقف الصدري خاصة، والموقف العراقي عامة من القصف التركي لموقع «حزب بي كا كا» في العراق، يقول الكاتب والمحلل السياسي العراقي نظير الكندوري: إنه «في كل مرة تقوم القوات التركية بعمل عسكري في شمال العراق، تخرج الأحزاب العراقية ببيانات منددة بهذا التدخل العسكري، ومطالبة القوات التركية بالانسحاب من شمال العراق، إلا أنه سرعان ما تذهب تلك المطالبات أدراج الرياح بسبب قلة الوزن السياسي للنظام السياسي في العراق، ويعود ذلك بالأساس إلى افتقاد هذا النظام إلى الاستقلالية في القرار السياسي والعسكري».

موضحًا لـ«ساسة بوست»: «الجميع يعلم أن سياسة الحكومة العراقية مرهونة بالسياسية الإيرانية، فأينما تتجه المصالح السياسية الإيرانية تجد العراق متبنيًا لمواقفها حتى لو كانت ضد المصالح العراقية، ومن الطبيعي أن ينطبق هذا على موضوع التواجد التركي في شمال العراق، وعلى هذا فإن التقارب أو التنافر بين العراق وتركيا ربما يكون لإيران دور كبير في تحديد طبيعته».

وفيما يتعلق بمصير الاتفاقات مع تركيا يبين الكندوري أنه «من النادر أن تكون المواقف السياسية للحكومة العراقية، معبرة عن الضغط الداخلي الصادر من قبل الأحزاب العراقية أو من قبل الجماهير، وبالتالي فإن إلغاء الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية بين العراق وتركيا تحددها إيران بالمقام الأول، رغم أن ذلك الدور الإيراني لا يُعبر عنه بشكل صريح من قبل إيران، إنما يتم ذلك من خلال مواقف الأحزاب العراقية الموالية لإيران والمشكلة للحكومة العراقية، أو من خلال الضغوط التي تقوم بها المليشيات العاملة بالعراق، والتي هي الأخرى تأتمر بأوامر إيران».

ويشدد الكندوري على أن «حزب بي كا كا» يمثل للدولة التركية تهديدًا للأمن القومي التركي؛ إذ إن أيديولوجية الحزب تعتمد على إنشاء وطن قومي للأكراد في جنوب شرق البلاد، وهي منطقة شاسعة من تركيا بجغرافيتها الحالية، كما أن العراق يمثل لهذا الحزب ملاذًا آمنًا يستطيع فيه إنشاء معسكرات التدريب بكل حرية، كما أنه يقوم بالتجنيد من شباب الكرد في تلك المناطق؛  الأمر الذي يتعذر عليه فعله الآن في المناطق الكردية في تركيا.

«لا حسم».. مصير الصراع العسكري التركي في العراق

يعتقد المحلل نظير الكندوري أنه «لا يقتصر الخطر بالنسبة لتركيا على صعيد الفكر الذي يحمله الحزب بقدر ما يشكل الدعم الذي تقوم به بعض الدول لهذا الحزب من تهديد جدي لتركيا، فالحزب يتلقى الدعم الأمريكي من خلال دعم الولايات المتحدة لقوات «قسد» التي تتهمها تركيا بأنه وجه آخر من الحزب في سوريا، كما أن قوات الحشد الشعبي العراقية، والتي تتحرك بشكل شبه منفصل عن القيادة السياسية العراقية، تدعم قوات هذا الحزب ماليًا وعسكريًا، ناهيك عن الدعم السياسي والإعلامي الذي تقوم به بعض الدول الأوروبية؛ مما ينعكس بشكل سلبي على صورة تركيا عالميًا».

قائد القوات الجوية التركية والجنرال أكين أوزتورك (يسار) يطلع رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو بشأن المعارك ضد الأكراد

بالحديث إلى الكاتب الكردي السوري حسين شاكر، قال: إن «قصف مواقع «حزب العمال الكردستاني» في العراق، وهو إجراء شبه روتيني منذ بداية تأسيس الحزب وصراعه مع الدولة التركية لا يمكنه أن يتوسع في «عملية المخلب» نحو  عملية عسكرية واسعة ضد الحزب في الأراضي العراقية».

ويدعم شاكر، الذي أقام سابقًا في إقليم كردستان العراق، قوله بأن فتح عملية موسعة ضد «حزب بي كا كا» تمنعه الأجواء الإقليمية غير المناسبة، والأوضاع الداخلية التركية، لذا «فليس من الوراد ما يدل على توسيع العملية التركية في شمال العراق، خاصة مع وجود حكومة كردية شبه حليفة لأنقرة».

ولا ينفى شاكر أن «حزب العمال الكردستاني» يشكل تهديدًا على تركيا مستدركًا: «لكن منذ بدء عملية السلام التي قام برعايتها رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني بين الحزب وتركيا عام 2013، أصبح تأثير عمليات الحزب على تركيا ذا تأثير طفيف جدًا، فالحزب يقوم بعملياته داخل تركيا من الأراضي التركية في الأغلب، كما أن تركيا تقوم بتصحيحات كبيرة بأراضيها في الوقت الراهن». ويضيف لـ«ساسة بوست»: «الخطورة ليست بتلك القوة، خاصة أن كبريات الجبال الاستراتيجية في يد الدولة التركية، ما عدا جبال قنديل الموجود في كردستان العراق، لذا لا يشكل الحزب تهديدًا واسعًا على تركيا نتيجة تدابير تركيا والقصف المستمر».

ويبين شاكر أن العلاقة بين الأكراد الذين يؤمنون بأن أيديولوجية هذا الحزب اليساري الراديكالي ليست مطالب كردية قومية واسعة كما تروج تركيا، فهو يستخدم شعارات القومية الكردية لجذب وتجنيد الشباب الأكراد، وليس لكونه حزبًا قوميًا، ويختم بالقول: «تركيا لن تسطيع أن تزيل الحزب نتيجة لكونه يستمد قوته من ملايين الأكراد الذين يُجندون تحت شعارات هذا الحزب، وتركيا لن تسطيع الانتصار على الحزب في المناطق الجبلية،  المعركة صعبة جدًا، ومن غير الممكن الوصول إلى الحسم».

مترجم: «نساء.. حياة.. حرية».. تعرف إلى الوجه الآخر للمقاتلات الكرديات

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد