في ساحات المسجد الأقصى المبارك حوله، يجلس طلبة “مصاطب العلم” تحت ظلال الأشجار متحلقين حول الشيخ أو المدرّس لتلقي دروس في العلم الشرعي، من الحديث الشريف والسيرة النبوية والتفسير والثقافة الإسلامية والفقه إلى العلوم الأخرى كاللغة العربية والرسم.

“مصاطب العلم” تلك تعد رافدًا من روافد الدفاع عن الأقصى وهي جزء من معادلة الصمود، تعود جذورها إلى العهد العثماني الذي اشتهرت فيه ثلاثون مصطبة علمية، تلك المصاطب تم تفعيلها في السنوات الأخيرة من قِبَل مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية وتحديدًا عام 2000/2001، وعندما أقدمت سلطات الاحتلال على إغلاق المؤسسة، تولت مؤسسة “عمارة الأقصى والمقدسات” رعاية مشروع المصاطب حتى الآن.

وفيما يبدو الأمر نشاطًا علميًّا ودينيًّا إلا أن إعمار 26 مصطبة اليوم هو أهم أوجه الرباط الدائم والحماية للمسجد الأقصى، حيث يحول ذلك دون نجاح مخططات الاحتلال التي تترقب فترات تضاؤل أعداد المصلين، خاصة في الفترة الصباحية، بين الفجر والظهر، لإدخال المستوطنين اليهود إلى المسجد لدعم أسطورة “الهيكل”.

في هذا العام يشارك الرباط المئات من الطلبة والطالبات من فئات عمرية مختلفة يوميًّا، ضمن حالة الاستنهاض لمواجهة سياسة التهويد الصهيونية. ولإعادة دور ورسالة المسجد الأقصى في توعية الناس، ونشر العلم والدعوة إلى الله، بالإضافة إلى ترشيد وجود الناس وحثهم على التواجد داخل المسجد بعد الصلوات، وعدم الانفضاض وترك المسجد خاليًا.

أشهر المصاطب


المصطبة هي عبارة عن بناء حجري مسطح بارتفاع أقل من متر عن سطح الأرض، ويتم الوصول إليه من خلال عدة درجات. وغالبًا ما يكون لها محراب على شكل انحناء أو تجويف في جدار صغير يحدد اتجاه القبلة. وتستخدم المصاطب للجلوس والصلاة والتدريس، خاصة في فصل الصيف. ويعود تاريخ إنشاء معظم هذه المصاطب إلى العهد العثماني، وقد أنشئ بعضها بغرض تخليد الشهداء أو العلماء أو المدن.

ومن أشهر مصاطب الأقصى: مصطبة الصنوبر (أو مصطبة أبي بكر الصديق) التي تقع في الساحات الغربية الجنوبية للمسجد الأقصى على يسار الداخل من باب المغاربة، و مصطبة صبرا وشاتيلا الواقعة شرقي الزاوية الجنوبية الشرقية لصحن الصخرة، إضافة إلى مصطبة الغزالي الواقعة جنوبي باب الرحمة والتوبة في الجدار الشرقي للمسجد الأقصى، وهي حديثة تخلد ذكرى الإمام الغزالي الذي يقال إنه وضع كتابه “إحياء علوم الدين” في هذا الموضع من المسجد الأقصى.

أهداف مصاطب العلم

فتيات من القدس ضمن فعاليات “مصاطب العلم”

يؤكد القائمون على “مصاطب العلم” أن الهدف من إقامة هذه المصاطب هو إحياء دور المسجد الأقصى في الإشعاع المعرفي والديني كما كان في السابق منارة علمية تستقطب طلبة العلم والعلماء، وأيضًا تأتي هذه المصاطب لضمان تواجد أعداد كبيرة لإفشال أي محاولة للمساس بالمسجد من قبل متطرفين يهود يحاولون هدم المسجد وإقامة ما يعرف بـ”هيكل سليمان”.

ويؤكد الشيخ رائد صلاح أن الطلاب والطالبات في مصاطب العلم، يقومون بدور بطولي شجاع نيابة عن كل الأمة المسلمة والعالم العربي والشعب الفلسطيني، ويضيف: “الاحتلال الإسرائيلي يدرك أن هؤلاء الطلاب والطالبات باتوا شوكة في حلقه، يحاول أن يلغي وجودهم عن طريق الاعتقالات تلو الاعتقالات، التي أصبحت مشهدًا يوميًّا لهؤلاء الطلاب والطالبات، لكن عزيمة هؤلاء الطلاب والطالبات أقوى من كل معتقلات الاحتلال الإسرائيلي”.

اعتداءات متواصلة

قوات الاحتلال تعتقل أحد طلاب العلم

الدور الذي تؤديه مصاطب العلم، دفع قوات الاحتلال لاستهداف المشاركين فيها بصورة دائمة. فقد تعرض بعض هؤلاء الطلبة والطالبات لإصابات إثر هجمات شنها الاحتلال داخل المسجد الأقصى، كما اعتُقِل طلاب وتم سحب هويات بعضهم، وصدرت أحكام إبعاد بحقهم عن المسجد الأقصى لفترات متنوعة، وتنقل مؤسسة “إعمار الأقصى” باستمرار أخبار اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على هذه المصاطب، فتشير إلى أن قوات الاحتلال تنفذ عمليات سطو على كراسي الطلبة وتحطم الأقفال وتقطع السلاسل وتحجز كمية أخرى من الكراسي خارج الأقصى مما اضطر طلبة العلم الرجال والنساء وكبار السن إلى الجلوس على الأرض وافتراش التراب لساعات طويلة خلال برنامجهم التعليمي.

واحدة من السيدات اللاتي تعرضن للاعتداء مؤخرًا كانت عايدة صيداوي (53 عامًا)، تقول صيداوي لوكالة “صفا” الفلسطينية: “أوقفني أحد أفراد الشرطة بتهمة التكبير، واعتدى عليَّ بالضرب المبرح، ومزق جلبابي الذي أرتديه، ومن ثم تم اعتقالي وتحويلي إلى مركز القشلة للتحقيق معي”.

لم يكتفِ الاحتلال بذلك بل حوّل السيدة عايدة إلى سجن المسكوبية، ثم أفرج عنها بعد إصدار محكمة إسرائيلية قرارًا بإبعادها عن الأقصى 30 يومًا للمرة الخامسة، ودفع غرامة مالية قدرها ألف شيكل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد