كان للشعر منذ العصر الجاهلي مكانة كبيرة في نفوس العرب، كان يرفع أقوامًا ويُخفض آخرين، وقد سجّل تاريخ العرب ومفاخرهم ووصف حروبهم، فضلًا عن تعبيره عن الخيال والوجدان، وكما كان الملوك يرعون الشعر ويُجزلون العطاء لمن يجيده فلم يكن غريبًا في البيئة العربية أن تجود قريحة الملوك بالشعر أيضًا، وقد حفظ الأدب قصائد لملوك عرب عبر التاريخ برعوا في الشعر، وقالوه في ظروف مختلفة فمنهم من عاش في عصر اعتُبر فيه الشعر أمرًا يأنف منه الملوك، ومنهم من كان يفخر بقول الشعر، وبين نعيم الملك والملك الضائع تغنّوا بالقصائد، وهؤلاء مجموعة من أبرز الشعراء الملوك:

المهلهل بن أبي ربيعة.. «حَتّى أُبيدَ قَبيلَةً وَقَبيلَةً»

رغم قِدم نشأته إلا أن قسمًا كبيرًُا من الشعر الجاهلي لم يصل إلينا بسبب عوامل مختلفة منها عدم تدوين أغلبه ثم انشغال كثير من رواته بعد الإسلام بأمور الدين والفتوحات الإسلامية، ويُعتبر شعر المهلهِل من أقدم الأشعار التي وصلت إلينا.

نشأ المهلهل عدي بن ربيعة في قبيلة تغلب، في بيت سيدها ربيعة، وشارك في حروب تغلب مثل كل الفرسان لكنه انشغل في أوقات السلم باللهو والنساء حتى سُمّي «الزير».

من مسلسل الزير سالم الذي يحكي سيرة المهلهِل – مصدر الصورة

ومضت على هذه الحال حياة المهلهِل إلى أن قُتل أخوه كليب سيّد تغلب، على يد جساس، فأطلق المهلهِل قوله المشهور «اليوم خمر وغدًا أمر».

خذِ العهدَ الأكيدَ عليَّ عمري     بتركي كلَّ ما حوتِ الديارُ

وَهَجْرِي الْغَانِيَاتِ وَشُرْبَ كَأْسٍ      وَلُبْسِي جُبَّة لاَ تُسْتَعَارُ

وَلستُ بخالعٍ درعي وَسيفي        إلى أنْ يخلعَ الليلَ النهارُ

قال المهلهِل أغلب أشعاره في رثاء أخيه كُليب الذي عُرف بقوة بلغت به حدّ الظلم والجور، فكان يرعى مواقع السحاب، ما إن ينزل المطر بأرض حتى يضع فها جروًا فلا يكون لأحد أن يسقي من ماء هذا المطر إلا بإذن من كليب طالما سُمع نباح كلبه، وضُرب به المثل فقيل «أعزّ من كليب وائل».

وقد سُمّي عديّ بالمهلهِل لأنه أول من هلهل الشعر أي رققّه وجعله سلسًا.

أَهَاجَ قَذَاءَ عَيْنِي الاذِّكَارُ      هُدُوًّا فَالدُّمُوعُ لَهَا انْحِدَارُ
وَصَارَ اللَّيْلُ مُشْتَمِلًا عَلَيْنَا      كأنَّ الليلَ ليسَ لهُ نهارُ

ارتبطت سيرة المهلهل بحرب البسوس التي قامت بمقتل كليب واستمرت 40 عامًا، كان لجليلة زوج كليب من قبيلة بكر 10 إخوة أصغرهم جسّاس، وقد نزلت في ضيافته ذات مرة خالته البسوس، وكانت لها ناقة اسمها سراب، ويُقال إن كليبًا خرج من عند زوجته غاضبًا ذات مرة بسبب فخرها بأخويها جسّاس وهمّام، ورأى الناقة – سراب- فضربها بسهمه فقتلها، فصاحت البسوس «واذلاه»، لكن جسّاسًا قال لها «اسكتي فلكِ بناقتِك ناقة أعظم منها»، لم ترضَ البسوس بذلك، فأخبرها جسّاس أنه سيقتل جملًا، وهو يُضمر قتل كليب نفسه، وبقتل كليب اشتعلت الحرب بين القبيلين –بكر وتغلب- 40 عامًا كانت الحرب فيها سِجالًا بينهماـ

لَمّا نَعى الناعي كُلَيبًا أَظلَمَت      شَمسُ النَهارِ فَما تُريدُ طُلوعا
قَتَلوا كُلَيبًا ثُمَّ قالوا أَرتِعوا      كَذَبوا لَقَد مَنَعوا الجِيادَ رُتوعا
كَـــــــــــــلّا وَأَنصـــــــــــــابٍ لَنا عـــــــــادِيَّةٍ         مَعبودَةٍ قَد قُطِّقَت تَقطيعا
حَــــــــــــتّى أُبيدَ قَبيلَةً وَقَبيلَةً               وَقَبيلَةً وَقَبيلَتَينِ جَميعا

قُتل همّام في تلك الحرب وحين مرَّ به المهلهِل مقتولًا قال «والله ما قُتل بعد كليب قتيل أعز عليَّ فقدًا منك»، وبعدها قَتل المهلهِل جساسًا، وكانت أشعار المهلهِل تدور حول الحرب والرثاء، وقيل إن الرقة صبغت شهر المهلهل حتى في غير محلها أحيانًا مثل قوله في تهديد أعدائه وتوعّدهم:

ذهب الصلح أو تردّوا كليبا       أو أذيق الغداة شيبان ثكلا
ذهب الصلح أو تردّوا كليبا      أو تنال العداة هونًا وذلا

ظهرت فروسية المهلهِل وشجاعته في الحرب، حتى صارت شخصيته رمزًا للفارس المغوار، وعاش طويلًا قبل أن يقع في الأُسر ويموت في أسره عام 531 للميلاد، وُنسجت حولها أحداث السيرة الشعبية الزير سالم أبو ليلى.

امرؤ القيس..«نحــاولُ مُلكـًا أو نمــوتَ فنُعـــذرا»

أمه هي أخت كليب والمهلهِل فاطمة بنت ربيعة، وتغلب على سيرته الأسطورة فيُحكى أن أباه طرده بسبب قوله الشعر وكانت الملوك حينها تأنفه، وقضى امرؤ القيس حياته متجولًا بين أحياء العرب، ينزل بغدير أو روضة هو ورفاقه يشربون الخمر ويأكلون من الصيد ثم ينتقلون لغيره، إلى أن بلغه مقتل أبيه فقال «ضيّعني صغيرًا وحمّلني دمه كبيرًا،لا صحو اليوم ولا سُكر غدًا، اليوم خمر وغدًا أمر»، وهكذا راح يجاهد ليستردّ ملك كندة من أيدي بني أسد قتلة أبيه.

حفظ تاريخ الأدب قصائد متنوعة وجميلة لامرؤ القيس، قبل وبعد مقتل أبيه، فقال في معلّقته الشهيرة في الغزل:

أغَرّكِ مني أنّ حُبّكِ قاتِلي            وأنكِ مهما تأمري القلب يفعل
ومَا ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلا لتَضْرِبي      بسَهمَيكِ في أعشارِ قَلبٍ مُقَتَّلِ

وهكذا تركّز شعر امرؤ القيس قبل مقتل أبيه في الغزل ووصف الطبيعة والليل والخيل والمطر وصفًا ألهم خيال الشعراء اللاحقين فتبعوه في تشبيهاته.

مصدر الصورة

بعد مقتل أبيه أقسم امرؤ القيس ألا يأكل لحمًا ولا يشرب خمرًا وألا يلهو حتى يثأر له بقتل 100 من بني أسد وجزّ نواصي 100 آخرين، وانطلق الملك الضليل يجمع فرسان كندة وكتائب حمير ويطلب مناصرة بكر وتغلب لحرب بني أسد، واضطر للجوء إلى قيصر لكي يجمع قوة تفوق قوة أعدائه، وقال لصاحبه وهما في الطريق الطويل إليه:

بَكى صَاحِبي لمّا رأى الدَّرْبَ دُونه

وأيقنَ أنا لاحقانِ بقصيرا

فَقُلتُ لَهُ: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنّمَا

نحاوِلُ مُلْكًا أوْ نُموتَ فَنُعْذَرَا

لكن الطريق نحو المُلك لم يكتمل بسببب وشاية قيل إنها تسببت في قتل قيصر لامرؤ القيس بعد أن علم باتصاله بإحدى بناته، وقيل إنه مرِض في الطريق ومات بسبب الجدري، لكنه أنشد أخيرًا يقول وقد أدرك أنها نهايته:

أجارَتنـــــا إن المـــــــــزار قـريــبُ             وإنـي مقيـــم ما أقـــامَ عَســـيبُ
أجارَتنــــا إنّــا غريبـــــانِ هاهُنـــــا         وكـلُّ غريــــبٍ للغريــــب نســـيبُ

وترك امرؤ القيس كنوزًا من الأشعار صارت نموذجًا للشعر الأصيل نهل منها الشعراء الذين تلوه، وقال عنه الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرة وأسبقهم بادرة وأنه لم يقل لرغبة ولا رهبة».

يزيد بن معاوية.. «وأمطرتْ لُؤلؤًا»

يعتبر شعر العصر الأموي امتدادًا للشعر الجاهلي في بعض نواحيه، فقد عادت النزعات القبلية لتكون مادة ثرية للشعر، وظهرت النقائض، ومن ناحية أخرى أسهم تدفق الأموال من كل جانب ووجود الرقيق والجواري والمغنيات في ظهور شعر الغزل الرقيق.

كان يزيد أول الخلفاء الأمويين الذين قالوا الشعر، وكان يقرض الشعر مع عبد الرحمن بن حسان بن ثابت ويحفظ منذ كان صغيرًا أشعار القدماء والمعاصرين.

واسترجعتْ سألتْ عَني، فقيل لها       ما فيه من رمقٍ .. و دقتْ يدًا بِيَدِ

وأمطرتْ لُؤلؤًا من نرجسٍ وسقتْ وردًا           وعضتْ على العنابِ بِالبردِ

وأنشدتْ بِلِسان الحالِ قائلةً                 مِنْ غيرِ كُرْهٍ ولا مَطْلٍ ولا مددِ

وكان الغزل الرقيق أبرز الموضوعات التي جاءت فيها قصائد يزيد بن معاوية، التي عُثر على كثير منها في مكتبة الإسكوريال بإسبانيا، واختلط شعره بشعر غيره، لكن أغلب ما وصلنا من قصائده كتبها في الخمر والغزل:

وسِرْبٍ كَعَيْنِ الدِّيكِ مَيلٍ إلى الصّبـا      رواعف بالجـاديِّ سـودِ المَدَامـعِ

تَقُـــــول نســــاء الحـيِّ: تَطمعُ أَنْ تَـرَى          مَحَاسِنَ لَيلَى ؟ مُتْ بِـداءِ المطَامـعِ

مترجم: من نيرون حتى بن لادن.. لماذا أحب الطغاة كتابة الشعر؟

المعتمد بن عباد ..«قَد كانَ دَهرُكَ إِن تأمُرهُ مُمتَثِلًا»

عاش المعتمد بن عباد في القرن الخامس الميلادي في الأندلس في فترة شديدة التعقيد من تاريخ الإسلام في الأندلس، وتكشف أشعاره عن روح مرهفة، ولقي في آخر أيامه محنة عصيبة حين نفاه يوسف بن تاشفين وأسرته وقُتل اثنان من أبنائه فصوّر المعتمد في أشعار رقيقة محنته التي أبكى بها كل من سمعها.

قَد كانَ دَهرُكَ إِن تأمُرهُ مُمتَثِلًا      فَرَدّكَ الدَهرُ مَنهيًّا وَمأمورا
مَن باتَ بَعدَكَ في مُلكٍ يُسرُّ بِهِ       فَإِنَّما باتَ بِالأَحلامِ مَغرورا

كانت سيرة المعتمد مليئة بالعبر والمفارقة بين حياته الأولى أميرًا ثم ملكًا يعيش في ترف في أكثر البلاد نعيمًا، وبين أيامه الأخيرة في الأسر وفقره وعسره الذي كان مدعاة للتأمل والتعاطف معه.

قصر المعتمد في إشبيلية – مصدر الصورة

نشأ المعتمد في إشبيلية في كنف أبيه الذي عرف بقوته وجبروته، حتى أنه قتل بيده ابنه الأكبر وخليفته إسماعيل في إحدى فورات غضبه، وصار محمد- المعتمد- خليفته، وقائد جيوشه، وكان المعتمد يقول الشعر منذ صباه، ويكتبه إلى أبيه أحيانًا يستميل قلبه ويعتذر منه ويسكن غضبه.

أَيا ملكا يَجِلّ عَن الضَريبِ             وَمَن يَلتَذُّ غُفرانَ الذُنوبِ
وَمَن في كَفِّه بُؤسي وَنعمي            تَصرَّفَ في العدوّ وَفي الحَبيبِ
تَسَخّطك المُمِضُّ أَعَلَّ نَفسي           وَما لي غير عفوِكَ من طَبيبِ

التباري بالكلمة.. خلافات وصداقات أنتجت أجمل القصائد

وفي بيئة إشبيلية -التي قال عنها أحد زائريها مفضلًا إياها عن مصر والشام إنها «غابة بلا أسد ونيل بلا تمساح»- تجوّل المعتمد وكتب أشعاره الرقيقة في موضوعات كثيرة حتى أنه تعثر في حجر ذات مرة فقال:

مَرَرتُ بكَرمَةٍ جَذبَت رِدائي         فَقُلتُ لَها عَزمتِ عَلى أذائي
قالَت لِم مَرَرتَ وَلَم تُسلِّم           وَقَد رويَت عظامُك مِن دِمائي

وفي الغزل قال في زوجته اعتماد الرميكية قصيدة بدأت أبياتها بحروف اسمها، الذي عشقه حتى أنه اتخذ منه لقبًا:

أَغائِبَةَ الشَخصِ عَن ناظِري          وَحاضِرَةً في صَميمِ الفُؤادِ
عَلَيكِ السَلامُ بِقَدرِ الشُجون          وَدَمع الشُؤونِ وَقَدرِ السُهادِ

وتفاخر المعتمد بقدرته على الاستيلاء على قرطبة التي استعصت على غيره من ملوك الطوائف:

خَطَبتُ قُرطبةَ الحَسناء إِذ مَنَعَت        من جاءَ يَخطُبُها بالبيض وَالأَسَلِ

لم يخل شعر ابن عباد من من سخرية لاذعة أحيانًا مثل القصيدة التي أرسلها لابنه حين تخلّف عن إحدى المعارك:

الملكُ في طيّ الدَفاتِرْ     فَتخلّ عَن قَود العَساكِرْ
طُف بِالسَرير مسلِّمًا         واِرجع لِتَوديعِ المَنابِرْ

وواصل المعتمد سخريته يقول لابنه:

أَوَ لَستَ رُسطاليس      إِن ذُكِرَ الفَلاسِفَةُ الأَكابِرْ
وَكَذَا إِذا ذُكر الخَليلُ          فَأَنتَ نَحويّ وَشاعِرْ
وَأَبو حَنيفَةَ ساقِطٌ في الرأي      حينَ تَكونُ حاضِرْ

حين اشتدت وطأة المسيحيين وعجز المعتمد عن مواجهة توسعاتهم في الأندلس أرسل يستعين بيوسف بن تاشفين وراجعه ابنه الرشيد في أنه سيُدخل بهذا من يبدّد ملك بني عباد، أجابه المعتمد «يا بني والله لا يُسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى فتقوم على اللعنة في منابر الإسلام مثلما قامت على غيري».

في النهاية رأى يوسف بن تاشفين خلع ملوك الطوائف لما رآه من إسرافهم في النعيم وتخاذلهم عن حماية دولهم والانشغال بالخلافات فيما بينهم، ونفى ابن عباد وأسرته إلى المغرب في منفى شديد الفقر مع بناته وزوجه اعتماد، فعاش أيامه الأخيرة متحسّرًا على ملكه الضائع وأولاده القتلى، وبناته اللاتي عانين ذلّ الفاقة:

فيما مَضى كُنتَ بِالأَعيادِ مَسرورا     فَساءَكَ العيدُ في أَغماتَ مَأسورا
تَرى بَناتكَ في الأَطمارِ جائِعَةً           يَغزِلنَ لِلناسِ ما يَملِكنَ قَطميرًا
بَرَزنَ نَحوَكَ لِلتَسليمِ خاشِعَةً               أَبصارُهُنَّ حَسراتٍ مَكاسيرا
يَطأنَ في الطين وَالأَقدامُ حافيَةٌ           كَأَنَّها لَم تَطأ مِسكًا وَكافورا

وبقي لدى المعتمد شيء من طبعه الأول يظهر في أشعاره حتى وهو في الأسر، يبدو حين يقول مثلًا:

غَريب بِأَرضِ المغربينِ أَسيرُ         سَيَبكي عَلَيهِ مِنبَرٌ وَسَريرٌ
وَتَندُبُهُ البيضُ الصَوارِمُ وَالقَنا       وَينهلُّ دَمعٌ بينَهُنَّ غَزيرُ

كان المعتمد يعلم أن محنته طبّقت الآفاق فلطالما تنبأ العرافون لآبائه بزوال ملكهم:  

أنباءُ أَسرك قَد طَبّقن آفاقا               بَل قَد عَمَّمن جِهاتِ الأَرضِ إِقلاقا
سارَت مِن الغَربِ لا تُطوى لَها قَدَمٌ      حَتّى أَتَت شَرقَها تَنعاكَ إِشراقا

ودُفن المعتمد في منفاه في أغمات بالمغرب بجوار الرميكية، وطلب أن يُكتب على قبره بعض أبياته، ليسطر بذلك آخر فصل من حياته المليئة بالمآسي والعظة كما بالنعيم أيضًا:

قَبرَ الغَريب سَقاكَ الرائِحُ الغادي         حَقًّا ظَفَرتَ بِأَشلاء ابن عَبّادِ

ويختتم قصيدته قائلًا:

وَلا تَزالُ صَلاةُ اللَهِ دائِمَةً      عَلى دَفينكَ لا تُحصى بِتعدادِ

أدباء وشعراء مناضلون

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد