في حدث دفع الإعلام المصري إلى الاحتفال بقوة، رفعت وكالة «فيتش» الأمريكية للتصنيف الائتماني، تصنيف البلاد من «B» إلى «B+»، مع نظرة مستقبلية مستقرة، إذ أصدرت الوكالة تقريرًا اقتصاديًّا، أمس الخميس، عن الوضع الاقتصادي المصري، أشادت فيه بما أحرزته مصر من إصلاحات اقتصادية ومالية، متوقعة مواصلة النتائج الإيجابية لتلك الإصلاحات، لكن بالرغم من هذه الإيجابية؛ لم يخل التقرير من بعض المخاطر والتحذيرات، وهو ما لم يذكره الإعلام المصري، وخلال السطور القادمة سنعرض هذه الجوانب التي لم يتم تسليط الضوء عليها.

في البداية تعتبر هذه المراجعة التي يمكن وصفها عامة بالإيجابية، هي الخامسة لمؤسسات التصنيف الائتماني، منذ بدء تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري عام 2016، وذلك بحسب ما أوضحت وزارة المالية، أمس، والتي سارعت بإصدار بيان يحمل الكثير من الإشادة برفع التصنيف، بينما شدد وزير المالية محمد معيط، على أن تقرير «فيتش» يؤكد أن البلاد تسير في الطريق الصحيح، مع نجاح جهود الحكومة في تحقيق استدامة المؤشرات الاقتصادية، على حد تعبيره.

 

معيط، قال إن رفع التصنيف سيسهم في زيادة درجة الثقة في قدرات الاقتصاد المصري، وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، وخفض تكلفة التمويل للحكومة وللقطاع الخاص، وبالطبع هذا الأمر صحيح، إلا أن التحديات التي أشار إليها التقرير وتحدث عنها أحمد كجوك، نائب وزير المالية، تجعل البلاد مطالبة بضبط المالية العامة، وخفض مؤشرات الدين العام، والحفاظ على مستويات مرتفعة ومطمئنة من احتياطي النقد الأجنبي، وتجنب حدوث تطورات تحد من وتيرة التعافي الاقتصادي؛ لمواصلة التقدم الإيجابي.

خبراء: تقرير إيجابي.. ولكن

يرى محمد عبد الحكيم، رئيس قسم البحوث بـ«شركة فيصل لتداول الأوراق المالية»، أن رفع التصنيف الائتماني لمصر شيء إيجابي لتقييمات الأسهم المدرجة بالبورصة؛ لأن بعض طرق حساب سعر الخصم تعتمد على التصنيف الائتماني في جزئية من جزئيات حساب علاوة المخاطر، وبالتالي فإن رفع التصنيف سيقلل بالطبع من علاوة المخاطر المطلوبة؛ فينخفض سعر الخصم بالتبعية، ويرتفع تقييم كافة الأسهم تلقائيًّا لتصبح أكثر جاذبية.

ويضيف عبد الحكيم خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن رفع التصنيف يدعم كذلك قدرة البنك المركزي على خفض أسعار الفائدة، وهو أمر إيجابي للاستثمار بشكل عام، رغم الأثر السلبي في سعر الجنيه المصري أمام العملات الأخرى، بينما يتوقع أن تضع الحكومة تحفظات مؤسسات التقييم الدولية نصب أعينها، وتعمل على تحسينها لتخفيض المخاطر، كالعمل على تحسين الحوكمة، وهو ما تعمل عليه الهيئة العامة للاستثمار، والهيئة العامة للرقابة المالية، بالإضافة إلى الجهات الرقابية على الجهاز الحكومي.

ولكن يرى عبد الحكيم أن التحدي الأكبر أمام الحكومة قد يكون في عجز الميزان التجاري، فلا يزال عجز الميزان التجاري أهم المعضلات الهيكلية في الاقتصاد المصري، ومع انخفاض الواردات البترولية قد يبدو أن هناك بعض التحسن في الأفق، إلا أنه من الضروري الاهتمام بالصادرات غير البترولية بوصفها محورًا مهمًّا في ضبط الميزان التجاري، وذلك للحفاظ على وتيرة التحسن في المستقبل.

وكالات التصنيف الائتماني.. هكذا تحرِّك أمريكا الاقتصاد العالمي عبر الثلاث الكبار

ومن جانبه قال محمد نصر الحويطي، الصحافي المتخصص في الشأن الاقتصادي، ورئيس جريدة «الميزان الاقتصادي» المصرية: إن تقرير «فيتش» شيء يدعو إلى التفاؤل على كل حال، لكنه ليس عظيمًا، موضحًا أن التصنيف B+ يعني أن الجدارة الائتمانية لمصر متوسطة إلى أقل من متوسطة، ولكنها مقارنة بما سبق يعتبر ذلك تحسنًا جيدًا، غير أن نقل وسائل الإعلام غير المتخصصة في معالجة الأحداث الاقتصادية، وتحليلها لنص البيان الصحافي الذي أشاد فيه وزير المالية المصري بهذا التقييم ساهم في المبالغة في الحدث.

وأكد الحويطي خلال حديثة لـ«ساسة بوست» أن المؤسسة العالمية أوردت في تقييمها عدة ملاحظات سلبية لا يجب إغفالها، لكن الإعلام المصري لم يشر إليها على الإطلاق، إذ تحدث التقرير عن مخاطر محتملة لا زالت المؤسسة تجدها مؤشرًا على عدم اكتمال الجدارة الائتمانية وتطورها لمستويات في التقييم أفضل من المستوى الحالي.

ما لم يخبرك به الإعلام المصري!

ذكرنا أن تقرير «فيتش» كان متوازنًا إلى حدٍّ كبير، ففي الوقت الذي تحدث فيه التقرير عن إيجابيات، تحدث أيضًا عن مخاطر وسلبيات، وبعيدًا عن التطرق للاتهامات التي يتهم بها كثيرون وكالات التصنيف عمومًا بتسيس التصنيفات التي تصدرها، إذ تتضارب مصالح هذه المؤسسات مع مصدري الديون الذين هم في الوقت نفسه عملاؤها الذين يدفعون المال لها مقابل تصنيف إصداراتهم من الديون، يجب أن نشير إلى أن هذا التصنيف (B+) ما زال يضع البلاد في درجة المخاطرة، وهي الدرجة السادسة في ترتيب تصنيف الدول، ما يعني أن طريق البلاد ما زال طويلًا، وهذا التحسن من المفترض أنه ليس نهاية المطاف.

1- الحوكمة تواصل الضغط على تصنيف مصر

تحدث تقرير «فيتش» حول الحوكمة الضعيفة نسبيًّا، والمخاطر الأمنية والسياسية التي تواجهها مصر، في إشارة إلى أن هذه الأسباب تهدد التحسن في المستقبل، والحوكمة التي يتحدث عنها التقرير هي القواعد والقوانين والمعايير والإجراءات والرقابة التي تنتهجها الحكومة في إدارة مؤسساتها، وتعاني مصر من ضعف واضح في الحوكمة، فوفقًا لمؤشر التنافسية العالمية لعام 2018، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي يضع الحوكمة في اعتباره، تحتل مصر المرتبة 12 عربيًّا و94 عالميًّا من بين 140 دولة حول العالم، وذلك بحصولها على درجة إجمالية بلغت 53.6.

 

ويعد هذا الترتيب متواضعًا مقارنة بكثير من دول المنطقة؛ إذ يتفوق على مصر كل من لبنان والأردن وتونس والجزائر والمغرب، وسبق أن اعترف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسى، بأن غياب الحوكمة تسبب في ضياع حق الدولة، إذ إن مشكلة تضارب المصالح أكبر ما يعرقل أداء الحكومة، وهو ما يفتح المجال لانتشار الفساد، لكن السؤال الآن: هل تستطيع الحكومة المصرية علاج هذه الأزمة الهيكلية قريبًا؟

2- خدمة الديون الخارجية.. الفقاعة التي لا تتوقف عن النمو

لم تكن الحوكمة فقط هي الخطر الوحيد الذي أشارات إليه «فيتش»، إذ تتوقع الوكالة الدولية وصول متوسط خدمة الديون الخارجية على مصر إلى نحو 10 مليارات دولار، أو 12% من الإيرادات الخارجية الجارية في 2019-2020، وهي أزمة كبيرة كذلك تضغط بقوة على موارد البلاد، خاصةً في ظل الارتفاع المستمر في الديون المصرية المحلية والخارجية، وسط ارتفاع سعر الفائدة الذي وصل إلى أكثر من 20% في بعض الأحيان، بعد تحرير سعر الصرف في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016.

وفي بداية فبراير (شباط) الماضي، أعلن البنك المركزي المصري أن حجم الدين الخارجي ارتفع إلى 93.131 مليار دولار بنهاية سبتمبر (أيلول) من 92.644 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران)، وذلك بزيادة نحو 15.2% على أساس سنوي، بينما وصل إجمالي الدين العام المحلي للبلاد إلى 3.887 تريليون جنيه بنهاية سبتمبر من 3.696 تريليون جنيه بنهاية يونيو، أي زيادة بنسبة 17.3%.

 وزير المالية المصري، محمد معيط

من جانبه قال وزير المالية منذ أيام: إن مصر ستسدد خلال العام المالي الجاري، نحو 541 مليار جنيه فوائد، و276 مليار جنيه أقساط ديون، وبمجموع 817 مليار جنيه فوائد وأقساط، وذلك في الوقت الذي تبلغ فيه إجمالي إيرادات الموازنة نحو 989 مليار جنيه، إذ أوضح الوزير أن البلاد تلجأ للاقتراض لتغطية نفقاتها، وفي ظل استمرار الاقتراض من البديهي ارتفاع أكبر بخدمة الدين، وهو الأمر الذي يفاقم من خطر فقاعة الديون التي تلتهم معظم إيرادات البلاد.

3- «فيتش» لا تستبعد القلاقل السياسية لهذه الأسباب!

لم يستبعد تقرير «فيتش» احتمال وجود مخاطر سياسية، إذ ذكرت الوكالة أن القلاقل السياسية لا تزال خطرًا قائمًا، موضحة أن المشاكل الهيكلية التي تشمل ارتفاع معدل البطالة بين الشباب، وأوجه القصور في الحوكمة، تعزز من تفاقم المخاطر السياسية، وهذه المخاطر تضغط بالطبع على تصنيف البلاد، وإمكانية تحسنه في المستقبل.

كيف تساهم مشاريع السيسي الاقتصادية في زيادة نسبة البطالة؟

ويشير آخر تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن معدل البطالة انخفض إلى 10% في الربع الثالث من العام الماضي من 11.9% في الفترة نفسها قبل سنة، و12.6% في الربع نفسه من 2016، وبالرغم من أن هذا الرقم يعد تحسنًا واضحًا في معدل البطالة بالبلاد، إلا أن «فيتش» لم تعتبره ضمن الإيجابيات، خاصة أن الوكالة ركزت على البطالة بين الشباب التي تعتبر أكبر أسباب القلاقل السياسية بحسب التقرير، ومن المهم أيضًا أن كثيرًا من الأرقام غير الرسمية تشير إلى أن معدل البطالة في مصر يقترب من 20%.

المصادر

تحميل المزيد