تعود فكرة قوات الشرطة المتخصصة بزيها الموحد وتسليحها الكامل إلى القرن التاسع عشر في بعض البلدان، مثل: المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، لكن المبدأ نفسه مع تطبيقات أكثر بدائية يعتبر أقدم من ذلك بكثير؛ إذ يعود إلى الحضارات الأولى مثل الحضارة المصرية القديمة.

الكثير من الحضارات القديمة مثل: الحضارة الرومانية، والحضارة الفرعونية، أظهرت في الآثار التي خلفتها ما يمكن اعتباره شكلًا من أشكال قوات إنفاذ القانون، والتي لم تكن حكرًا على البشر، لكنها في المجمل كانت مختلفة في الكثير من الجوانب عن القوات الشرطية بشكلها العصري.

هذه المحاولات لإنشاء قوات تطبيق القانون قد اختلفت من حضارة إلى أخرى، إلا أنها جميعًا قد تسببت في تطوير الشرطة المحترفة في الوقت الحالي. اقرأ هذا التقرير لمزيد من التفاصيل حول رحلة تطور قوات الشرطة من العصور القديمة إلى وقتنا الحالي.

الفراعنة دربوا قردة البابون

بحسب المعلومات والوثائق القليلة المتاحة، فإنه لم تكن هناك مؤسسة للشرطة في الحضارة الفرعونية، وإنما كانت هناك بعض المهام التي يختص بها مجموعات من الحراس مثل: حماية الأملاك، ومنع الجرائم، والقبض على المجرمين، وشن دوريات الحراسة لمراقبة أي مخالفة للقوانين. واستخلصت هذه الأفكار حول آلية عمل النظام الشرطي في الحضارة الفرعونية من بعض الرسومات والوثائق، التي جرى العثور عليها في المعابد والمقابر الأثرية. عُرفت القوات الشرطية في مصر القديمة باسم «مدجاي» (Medjay).


استخدام الفراعنة قردة البابون للقبض على اللصوص. المصدر: reddit

كانت المهام الشرطية التي ظهرت في المملكة الفرعونية القديمة هي رد فعل الاحتياج الأمني لسد بعض الثغرات الأمنية ذات التكلفة العالية، وقد أُسندت هذه المهام لبعض المواطنين، مثل حماية مقابر الملوك وأفراد الطبقة الحاكمة. بمرور الوقت، بدأت الشرطة في التحول لأشكال أكثر تنظيمًا، وكانت الأدوار الموكلة إليها في المجمل هي حماية الممتلكات، والقيام بدوريات لمنع الجرائم. كان القوام الأساسي لهذه القوات لفترات طويلة من المحاربين النوبيين، بينما المناصب القيادية كانت حكرًا على المصريين.

استخدمت قوات الشرطة في مصر القديمة أدوات متنوعة منها أدوات الحروب حال الدخول في صراعات مسلحة، بينما كانت أغرب الأدوات التي جرى تدوينها هي تدريب قردة البابون واستخدامها للقبض على اللصوص والخارجين على القانون.

اليونان القديمة.. العبيد يحفظون القانون والنظام

بدأت قوات الشرطة بالظهور في اليونان القديمة بداية من القرن الخامس قبل الميلاد؛ إذ ظهرت أدلة تاريخية تظهر اعتماد مدينة أثينا على مجموعة من العبيد المملوكين للقضاة لتكوين أول قوة للشرطة في تاريخ المدينة. انحصرت المهام التي أوكلت إلى هذه المجموعة في البداية على حماية التجمعات العامة، والحفاظ على النظام، والسيطرة على الحشود، والتعامل مع الخارجين على القانون، بينما لم يكن لهذه المجموعة أي من المهام الحديثة مثل: التحقيق في الجرائم، والتي نفذها المواطنون أنفسهم.

مع بداية سطوع شمس الحضارة الإغريقية لاحقًا، بدأت قوات الشرطة في التطور النوعي بدورها؛ وذلك من حيث المهام التي أصبحت تؤديها، وكذلك تكوينها وخضوعها لإدارات تنظيمية تشبه ما هي عليه اليوم. شهدت هذه المرحلة المتطورة للشرطة في أثينا اهتمام قوات الشرطة بحفظ النظام العام، وحماية الأخلاق، والنظافة العامة، ومراقبة الأسواق، والإشراف على عمليات البناء والتشييد، ومراقبة الأجانب، والوقاية من الحوادث في الأماكن العامة. أدت هذه المهام مجموعات منفصلة تتبع شرطة المدينة التي كان هدفها الرئيس حماية الدولة ورفاهية المواطنين، وكانت هذه الأجهزة والأقسام تحت إدارة المحكمة العليا في أثينا.

الصين.. المرأة قائدة الشرطة

اعتمدت الصين القديمة نظامًا خاصًا بها في ما يتعلق بالأنظمة الشرطية للدولة؛ إذ تولى حكام المدن لآلاف السنين مهام قوات الشرطة، وقد اختصوا بمهام تطبيق أحكام القانون، ومنع الجرائم ومقاومتها في أنحاء الدولة؛ إذ انتشروا وشكلوا نواة القوات الشرطية. عين القضاء هؤلاء الحكام للمدن المختلفة بحسب التوزيع الجغرافي لسطات كل قاضي، وكان تعيين القضاء لكل مدينة يأتي مباشرة من الإمبراطور الحاكم.

اعتمدت الصين القديمة نظامًا شرطيًّا متطورًا. المصدر: theepochtimes

للمساهمة في السيطرة على المدن، عين كل حاكم مجموعة من المساعدين الذين أخذوا على عاتقهم تنفيذ معظم المهام على الأرض، مثل المساهمة في تسوية النزاعات بين المواطنين، وإنفاذ القانون، والتحقيق في الجرائم، وهي المهام التي كانت متطورة إلى حد بعيد؛ إذ لم تعرفها قوات الشرطة في أوروبا إلا في العصور الحديثة. لم تتفرد الشرطة في الصين القديمة بهذه المهام النوعية المتقدمة فقط، بل إن تكوينها قد شهد مجموعة من الحاكمات من النساء، وكان ذلك انعكاس للسياسات العادلة والمنصفة للمرأة، والتي تبنتها الأسر الحاكمة في الصين القديمة.

فوضى العصور الوسطى.. «حِل مشكلتك بنفسك»

لم تكن الأنظمة القانونية والشرطية في القرون الوسطى على ما يرام، بل كانت تعاني من قصور شديد، وكأن المجتمعات الأوروبية قد اتخذت منحنى عكسيًّا في تطور الأنظمة الشرطية الذي شهدته حضارات كثيرة في العالم. كانت تنص الكثير من القوانين في القرون الوسطى على أن النزاعات والصراعات بين المواطنين هي أمر لا يخص الدولة، ويجب أن يحل المواطنون أنفسهم النزاع الذي وقع بينهم.

رغم وجود هذا القصور في العصور الوسطى في أوروبا، إلا أن هناك بعض التطورات المهمة التي حدثت تحديدًا في بريطانيا؛ إذ ظهرت في هذه الفترة مهنة جديدة تسمى «ضابط المقاطعة» (County Sheriffs). انحصرت مهام ضابط المقاطعة في الإشراف على تطبيق القوانين، وحفظ النظام العام، وكان الملك يعينه تعيينًا مباشرًا ليكون المسؤول الأول عن تطبيق القانون في المقاطعة.

استعان ضابط المقاطعة بمجموعات من المواطنين للقبض على المجرمين الذين هربوا من قبضة الأهالي في ذلك الوقت، وسميت هذه المجموعات باسم «posse comitatus» وكانت تتكون عادة من 15 رجلًا من رجال القرية أو المدينة، وكان ضابط المقاطعة يختار هذه المجموعة ليصبحوا بعد هذا الاختيار مجبرين على الانضمام إلى هذه المجموعة وطاعة ضابط المقاطعة بقوة القانون.

القرن التاسع عشر.. الشرطة بالمفهوم الحديث

شهد القرن الـتاسع عشر الظهور الأول للشرطة المتخصصة بمفهومها الحديث، والتي ظهرت بزي موحد خاص في فرنسا خلال عهد نابليون الأول. أنشأ نابليون إدارة الشرطة في باريس لأول مرة في شهر فبراير (شباط) عام 1800، وظهرت أقسامها في جميع المدن الفرنسية بقوات يبلغ تعدادها 5 آلاف فرد شرطة.

وجدت شرطة باريس في ذلك الوقت نفسها أمام تطور نوعي فرض عليها، هو الحفاظ على الأمن العام لدولة بونابرت، وهو التطور النوعي عن مهام الشرطة في القرون الوسطى التي كانت مهمتها مقاومة الجريمة، وحفظ القانون المحلي بشكل أساسي. دفع شرطة باريس لتبني هذا الهدف الجديد حادثة شهدها عام 1800، عندما انفجرت قنبلة قرب عربة بونابارت الأول بهدف اغتياله. منذ هذه اللحظة أصبح على القوات الشرطية أن تعد نفسها لمواجهة الخصوم السياسيين للملك، وأن تصبح هذه هي المهمة الأساسية للشرطة بدلًا من مطاردة اللصوص والعاهرات.

Embed from Getty Images

بالتزامن مع ظهور قوات الشرطة النظامية في باريس مع بداية القرن الـتاسع عشر، كانت لندن تعاني ويلات ارتفاع معدلات الجريمة المنظمة؛ وهو الأمر الذي دفع اثنين من القضاة ورجال المجتمع في لندن وقتها لإنشاء قوة شرطة خاصة مدفوعة الأجر من أجل حراسة الطرق والمجمعات السكنية، وهي الفكرة التي حولها البرلمان الإنجليزي لاحقًا إلى قانون جرى بموجبه إنشاء مجموعة من المكاتب على النمط نفسه.

محاولات مدنية تسبق حكومة لندن

ظهرت هذه المحاولات في لندن أواخر القرن الـثامن عشر، ولم تحظَ بأي دعم شعبي أو حكومي وقتها؛ إذ لم تكن فكرة القوات المتخصصة مدفوعة الأجر مستساغة في ذلك الوقت. بدأت الأمور في التغير مع ظهور دعوات متعددة للكثير من القادة السياسيين والكتّاب لتطوير نظام الشرطة في لندن؛ لمواكبة الزيادة الكبيرة في معدلات الجريمة. أسفرت هذه النداءات عن ظهور أول قوة شرطة في لندن مدفوعة الأجر لحماية ميناء نهر التايمز، وسميت وقتها بـ«شرطة نهر التايمز»، وتكفل التجار بدفع رواتب أعضاء هذه القوة الذين بلغ عددهم 80 رجلًا، وألف رجل يعملون بشكل جزئي (تحت الطلب).

Embed from Getty Images

جنازة شرطي إنجليزي عام 1894.

كان على سكان لندن الانتظار حتى عام 1829 للحصول على الأمان الذي نجحت في توفيره قوات الشرطة في أماكن أخرى من القارة الأوروبية مثل باريس ودبلن؛ إذ ظهرت في هذا العام أول قوة شرطة متخصصة في المملكة المتحدة، وسميت «إدارة شرطة العاصمة لندن»، والتي ظهرت بموجب القانون الذي ظهر في العام نفسه، وسمي «قانون شرطة العاصمة». في هذه الفترة نفسها بدأت فكرة القوات الشرطية المتخصصة في الظهور بمناطق مختلفة من أوروبا والولايات المتحدة التي استلهمت النظام الشرطي البريطاني بداية القرن الـتاسع عشر أيضًا.

الولايات المتحدة تأخذ دورها في الريادة

ظهرت القوة الشرطية المتخصصة مدفوعة الأجر لأول مرة في الولايات المتحدة عام 1838 في مدينة بوسطن، ثم تلتها مدينة نيويورك بإنشاء شرطتها الخاصة عام 1854، ثم بدأت الفكرة بالانتشار في بقية الولايات الأمريكية. سريعًا في عام 1865 بدأت شرطة الولايات المتحدة في التطور النوعي لمواكبة تحديات العالم الجديد، إذ أنشأت الحكومة الأمريكية شرطة الخدمات السرية للولايات المتحدة الأمريكية، والتي كان هدفها الرئيس هو مقاومة التزوير والاحتيال.

قوات شرطة نيويورك عام 1854

لاحقًا في عام 1908، ظهر مكتب التحقيقات الأمريكي، والذي تطور لاحقًا ليصبح مكتب التحقيقات الفيدرالية بمفهومه ومهامه الحالية، والذي كان هدفه منذ البداية هو التحقيق في تهم الفساد في الحكومة الأمريكية والكونجرس الأمريكي؛ وهو الأمر الذي جعل عملية إنشائه شديدة الصعوبة؛ إذ عارض فكرة إنشائه العديد من رجال الكونجرس الأمريكي في ذلك الوقت.

أحداث 11 سبتمبر .. تحول تاريخي لمفهوم الشرطة

دفع هذا التطور السريع في مهام الشرطة وتكوينها في الولايات المتحدة، عقب الحرب العالمية الثانية، الكثير من دول العالم لتبني هذه الأفكار الجديدة، في ظل التقدم الكبير في وسائل الإعلام والاتصال التي جعلت انتقال هذه التطورات من دولة إلى أخرى أسرع كثيرًا من ذي قبل. كان هذا النمط السريع من التطور في مفهوم الشرطة حول العالم على موعد مع انطلاقة نوعية جديدة في المهام والتسلح مع أحداث 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، في الولايات المتحدة الأمريكية.

Embed from Getty Images

كانت أحداث برجي التجارة العالمية إنذارًا مخيفًا لما يمكن أن تحدثه هجمات المسلحين في ظل امتلاك التكنولوجيا الكافية لقتل الآلاف في ثوان معدودة. هذا الحدث الأخطر في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى حربي أفغانستان والعراق، دفع قوات الشرطة في الولايات المتحدة لتصبح أكثر تشابهًا مع القوات العسكرية، من حيث التسلح، من ذي قبل.

انتشرت هذه الهجمات في نواحي أوروبا، وأصبحت الهجمات المسلحة ضد المدنيين هي الهاجس الأول لقوات الشرطة في العالم، فكان عليها أن تتطور تطورًا نوعيًّا يمكنها من مكافحة هذا النوع من الجريمة الذي لم يكن منتشرًا في العصور السابقة. تحولت الشرطة الآن إلى الزي الرسمي القريب من الزي الموحد للجيوش، بالكثير من البنادق والرشاشات الآلية المخصصة للهجوم، والقدرات القتالية التي لا تتقاطع أبدًا مع بداية تكوينها في لندن أوائل القرن الـتاسع عشر.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!