قررت «هيئة المحلفين العليا» في ولاية «ميسوري» الأمريكية عدم محاكمة ضابط الشرطة القاتل «دارين ويلسون» بعد تظاهرات وغضب استمر لمدة أكثر من ثلاثة أشهر لمقتل الشاب الأسود الأعزل «مايكل براون» في قرية «فيرجسون».

لكن قرار الهيئة لم يكُن مفاجئًا؛ فلعدة أسباب، يكون من الصعب ملاحقة ضباط الشرطة المتهمين بالقتل أو بأي تصرف غير قانوني. لم يكُن أحدٌ يتوقع أن يرى شخصًا مثل «ويلسون» متهمًا في قاعة محكمة.

في هذا الحوار، التقت «أماندا تاوب» من موقع Vox الأمريكي بالمحامي «دافيد رادوفسكي» المتخصص في عمل الشرطة، وكيفية تقديم أفرادها إلى المحاكمة، وكذلك في الأسباب التي تجعل من النادر للغاية محاكمة ضباط الشرطة حين يقتلون مدنيين.

اقرأ أيضًا: ماذا لو كانت أحداث «فيرجسون» الأمريكية في بلدٍ آخر؟

أماندا: يُمكننا التكهن بأن إجراءات التحقيق في الجرائم التي يُتهم فيها ضباط الشرطة تكون مختلفة عن تلك الخاصة بالمدنيين؛ فهل هذا صحيح؟

دافيد: إنه صحيحٌ تمامًا. إن حالات الملاحقة الجنائية لضباط الشرطة نادرة جدًا، جدًا. يكون الأمر صعبًا للأسباب التي سأشرحها الآن.

إذا كنت – أنا شخصيًا – في موقف كالذي حدث في «فيرجسون»، إذا كنت في سيارتي، واستخدمت سلاحي في قتل إنسان، فسيتم توقيفي بسرعة شديدة. قد يكون لدي عذرٌ للدفاع عن النفس، لكن هذا لن يُطرح إلا أمام المحكمة. إن السبب في هذا قد يكون معقولاً؛ فنحن نعطي ضباط الشرطة الحق في استخدام القوة، وكذلك الأسلحة. ستحدث مواقف يكون مسموحًا فيها لرجال الشرطة استخدام أسلحتهم؛ ولا يكون للمدنيين الحق نفسه.

لكن من الوضح أمامنا أن ثمَّة أسباب مؤسسية تجعل من ملاحقة ضباط الشرطة أمرًا نادر الحدوث. يُعطى للتحقيقات في هذه الحالات اهتمامًا أكبر، أو على الأقل وقتًا أطول؛ لأن التحقيق غالبًا ما يكون وسيلةً للتستر على الضباط. وحتى إذا افترضنا حسن النية في التحقيقات، فستأخذ وقتًا أطول على أيَّة حال.

أماندا: دعنا نتحدث عن هذه الأسباب المؤسسية، بدايةً من الضباط الذين يحققون في الحادثة.

دافيد: في معظم الحالات، يحدث تضارب المصالح للمرة الأولى لأن الشرطة هي من تحقق في الجرائم التي ارتكبها ضباط الشرطة أنفسهم. إن «فيرجسون» حالة مختلفة قليلاً لأن هناك «هيئة محلفين عليا». لكن في حالات كثيرة، تكون الشرطة هي المسؤولة عن التحقيق في حوادث بعينها؛ وتحدد هذه التحقيقات من يقول الحقيقة، ومن استخدم العنف أولاً، وما إلى ذلك من الأمور المهمة.

وإذا لم يكن لدينا شريط فيديو يوضح ما حدث؛ فأمامنا روايتان متضاربتان: رواية الشرطي مقابل رواية الشخص الذي قد يكون الشرطة قد اعتدى عليه. وإذا قُتل هذا الشخص في الحادثة، يكون أمامنا فقط رواية الشرطي، بالإضافة إلى تشريح الجثة، وشهادة الشهود.

كما يلعب لون الإنسان دورًا في هذا الأمر. يميل الناس إلى تجاهل هذه الحقيقة، لكن في الواقع كثيرًا ما يكون الأمر هكذا: شرطي أبيض وضحية ذو بشرة سوداء.

أماندا: هل يمكن أن تعطينا مثالاً للحالات التي يتم فيها التحقيق والتوقيف بشكل سريع؟

دافيد: عادةً ما يحدث هذا في حالات الفساد، حين تكون الجريمة واضحة تمامًا، كأن يُقبض على شخص متلبسًا بالحصول على رشوة، أو ما شابه ذلك.

لا أزعم أن ضباط الشرطة يتمتعون بحصانة كاملة، فقط لأنهم ضباط. لكن من المُلاحظ أن التعامل مع قضايا الفساد يكون مختلفًا عن التعامل مع قضايا الاعتداء البدني.

أماندا: هل ترى أن هناك شعورًا عامًا بأنه إذا لم يكن من حق ضباط الشرطة استخدام القوة فسيعرض ذلك المواطنين إلى الخطر؟

دافيد: إنه أمرٌ أساسي. إنه يفكرون بالطريقة التالية: إذا حاكمت ضباط الشرطة في قضية مثل هذه، فسيُفكر الضابط كثيرًا قبل أن يُطلق النار في المرة القادمة؛ وسيُقتل.

يقولون إنك إذا لم تسمح له باستخدام القوة فسيتهدد أمنك الشخصي؛ وسيؤدي ذلك إلى تزايد معدلات الجريمة، وتزايد المجرمين. أنا لا أؤيد هذا الاتجاه، لكن هذا هو ما تسمعه من ضباط الشرطة أنفسهم، ومن الناس أيضًا.

أماندا: دعنا ننتقل إلى الحديث عن النيابة. هل يوجد أي توتر أو صراع ينشأ بين الشرطة وجهة الادعاء حين يُتهم ضابط في قضية؟

دافيد: بالتأكيد. بصرف النظر عن شخص الضابط؛ فالشرطة والنيابة يعملان معًا بشكل يومي. يكون الأمر بالنسبة إلى النيابة كأن توجه الاتهام إلى أحد أفراد عائلتك، أو إلى عضو نيابة زميل. لا أزعم أنهم لا يتخذون القرار الصحيح أحيانًا، لكن هناك تضارب مصالح واضح.

أماندا: نتحدث الآن عن هيئة المحكمة. لقد ذكرت سابقًا أن هيئة المُحلفين عادةً ما تمتنع عن إدانة ضباط الشرطة. لماذا؟

دافيد: يميل الناس عادةً إلى تصديق رواية ضابط الشرطة أكثر من رواية المدني. حين يكون المتهم ضابط شرطة، فيجب على الادعاء أن يقدم لهيئة المحكمة دلائل دامغة أن الضابط قد تعدى حدوده.

أماندا: هل تعتقد أنه يمكننا أن نفعل شيئًا حيال هذا الأمر؟ أيَّة حلول مقترحة؟

دافيد: إن الأمر متعلق بالإرادة السياسية. ستكون هناك دائمًا صعوبات، لكن الإرادة السياسية هي ما يجعلنا نأخذ جرائم الشرطة بجدية تماثل الجدية التي نتعامل بها مع الجرائم الأخرى.

أماندا: وكيف تتحقق هذه الإرادة السياسية؟

دافيد: يجب أن يفرض الشعب هذا الأمر على السلطة. إذا لم نطالب بهذا، فلن نحصل عليه أبدًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد