يقع جهاز الشرطة دائمًا في القلب من أي نظام استبدادي، يفرض سطوته على المواطنين، ويخلق حالةً من القمع والخوف العام. مرَّت العديد من الدول التي خرجت من أنظمة شمولية بتجارب مختلفة لتحويل دور الشرطة من خدمة النخبة السياسية، وحماية أمن النظام، إلى خدمة المجتمع وتطبيق القانون. نعرض هنا ثلاث تجارب؛ كان لكل منها ظروف وسياسات مختلفة، ونتائج مختلفة كذلك.

جورجيا: سياسة «البتر» تُجدي أحيانًا

في عام 2003، شهدت جورجيا ثورة سلمية على الرئيس إدوارد شيفرنادزه؛ فأجبرته على الاستقالة مظاهرات ضخمة بالنظر إلى عدد السكان الذي يبلغ 6.5 مليون نسمة، وتولَّى قائد المعارضة ميخائيل ساكاشڤيلى آنذاك رئاسة البلاد بعد فوزه بالانتخابات بنسبة تجاوزت 96% من الأصوات.

قامت «ثورة الزهور» في جورجيا وفيها جهاز شُرطة فاسد، يقوم على الرشاوي، وعلى اشتراك قادة الشرطة وأفرادها أنفسهم في أعمال غير قانونية مثل الابتزاز وتهريب المخدرات، نظير حماية الشرطة لنظامٍ وصلت نسبة تأييده بين المواطنين قبل سقوطه إلى 5% فقط.

بدأ ساكاشڤيلى، ذو الـ 36 عامًا آنذاك، وأعضاء حكومته الأصغر سنًّا، في تنفيذ برنامج انتخابي يقوم على مبدأ واحد هو «القضاء على الفساد»، وكان ذلك يتطلَّب مواجهة معقل الفساد الأول: جهاز الشرطة.

في يومٍ واحد امتلأت سجون جورجيا بأفراد شرطة المرور؛ فقد قررت «إيكاترينا» نائبة وزير الشؤون الداخلية ذات الـ 27 عامًا، فصل كامل لجهاز شرطة المرور من الخدمة، وإيداع المرتشين منهم في السجون. في يومٍ واحد، ارتفع عدد نزلاء السجون من 500 إلى 3500 شخص.

ظلَّت شوارع جورجيا بلا شرطي مرور واحد لمدة ثلاثة أشهر كاملة، كانت الحكومة خلالها تُعد أفرادًا مدنيين ليحلوا محل شرطة المرور؛ بأداء احترافي، وزي جديد، وسيارات جديدة، ورغبة في خدمة المجتمع. اعتمدت سياسة الحكومة الجورجية الجديدة في تعاملها مع جهاز الشرطة الذي كان مبنيًّا على طريقة جهاز المخابرات السوفيتي (KGB) على «البتر».

أعادت الحكومة بناء جهاز شرطة في عامين، دون وجود فرد واحد من الشُرطيين السابقين، في قرارات متتابعة وسريعة لم تُمكِّن الفاسدين منهم بتعاونهم مع شبكات المُهربين والمجرمين من تنظيم صفوفهم لمواجهة القرارات التي كانت تحظى بتأييد شعبي كبير، وانخفض عدد أفراد الشرطة من واحد لكل 78 مواطنًا إلى واحد لكل 214 مواطنًا.

اقرأ المزيد عن تجربة جورجيا من هنا.

التشيك: التخلص من ميراث الاستبداد الثقيل

بعد 40 عامًا من حكم النظام الشيوعي الاستبدادي للتشيك (تشيكوسلوفاكيا آنذاك)، أسقطت «الثورة المخملية» النظام البوليسي في عام 1989، وبدأت رحلة التحول الديمقراطي على يد الرئيس المنتخب لفترة مؤقتة فاتسلاف هافيل.

كان جهاز الشرطة في العهد الشيوعي يعتمد على تركيبة منفصلة عن الشعب؛ تقوم فيها الشرطة السرية ووزارة الداخلية بمراقبة المواطنين، وملاحقة المعارضين، وتقييد الحريات العامة بهدف «حماية النظام الشيوعي»، بصلاحيات مُطلقة في تتبع المواطنين والقبض عليهم باعتبارهم خطرًا على الأمن القومي.

تفكيك العقلية الحاكمة لجهاز الشرطة تم في التشيك بطريقة أكثر تدرجًا من جورجيا في التعامل مع أفراد الشرطة، لكن الحكومة كانت أكثر حسمًا في إعادة هيكلة نظام الشرطة؛ فأعلنت الحرب على الشُرطة السرية (وإدارات داخلية أخرى) بإجبار أفرادها على تسليم شاراتهم وأسلحتهم، وأُجبر كل موظفي وزارة الداخلية على القسم بأنهم لم يشتركوا في ملاحقة أي من المواطنين خلال فترة خدمتهم؛ مما أدى إلى فصل واستقالة الآلاف من أفراد الشرطة في فترة قصيرة.

الجانب الآخر من خطة الإصلاح كان تقليص دور وزارة الداخلية وقوتها بتحويل الأعمال غير الشُرطية التي كانت مسؤولة عنها إلى وزارات أخرى، وتشكيل لجان من المواطنين وضباط الشرطة السابقين الذين أجبرهم النظام الشيوعي على الاستقالة لمراجعة ملفات الوزارة، وتحديد مدى أهلية أفراد الشرطة الحاليين للاستمرار في عملهم.

تبديل العقلية الحاكمة للشرطة، وسيكولوجية أفرادها وطريقة إدراك المواطنين لدورها توِّج بإقرار الدستور الجمهوري الجديد، وبتعيين جان كوزلك، أحد نشطاء حقوق الإنسان، مديرًا لجهاز الشرطة الفيدرالي في عام 1992.

اقرأ المزيد عن التجربة التشيكية من هنا.

إندونيسيا: حين يقوم الفاسدون على أمر الإصلاح

تجربة مختلفة من آسيا في دولة ذات كثافة سكانية مرتفعة تتجاوز 200 مليون نسمة، كانت مشكلات جهاز الشرطة فيها عميقة ومتشعبة تحت نظام عسكري قمعي: تعزيز الطائفية والصراع المجتمعي، ودمج الشرطة مع القوات المسلحة في مهامٍ وقيادة واحدة، وقمع واختطاف المحتجين والمطالبين بالديمقراطية، واستغلال النفوذ، وانتهاكات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى الدخول في صراعات مباشرة مع أقاليم تتمتع بحكم ذاتي نسبي، أو احتلال مباشر مثل تيمور الشرقية.

بدأ نظام الجنرال سوهارتو، الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري، في التصدع خلال ثمانينات القرن الماضي؛ فظهرت بوادر انقسام قيادات الجيش، مع أزمة اقتصادية طاحنة، ونمو الأصوات المعارضة المطالبة بالديمقراطية، وعجز النظام عن حفظ الأمن وتفكك التحالف الحاكم؛ مما أدى إلى استقالة سوهارتو في مايو 1998.

طريق الإصلاح لم يكن سهلاً في إندونيسيا، وكان يجب أن يبدأ من القوات المسلحة التي كانت تسيطر على جميع مفاصل الدولة. بدأت الحكومة الجديدة في تطبيق برنامج إصلاحي أسمته «الاتجاه الجديد»؛ يتكون البرنامج من عدة مبادئ كان من أبرزها فصل الشرطة عن الجيش.

لم يسِر برنامج إصلاح الشرطة في إندونيسيا كما أملت الحكومة؛ فقد اعتمدت على إصلاحات فوقية بإصدار دستور جديد وقانون للشرطة يحددان دورها في حماية أمن المجتمع، لكن القواعد الدستورية والتشريعية الجديدة لم تُترجم سريعًا لتغيير حقيقي على أرض الواقع.

مع غياب أية إصلاحات داخلية واضحة، أو آليات للمحاسبة وضمان الشفافية، لم تحقق خطة بناء جهاز شرطة مهني يحترم القانون وحقوق الإنسان نتائج ملموسة؛ فقد أوكلت مهمة إعداد خطة الإصلاح إلى قادة الشرطة أنفسهم؛ فأصدروا كتابًا وورقة عمل يحددان التحديات والصعوبات، والتطلعات إلى المستقبل، دون خطة واضحة، أو خطوات محددة ومعايير للتقييم، كما أوكل إليهم إعداد مسودة قانون الشرطة وعرضه على البرلمان.

خصصت الحكومة أموالاً كافية لدعم خطة الإصلاح، لكن مجالات إنفاقها وميزانيتها لم تكن تخضع إلى المراقبة، وحافظت الشرطة على صورتها عند الشعب باعتبارها المؤسسة الأكثر فسادًا في الدولة. في 6 أشهر فقط بين يناير ويونيو عام 2000، قتلت الشرطة 112 مواطنًا، وسُجلت 149 حالة انتهاك لحقوق الإنسان، واستمر التعذيب ممارسةً ممنهجة لأفراد الشرطة.

اقرأ المزيد عن التجربة الإندونيسية من هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد