عقب ثورة 25 يناير 2011، شغلت قضية “البلطجية” الرأي العام، بخاصة بعد أدوارهم الفارقة في مسار أيام اعتصام التحرير الـ18، وعلى رأسها، يوم موقعة الجمل، التي اعتدى فيها “بلطجية” على المعتصمين في الميدان، ما تسبب في مقتل 11 من المتظاهرين المعتصمين، وإصابة عشرات آخرين. وكان هجوم البلطجية متزامنًا، مع إطلاق قناصة للرصاص الحيّ على المعتصمين، بحسب روايات شهود.

وتناولت الصحافة، ووسائل الإعلام المصرية، ما يمكن تسميته بظاهرة البلطجة والبلطجية، عقب أحداث الثورة، وعلى مدار السنوات اللاحقة؛ من جهات مختلفة، أغلبها تقاطعت في نقطة اتفاق، تفيد باستخدام الشرطة المصرية للبلطجية. كان ذلك عقب إسقاط الرئيس المخلوع حسني مبارك، وإلقاء القبض على وزير داخليته حبيب العادلي.

1- ماهي البلطجة ومن هو البلطجي؟

البلطجة، كسلوك إجرامي، تتعلق بإرهاب الآخرين وإثارة رعبهم، أو الاعتداء عليهم، وقد تستخدم أيضًا للتعبير عن الابتزاز. ويعود لفظ البلطجة إلى اللغة التركية، إذ يتكوّن من مقطعين: “بلطة” و”جي”؛ وتعني “حامل البلطة” (أداة حادة، شبيهة بالفأس)، وتلك كانت مهنة في البلاط السلطاني العثماني، إذ كان البلطجي، أو حامل البلطة، مسؤولًا عن إخلاء طريق السلطان – في غزاوته- من الأشجار التي قد تعيقه. كان ذلك قبل أن تتطور دلالة الكلمة في مصر، لتشير إلى الأشخاص الذين يمارسون أنشطة إجرامية متعلقة بإرهاب الآخرين، أو ابتزازهم، أو الاعتداء عليهم والتنكيل بهم، وبالجملة، يمكن القول، إنها تشير إلى كل من يفرض بالعنف، المعنوي أو الجسدي، سيطرته على الآخر.

البلطة، كانت تستخدم في قطع الأشجار، أو كسلاح في المعارك

يمكن تعريف البلطجة، بأنها استخدام العنف أو الإكراه بصورة غير مشروعة، من جانب أطراف غير رسمية، من أجل فرض إرادتهم على الآخرين… لتحقيق أغراض خاصة بالبلطجي، أو لآخرين مقابل عائد مادي.

الباحث أحمد محمد أبو زيد (مدير الأبحاث بالمؤسسة الدولية للثقافة الدبلوماسية في دبي)

وأخيرًا، وبعد ثورة 25 يناير، تركز استخدام المصطلح، أكثر من ذي قبل، للإشارة إلى مجموعات، غالبًا ما يكون لها دور في الاشتباكات ذات الطابع السياسي، كطرف فاعل، أو مجهول متّهم.

2- كم عدد البلطجية في مصر؟

تختلف الإحصاءات لأعداد البلطجية في مصر، لكن أغلبها يتحدث عن رقم يتراوح ما بين 300 ألف و500 ألف، ما عدا وزارة الداخلية، التي تقول إن في مصر نحو 193 ألف بلطجي. في كل الأحوال، ورغم الفارق المهول بين الإحصاءات المختلفة من جهة، وإحصاءات وزارة الداخلية من جهة أخرى، إلا أن نقطة التقاطع، تكمن في أنه في مصر عدد ضخم من الذين يمتهنون الأنشطة الإجرامية.

في تقرير صادر عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، رصد أكثر من نصف مليون بلطجي، متوزعين على أنحاء الجمهورية، فيما تتركز النسبة الأكبر من أعدادهم في العاصمة القاهرة. المركز نفسه، هو الذي رصد – سابقًا- نحو 193 ألف بلطجي، وهو الرقم الذي تُروّج له وزارة الداخلية، لكن ما هو جدير بالذكر، أن تلك الإحصائية التي أعلن عنها المركز، تعود لعام 2002، أي قبل نحو 13 عامًا!

وكان أبو العلا ماضي، رئيس حزب الوسط، والمعتقل الآن في السجون المصرية، صرّح في مؤتمر لحزبه، في مارس 2013، بأن الرئيس محمد مرسي، قال له، إن المخابرات العامة، شكّلت منذ سنوات، تنظيمًا مكونًا من 300 ألف بلطجي، بينهم 80 ألفًا في القاهرة. وبحسب “ماضي”، فإن المخابرات سلّمت التنظيم إلى المباحث الجنائية، التي بدورها سلمته إلى جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حاليًا)، موضحًا أن أمن الدولة، هو من كان يدير التنظيم خلال آخر سبع سنوات قبل ثورة 25 يناير.



هذا، وغير ذلك من الإحصاءات، التي لم يتسنّ لنا التأكد من مدى صحتها، وتطابقها مع الواقع، فعلى سبيل المثال، كان المستشار محمد عبد العزيز الجندي، وزير العدل الأسبق، أفاد في 2011، بأن عدد البلطجية في مصر يبلغ نحو 500 ألف، وذلك في 2011، وهو نفس العام الذي تشير إحصائية أخرى، إلى وجود نحو 200 ألف بلطجي. وفي سبتمبر الماضي (2014)، قالت حملة تدعى “مين بيحب مصر”، إنها رصدت نحو 500 ألف بلطجي على مستوى الجمهورية، منهم 28% في العاصمة القاهرة.

3- ما طبيعة العلاقة بين البلطجية والنظام في مصر؟

لدى المصريين نوع آخر من البلطجة، فالمصريون يربطونها بالنظام. – فرانس24

فضلًا عن تصريحات أبوالعلا ماضي، المتقدم ذكرها، ثمّة الكثير من الإشارات إلى علاقة تربط بين نظام ما قبل ثورة 25 يناير والبلطجية، بل إن بعضها يتحدث عن دور النظام في تكوين شبكات مترابطة من البلطجية، واستخدامها، فيما أن الضالع من أجهزة النظام في ذلك، هي الداخلية.

اقرأ أيضًا: كيف بدأ القمع؟ قراءة في تاريخ الشرطة المصرية

تقارير عديدة، وكذا تصريحات، لفتت إلى اعتماد الأجهزة الأمنية على شبكات البلطجية، لأداء عدة مهام، كالاشتباك مع خصوم سياسيين، أو الإرشاد عليهم. بعضها أيضًا قال إن البداية كانت في استخدامهم، لوجودهم داخل أوكار ومواطن الإجرام المختلفة، المتعلقة بالسلاح أو المخدرات، أو حتى البلطجة، ما سهّل على الأجهزة الأمنية، وبخاصة جهاز أمن الدولة، التابع لوزارة الداخلية، بسط نفوذه وسط تلك التجمّعات. بعض التقارير الاستقصائية، تشير أيضًا إلى مساهمة أفراد من الشرطة، تحت عين القيادات، في أنشطة مخالفة للقانون، من ذلك على سبيل المثال إسهام أمناء الشرطة، في مواقف سيارات الأجرة غير الشرعية.

في معظم الأوقات، يجلس أمناء الشرطة مع البلطجية، أثناء قيامهم بالعمل اليومي في أخذ الإتاوة، ويقومون أحيانًا بمساعدة البلطجية للسيطرة على المواقف: الصحفية إسراء الشرباصي (2011)

الموقع الإلكتروني لجريدة أخبار اليوم، وقبل أن يحذفه لأسباب غامضة، نشر في 15 سبتمبر 2011، تقريرًا بعنوان “النظام السابق ألغى قانون البلطجة لحماية أتباعه”. محرك البحث الإخباري “مصرس” لا يزال يحتفظ بنسخة من تقرير أخبار اليوم، الذي أبرز رعاية جهاز أمن الدولة، لعشرات الآلاف من البلطجية.

يقدّر خبراء اجتماعيون عدد البلطجية الذين كان يرعاهم أمن الدولة، بخمسين ألفًا.. كما قدّر البعض الإنفاق عليهم بملايين الجنيهات يوميًّا. وبلغ الإنفاق اليومي في إمبابة وحدها 250 ألف جنيه. هناك دراسة أخرى، أحصت عدد البلطجية، بـ150 ألفًا، ازدادوا إلى نحو 200 ألف بعد أن أعدّ الحزب الوطني (المنحل) خطّة توريث لجمال مبارك، فأضاف 45 ألف بلطجي في قائمته، بترتيبات مع الأمن، وتولي بعض القيادات ورجال الأعمال الكبار، رعايتهم ماديًّا. – أخبار اليوم

من جانبها، أرجعت دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، تحوّل البلطجة من نشاط فردي إلى ظاهرة، إلى جهاز مباحث أمن الدولة، في عهد وزير الداخلية حبيب العادلي، وتحديدًا في عام 2005، العام الذي شهد أول انتخابات رئاسية في مصر، إذ كان قبلها يُجدد للرئيس عبر استفتاءات شعبية. كما تُبيّن الدراسة، أن أمن الدولة، عمد وقتها، إلى تكوين ميليشيات من البلطجية. كانت نواة تنظيمه مكونة من نحو 60 ألف بلطجي، يعملون لصالح الوزارة، ويدير أمن الدولة تحركاتهم، وفي المقابل، تتغاضى الوزارة عن تجاوزاتهم، التي أفضت إلى تكوين بعضهم لثروات مليونية!

وزير الداخلية الأسبق، ما زال مستمرًا، بعدما نجح في تجنيد أكثر من 60 ألف بلطجي لإتمام المهام السياسية القذرة، لتمكين الحزب الوطني، وحكومته من عُنُق الشعب. – جريدة الوفد (2012)

حبيب العادلي أسس لتنظيم البلطجية

العديد من التقارير الصحفية، والدراسات، بما فيها دراسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، تؤكد أن لدى الأجهزة الأمنية، البيانات الكاملة للبلطجية، المسجلين منهم وغير المسجلين، إذًا، لماذا تبقي عليهم خارج السجون؟

الغوغاء صناعة الداخلية، لاستخدامهم في الانتخابات والمظاهرات.

 إبراهيم عيسى، من كتاب تاريخ المستقبل.

4- ما هي دلائل استخدام الداخلية للبلطجية؟

التحول الكبير الذي طرأ على السياسة الأمنية، خلال العقدين الأخيرين، والتركيز على الأمن السياسي بدرجة كبيرة، أفرز ظاهرة خطيرة في العلاقة بين الجهات الأمنية والمسجلين خطر، الذين أصبحوا الذراع الأمنية الطولى، بتأديب وتهذيب وترويع السياسيين والصحفيين والنقابيين والمهتمين بالشأن العام عمومًا. – روزاليوسف (2011)

من أطرف ما يُستدل به، في العلاقات بين الداخلية والبلطجية، تصريح وزير الداخلية السابق، محمد إبراهيم، في لقاء تلفزيوني مع الإعلامي خيري رمضان، إذ قال “إبراهيم”، إن بلطجي الإسكندرية الأشهر، صبري نخنوخ، بعث إليه، يطالبه بإرسال محمد البلتاجي له: نخنوخ مثلًا في برج العرب، باعتلي أحد الرسائل، عايزني أبعتله البلتاجي”!



أيضًا، من أشهر وقائع، استعانة الأجهزة الأمنية بالبلطجية، موقعة الجمل الشهيرة، إذ هاجم عشرات ممن وصفوا بالبلطجية، معتصمي ميدان التحرير، إبان ثورة 25 يناير 2011.



وإجمالًا، فإن الأدلة في هذا الصدد لا حصر لها؛ كثير من المقاطع المصورة، والتصريحات، والشهادات، تؤكد تورط الداخلية في استخدام البلطجية للاعتداء على معارضين سياسيين، من ذلك:

  • خلال أحداث محمد محمود، وتحديدًا في 20 نوفمبر 2011، نشر الحساب الرسمي لجريدة المصري اليوم على جوجل بلس، خبرًا يفيد، استعانة وزارة الداخلية بمجموعات من البلطجية في هجومها على المتظاهرين.

  • منصور أبو جبل، أمين شرطة، والمنسق العام لاتحاد أفراد الشرطة بالشرقية، كشف في مداخلة تلفزيونية، عن استمرار استعانة جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقًا) بالبلطجية المسلحين لمواجهة المتظاهرين. تصريحات أمين الشرطة كانت خلال شهر أُغسطس 2013، الذي شهد اعتداءات بالجملة من قبل قوات الأمن ضد المتظاهرين المعارضين لانقلاب الثالث من يوليو.


  • من النماذج الشهيرة، اعتداء مجموعات من البلطجية، بقيادة بلطجي مدينة المنصورة الشهير “السيد العيسوي” على تظاهرة لمناصري الرئيس محمد مرسي بمدينة المنصورة، فيما عرف بأحداث الجمعية الشرعية، والتي لقى فيها 3 من المتظاهرين حتفهم على أيدي مجموعات البلطجية. كان ذلك قبل 30 يونيو 2013، خلال الاشتباكات العديدة التي شهدتها المحافظات.
  • في الثلث الأخير من شهر يونيو 2014، استعانت الداخلية بمجموعات من البلطجية، لفض تظاهرة نظمتها قوى ثورية بمنطقة وسط البلد في القاهرة.


 

  • هناك العديد من الأحداث، التي شهدت اعتداءات بلطجية على طلبة بجامعات مصرية، على مرأى ومسمع من الداخلية، أو بتوجيههم. ففي النصف الثاني من ديسمبر 2013، اقتحمت قوات الأمن ومعها مجموعات من البلطجية حرم جامعة أسيوط، لفض تظاهرة طلابية.


وفي نوفمبر 2013، اقتحمت مجموعات من البلطجية جامعة المنصورة، واشتبكت مع الطلبة، تحت مرأى ومسمع من قوات الداخلية، التي كانت متواجدة أمام بوابات الجامعة!


وفي أبريل 2014، استخدمت قوات الأمن، مجموعات بلطجية، لمهاجمة تظاهرة لطلاب القصر العيني.


المصادر

تحميل المزيد