تحدد هوية الرئيس الأمريكي المُقبل الخط العام لسياسة واشنطن الخارجية والداخلية تجاه قضايا كُبرى، وللرئيس الذي يدخل البيت الأبيض، وهويته الحزبية وقناعاته الشخصية، أثرٌ في مستقبل ملايين الناس حول العالم.

والسجناء السياسيون العرب هم من بين هؤلاء الملايين ممن يترقبون هوية الرئيس الأمريكي المُقبل، أملًا في ضغط سياسي للرئيس الجديد لتحسين أوضاع أولادها، وإعادة ملف حقوق الإنسان في الدول العربية للطاولة وعلى قائمة الأولويات، بعدما شطب عن أجندة الحكام العرب خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى ما إذا كانت أوضاع حقوق الإنسان في دول العالم العربي ستتأثر إيجابًا بقدوم المرشح الديمقراطي جو بايدن للرئاسة. وهل طرْح الديمقراطيين لقضية حقوق الإنسان في مؤتمراتهم الانتخابية مسألة دعائية سرعان ما ستنتهي بعد اكتشاف أولويات أخرى في العلاقات مع الدول العربية سواء كانت خليجية أو دول الشرق الأوسط؟

هل كان أوباما الديمقراطي مختلفًا عن بوش الجمهوري في ملف حقوق الإنسان؟

يُعد التباين في طرح ملف قضايا الحقوق المدنية في برنامج المرشح الديمقراطي عن نظيره الجمهوري في الانتخابات الأمريكية سمة أساسية للتمييز بين مرشحي الحزبين؛ فدائمًا يحاول الديمقراطي إبرازها على أنها نقطة تفوق لصالحه في المؤتمرات الجماهيرية، خصوصًا في الولايات الحضرية الذي يروق لسكانها سماع هذا الخطاب، خلافًا للولايات الريفية الباحثة عن مصالح أخرى.

وانعكس هذا التمايز على أولويات السياسة الخارجية لآخر رئيسين قبل ترامب، وهما جورج دبليو بوش، الرئيس الجمهوري الذي حكم لولايتين من عام 2001 إلى 2009، وباراك أوباما، الرئيس الديمقراطي الذي حكم من بداية 2009 وحتى 2017.

Embed from Getty Images

الرئيسان الأمريكيان: جورج بوش الابن (يمين)، وباراك أوباما

وخلال السنوات الثمانية التي قضاها جورج بوش في البيت الأبيض، حضرت قضايا حقوق الإنسان في الخطابات الرسمية والبيانات الصادرة عن البيت الأبيض، حتى في بيان الوداع الأخير له، الذي أوصى فيها خليفته «بالحرية»، ولكن جرى تغييب حقوق الإنسان عن سياسات بلاده الخارجية تجاه كثير من قضايا وأحداث العالم العربي، والتي أضرت بسمعته كثيرًا.

وعلى سبيل المثال، توسعت جرائم مثل التعذيب والاختطاف وسوء معاملة السجناء في أنحاء أمريكا ودول عربية خلال ولاية بوش الابن، الذي شكل فريقًا قانونيًّا اضطلع بتجهيز آراء قانونية تبرر الانتهاكات التي كانوا يعرفون بعدم وجود مبرر قانوني لها في القانون الأمريكي أو الدولي. فضلًا عن وضع سياسات اعتقال غير قانونية.

كما كشفت التحقيقات والوثائق المُسربة من منظمات دولية مثل منظمة الصليب الأحمر عن موافقة بوش على وسائل تعذيب للمعتقلين من أشهرها الإيهام بالغرق، وأمر «وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه)» بتنفيذ برنامج الاعتقال السري، وسمح بعمليات غير قانونية لاختطاف أفراد وتسليمهم لدول أجنبية ستعذبهم.

وانعكست هذه التصورات على سياسة بوش الخارجية التي غابت عنها أولوية حقوق الإنسان في التعامل مع الشرق الأوسط، مستخدمًا حقوق الإنسان مبررًا في غزو العراق، أو اضطرارًا بعد ضغوط من وسائل الإعلام على إدارته، فانتقد مثلًا نظام الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، بسبب سجنه لبعض الحقوقيين المصريين مثل أيمن نور.

وقبل هذا الموقف «الاضطراري»، الذي رآه حقوقيون مصريون آنذاك موقفًا شكليًّا، عد جورج بوش التعديلات الدستورية التي مررها مبارك بهدف مد فترة بقائه في الحكم و«تعزيز دولته البوليسية»، بأنه «دفعة في طريق الإصلاح»، ما دفع الحقوقيين المصريين للتشكيك بجدية موقف إدارته.

وفي النهاية، مواقف بوش الناقدة في ملف حقوق الإنسان كانت تنتهي بانتقادات شفهية دون أن تصل لمستوى فرض عقوبات.

أما في إدارة أوباما، فقد كان المحدد الرئيسي لسياساته الخارجية: مركزية القضايا الاقتصادية، والتي احتلت فيها حقوق الإنسان مكانة أساسية، فقد عمل على تعزيز فكرة أن الحريات السياسية ستعزز من خلال التحرير الاقتصادي وأن سيادة القانون وحماية الحريات الأساسية هما أساس الاقتصاد الناجح.

ومن هنا كان تفاعل إدارة أوباما مع دول الشرق الأوسط في قضايا حقوق الإنسان مرتبطًا بشكل أساسي بمناقشات العلاقات التجارية والاقتصادية، فيما انعكس نوعًا ما على التزام بدرجة أكبر من الدول العربية بقضايا حقوق الإنسان، حماية لنفسها من الضغوط الأمريكية.

وخلافًا لبوش الذي أيد سياسة الاستيطان الإسرائيلية، ولم ينتقد سياسات إسرائيل تجاه حقوق الفلسطينيين، تحدث أوباما بخطاب أكد خلاله تأييده لحقوق الفلسطينيين، ووصف وضعهم بأنه «لا يطاق»، منفتحًا في الوقت ذاته على العمل مع «حكومة إسلامية» منتخبة تحترم حقوق الأقليات.

وفي تباين مع إدارة بوش، امتدت يد إدارة أوباما لملف حقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة لا خارجيًّا فحسب، فمثلًا أصدر قرارًا بوقف برامج التعذيب التي تنفذها «سي آي إيه»، وأغلق السجن العسكري جوانتنامو سيئ السمعة، ولكن امتنع عن مقاضاة المسؤولين عن هذه الجرائم.

كما سمحت أمريكا في عهد أوباما لمجلس الأمن الدولي بتبني قرار يؤكد عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وأعلنت إدارة أوباما التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، التي أعلن بوش الحرب عليها، بشأن دعم قرارات ضد حكومات عربية استبدادية مثل سوريا وليبيا.

وعند إطاحة الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي قبل انتهاء فترة ولايته، وما أعقب ذلك من سقوط مئات من القتلى في مصر، ردت إدارة أوباما بتجميد جزء من مساعداتها العسكرية المقدمة للجيش المصري، وتصل قيمتها إلى مليار و300 مليون دولار، وشمل التجميد تقديم المعدات العسكرية الثقيلة وجزءًا من المساعدة المالية المقدمة للحكومة المصرية.

الديمقراطي vs الجمهوري.. اختلافات «جوهرية» لا «نظرية»

هل الاختلافات بين مرشحي الحزبين حقيقية؟ يجيبنا جاسم بديوي، عراقي يعمل حاليًا أستاذًا زائرًا في جامعة كاليفورنيا، يرى أن الاختلافات بين الديمقراطيين والجمهوريين «جوهرية» وليست نظرية، مؤكدًا أن ما يذكر في الحملات الانتخابية يتحول إلى خطة عمل لاحقًا والنتائج محددة بعوامل وظروف عديدة.

Embed from Getty Images

صورة تجمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسابقه باراك أوباما، بالإضافة للرئيس بيل كلينتون

وأضاف بديوي في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن بايدن يستخدم أدوات ضغط على الدول العربية، وله قنوات اتصال وعلاقات كبيرة، فهو يصف نفسه بأنه «رجل الخطط»، ومنهجه وفلسفته في إدارة السياسة الخارجية حال انتخابه ستكون مختلفة تمامًا عن أسلوب ترامب، وربما تكون أقرب لأسلوب أوباما.

ويستبعد بديوي أن تصل الضغوط لمرحلة الصدام أو القطيعة، أو حتى ممارستها بشكل مباشر، قائلًا: «آلية الضغط ستكون مرتبطة بلا شك بمصالح كبرى لواشنطن، والتي ستتعزز من خلال مسارات متنوعة منها على سبيل المثال توطيد علاقة أمريكا بالمنظمات الدولية كالأمم المتحدة، وتمتين صلاتها بها».

بايدن وحقوق الإنسان.. دعاية سياسية؟

دشن بايدن حملته الانتخابية بانتقادات واسعة لواقع حقوق الإنسان في عدد من الدول العربية، وتغييب ترامب لهذه القضية في سياساته الخارجية مع دول الشرق الأوسط، متعهدًا بممارسة ضغوط على الدول العربية لمنع حدوث انتهاكات مماثلة كالتي حدثت دون رد فعل أمريكي.

كان أبرز هذه المواقف نشر بايدن تغريدة على موقع «تويتر»، انتقد خلالها ما وصفه بـ«اعتقال وتعذيب عدد من النشطاء» في مصر، وجاءت التغريدة بعد إطلاق سراح المواطن الأمريكي محمد عماشة، بعد احتجازه نحو 486 يومًا بسبب رفعه لافتة احتجاجية.

وأكد المرشح الديمقراطي أن «اعتقال وتعذيب النشطاء مثل سارة حجازي ومحمد سلطان، أو تهديد عائلاتهم، أمر غير مقبول»، وأنه «لا مزيد من الشيكات الفارغة لـ(ديكتاتور ترامب المفضل)» في إشارة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

الحال ذاته مع السعودية التي يرى بايدن بالطبع استمرار العلاقات معها ولكن مع فرض واشنطن لضغوط على الرياض لإنهاء «الحرب المأساوية» في اليمن، على حد تعبيره، وإعادة تقييم العلاقة بشكل عام حتى لا ينتهي الحال بحلفاء واشنطن، في إشارة لقادة السعودية، أشخاصًا «منبوذين»، كما وصفهم في مناظرة مع مرشحي الحزب الديمقراطي السابقين.

ولكن، هل حديث بايدن عن قضية حقوق الإنسان في الشرق الأوسط دعاية سياسية فقط؟ أم سيكون مصحوبًا بإجراءات عملية؟ يجيب عن ذلك بروس ريدل، مستشار سابق بمجلس الأمن القومي الأمريكي لسنوات طويلة، قال لـ«ساسة بوست» إن حقوق الإنسان ستكون قضية مهمة لإدارة بايدن في سياستها الخارجية مع دول الشرق الأوسط، بما في ذلك في مصر.

وأكد ريدل أن نظام السيسي من المتوقع أن يشهد ضغوطًا جدية لفتح البلاد والسماح بنقاش سياسي.

ومن جانبه، قال جاكوب ورتشفتر، صحافي أمريكي عمل من القاهرة والقدس سابقًا لصحف أمريكية ومُقيم في أمريكا، في تعليق خاص لـ«ساسة بوست» إن أول شيء أتوقعه من إدارة بايدن هو إظهار التزامنا للعالم بإصلاح مشكلة حقوق الإنسان الأمريكية في الداخل، والتي تشمل إجراءات إدارية، مثل كيفية التعامل مع الأفراد والعائلات التي تسعى للهجرة، وكذلك التأكد من أن أنظمة المحاكم والشرطة لدينا تعامل الجميع على قدم المساواة.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومنافسه الديمقراطي جو بايدن

وأضاف ورتشفتر أن إجراءات لإثبات اهتمام بايدن بحقوق الإنسان في الداخل ستمهد للدخول في حوار جديد مع الدول الأخرى حول هذه القضايا.

وعلى مستوى قناعاته الشخصية، يعتقد ورتشفتر أن حادثة مثل جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، لم تكن لتحدث إذا كانت هيلاري كلينتون أو بايدن في الحُكم، ويؤكد أن هذه الحادثة وغيرها من عشرات الوقائع التي حدثت في دول عربية جرت في سياق «تصريح ترامب لأصدقائه في الشرق الأوسط بأن لهم حرية التصرف فيما يريدون».

هذه الرسالة التي بعث بها ترامب لثلاثة قادة دول هي السعودية وإسرائيل ومصر، ومضمونها أنه طالما كانت أمريكا تتحصل على منافع اقتصادية، فلن نطرح الكثير من الأسئلة حول غياب الحريات للشباب، أو الأكاديميين، أو النساء، أو مجتمعات الأقليات في الشرق، وفقًا للصحافي الأمريكي.

غير أن هذه السياسة قد تتغير بقدوم إدارة بايدن، وهو ما تدركه إدارات هذه الدول الثلاثة، وتحديدًا  الإدارة المصرية، التي قد تقوم ببعض التعديلات لتأمين مكانها في النظام السياسي الجديد في مرحلة ما بعد ترامب.

إسرائيل ستحمي حلفاءها المستبدين

ويطرح محمد مدحت مندور، الباحث السياسي المُقيم في واشنطن، وجهة نظر تخالف الآراء السابقة، حيث يرى أن الاهتمام «الحقيقي» لإدارة بايدن بحقوق الإنسان لن يكون لها أثر فعلي كما هو متوقع، بسبب ما يرجعه في الأساس إلى تحديات كبرى تتصل بآليات إصلاح أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي، فضلًا عن أن مشكلاتها أعقد بكثير مما تملكه أي إدارة أمريكية حالية أو قادمة لإصلاحها.

وأضاف مندور في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن أدوات التأثير الأمريكية رغم أهميتها فإنها ليست قادرة على حسم الموقف في أي بلد عربي بالتأكيد، خصوصًا الأنظمة السلطوية المستقرة، مثل مصر والسعودية والإمارات.

Embed from Getty Images

سبب آخر يصعِّب فرض ضغوط قصوى يتمثل في العلاقات الجيدة بين إسرائيل وحلفائها في الشرق الأوسط، وتسارع وتيرة التطبيع مع دول عربية، والتي ستكون حائط صد لهذه الأنظمة من أي ضغوط للإصلاح السياسي، وفقًا لمندور، الذي يضيف أن هذه الدول ستنقل رسالة إلى تل أبيب مفادها أن أي ضغوط تعني «تهديدًا» لأمن شركائها ما قد ينعكس سلبًا عليها ومن ثم على أمن إسرائيل، أحد المحددات المهمة في السياسية الخارجية الأمريكية في المنطقة.

ويتابع أن الوضع غير المستقر في الشرق الأوسط في دول عربية مثل سوريا وليبيا سيدفع واشنطن في نهاية المطاف إلى غض الطرف عن أوضاع حقوق الإنسان في الدول المستقرة والتي يمكن التعامل معها، على عكس الدول الأخرى المنفجرة.

ولكن مندور يستدرك قائلًا: «إن وجود بايدن في منصب الرئيس سيشكل فرصة للعاملين في مجال حقوق الإنسان في العالم العربي، لممارسة دور أوسع في أنشطة المناصرة مع الإدارة الأمريكية، قد ينتج منه تغيير محدود في أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد