يبدو أن الغرب لا يعشق الحرية كما يريد أن يوهمنا، ويبدو أن الغرب لا يترك حرية الرأي والتعبير بصورة مطلقة كما كنا نفهم، فهناك لحظات يظهر فيها الجانب الآخر والوجه الحقيقي للديمقراطية الغربية المزعومة خصوصًا في وقت تجييش الرأي العام تجاه قضية ما، أو رأي أوحد معين.

لعل أبرز وسائل السياسات الغربية في الغرب نفسه تتمثل في الكوميديا الساخرة التي يقوم بها عدد من مشاهير الإعلام الغربي من أجل انتقاد سياسات ما أو أفكار ما أو أعمال معينة قامت بها تلك الحكومات. ويبدو أن حدود هؤلاء الإعلاميين في التعبير عن آرائهم الساخرة مطلقة ومفتوحة إلى ما لا نهاية.

لكن الحكومات الغربية ليست بهذه البراءة الظاهرة، ففي التاريخ الحديث تعددت حالات تقييد عدد من الإعلاميين أصحاب الأساليب الساخرة في التعبير عن انتقاداتهم لسياسات حكومية معينة.

الهجوم المسلح الذي تم على صحيفة شارلي إيبدو أظهر تناقضًا كبيرًا لبعض الحكومات الغربية التي تعتبر أن الإساءة للأديان هي نوع من أنواع الحرية الشخصية دون أدنى اعتبار لمشاعر الملايين، بينما نفس هذه الحكومات لم تستطع أن تتحمل سخرية عدد من الأفراد الذين لا يملكون من سلاح سوى لسان تعود على النقد اللاذع ضد ما يراه من أخطاء أو مغالطات.فأيهما أولى بالتقديس إذًا: الأديان أم الحكومات وسياساتها؟

هذه الحكومات قامت في أوقات مختلفة من التاريخ الحديث بمقاضاة عدد من هؤلاء الساخرين، وسجنت بعضهم، أو قامت بمنع نشر برامجهم الساخرة طالما أنها لا تأتي على خطط كبار رجال السياسة وتسخر من قراراتهم وأفعالهم.

ديودونيه

آخر هؤلاء كان ما حدث مع الساخر الفرنسي “ديودونيه” عندما قامت الشرطة الفرنسية بالقبض عليه بتهمة “الإشادة بالإرهاب”، الغريب في الأمر أن ديودونيه تم القبض عليه نتيجة التعبير عن رأيه عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، وليس عبر قناة فضائية أو إذاعية أو صحيفة ما. ديودونيه قام بالتعبير عن رأيه الشخصي كأي مواطن عادي عبر صفحته الخاصة؛ أي أنه قام بكتابة رأيه كـ”ديودونيه المواطن” وليس “ديودونيه الساخر”.

وكان ديودونيه قد كتب على صفحته على فيسبوك عبارة “أشعر أني شارلي – كوليبالي” في إشارة لتعاطفه مع كل من صحيفة “شارلي إيبدو” التي تم الهجوم عليها يوم 7 يناير الماضي، وتعاطفه أيضًا مع “أحمدي كوليبالي” الذي نفذ هجومًا استهدف متجرًا يهوديًّا في العاصمة الفرنسية باريس.

هذا الفيديو يوضح مدى التناقض بين حرية الرأي (الإساءة) التي يطالب بها لصحيفة شارلي إيبدو وبين احتجاز شخص مثل ديودونيه لمجرد إبداء رأيه على أحد مواقع التواصل الاجتماعي.

وكان ديودونيه قد ابتكر حركة أو إشارة باليد تسمى “كينيل” كإشارة احتجاجية ضد العنصرية، وهي التي قلدها العديد من بينهم لاعب كرة القدم الفرنسي نيكولاس أنيلكا (هذه الحركة هي التي تظهر في بداية الفيديو السابق).

وديودونيه فكاهي ساخر معروف بسخريته من اليهود، وتشكيكه بشكل مستمر في محرقة الهولوكوست؛ مما تسبب في اتهامه بمعاداة السامية عدة مرات.

ويظهر ديودونيه تعاطفًا مع الشعب الفلسطيني وقضيته في وجه الاحتلال الإسرائيلي.

وفي أواخر عام 2013م قام القضاء الفرنسي بمنع عدد من العروض الخاصة به، كما تم فتح تحقيق معه في شهر يوليو الماضي بتهمة “التهرب من الضرائب واستغلال المال العام”.

شاهد هذا التقرير عن مقطع اتهم فيه ديودونيه بمعاداة السامية:

جورج كارلين

في عام 1972م، قام رجل من نيويورك بتقديم شكوى إلى “مفوضية الاتصالات الفيدرالية” تجاه محطة إذاعية تمتلكها شركة “باسيفكا”، أما عن سبب الشكوى فهو رجل قد ادعى أن ابنه الصغير القاصر تأذت مشاعره؛ نتيجة سماعه لألفاظ خارجة خلال الفقرة الكوميدية التي يقدمها الساخر جورج كارلين تحت عنوان “سبع كلمات بذيئة”.

قامت المفوضية بإنذار الشركة المسئولة عن المحطة، لكن الأمر تتطور إلى قضية يتم تداولها في المحاكم، حيث تداخلتعوامل سياسية في القضية نتيجة دأب كارلين على السخرية من السياسات الأمريكية والإعلام الأمريكي في عروضه الفكاهية.

جاء الحكم النهائي بأن يتم منع البرنامج من العرض في الفترة ما بين السادسة صباحًا وحتى العاشرة مساءً لأنه “غير ملائم للأطفال”. ولم يتم الاكتفاء بذلك، ففي نفس هذا العام 1972م تم سجن جورج كارلين لقيامه بإعادة عرض هذه الفقرة الفكاهية مستخدمًا نفس الألفاظ والعبارات.

جورج كارلين هو كوميدي ساخر من مواليد الولايات المتحدة عام 1937م، وتوفي عام 2008م.

عرف عن كارلين نقده اللاذع للمواضيع السياسية والثقافة الأمريكية بالإضافة لانتقاده الشديد للأديان المنظمة.

كارلين كان شخصًا ملحدًا كما أنه منتقد للحرب والتمييز العنصري والرأسمالية، كما لم يكن يميل إلى أحد جانبي الصراع السياسي في الولايات المتحدة،بل كان شخصًاله آراء ثابته، ينتقد المجتمع الأمريكي ككل.

شاهد هذا المقطع الساخر:

وهذا مقطع آخر ينتقد فيه كارلين بعض المفاهيم والأفكار عند الأمريكيين:

بيبي غريللو

رغم أن بداياته الكوميدية كانت تتعلق بأمور ثقافية واجتماعية داخل وخارج إيطاليا، إلا أنه سرعان ما تحول إلى النقد الكوميدي السياسي.

قام غريللو في أعقاب صعوده المتواصل بتوجيه انتقادات لاذعة لعدد من السياسيين الإيطاليين. أبرز هذه الانتقادات كانت عام 1987م، عندما هاجم في برنامجه بالتليفزيون الإيطالي الحزب الاشتراكي الإيطالي وقائده بيتينوكراكسي، ثم هاجم رئيس الوزراء الإيطالي بسبب زيارته إلى الصين.

غريللو أطلق نكتة أثناء هذا الهجوم قائلاً: “أحد أعضاء الحزب الاشتراكي سأل زعيم الحزب كراكسي أنه إذا كان جميع الصينيين اشتراكيين فمن الذي سيسرق منهم؟”، حيث ألمحت هذه النكتة إلى شمولية جمهورية الصين الشعبية من جهة، وإلى الفساد المستشري في الحزب الاشتراكي الإيطالي من جهة أخرى”.

نتيجة لهذه الانتقادات تم إلغاء البرنامج وإبعاد غريللو عن التليفزيون المملوك للحكومة. وقد مات غريللو في تونس؛ حيث لم يتمكن من العودة لإيطاليا بسبب أحكام القضاء ضده في عدة قضايا.

وبيبي غريللو هو كوميدي إيطالي وممثل ومدون وناشط سياسي، كما أنه مؤسس حركة “النجوم الخمسة”.

شاهد هذا التقرير عن غريللو:

تومي وديك سموثرز

قام الأخوان تومي وديك في ستينات القرن الماضي بتوجيه الوعي السياسي والاجتماعي تجاه ما يسمى بالثقافة المضادة عبر إحدى القنوات الأمريكية، ولمدة ساعة.

في البداية كانت الانتقادات الكوميدية التي يوجهها الأخوان مستساغة شعبيًّا، كونها انتقادات اجتماعية، لكن مع مرور الوقت زادت حدة انتقادات الأخوين لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث تركز البرنامج على 3 أهداف محددة، هي: العنصرية، ورئيس الولايات المتحدة، وحرب فيتنام؛ مما تسبب في عملية إلغاء مفاجئ للبرنامج عام 1969م.

وكانالأخوان قددخلا في مجادلات عديدة مع القناة التي يعملان بها منذ بداية عام 1968م، حيث اشترطت القناة أن يقوم الأخوان بتصوير وتسجيل حلقاتهما قبل موعدها الفعلي بعشرة أيام كاملة، حتى يمكن للرقابة أن تقوم بتحرير كل حلقة. وقد تسبب هذا الأمر في حذف العديد من المقاطع المميزة في حلقات عديدة من البرنامج.

كان الأخوان سموثرز موسيقيين موهوبين؛ حيث كانا يهاجمان السياسيين الأمريكيين عبر أغانٍ رائعة يقومان بتأليفها، كما كانا يقدمان أغانٍ مناهضة للحروب.

شاد هذا المقطع:

وهذا أيضًا:

ديك غريغوري

هو كوميدي ساخر وأحد أعضاء حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، كما أنه أحد المقتنعين الدائمين بنظريات المؤامرة، بدأ غريغوري يقوم بما يسمى “ستاند أب كوميدي” في الخمسينات من القرن الماضي خلال خدمته بالجيش الأمريكي، حيث تطور أداؤه وموهبته بشكل واضح حتى أصبح مقدم الفقرة الرئيسة في ملهى “بلاي بوي” في شيكاغو.

قدم غريغوري فقراته الكوميدية لجمهور البيض والسود على حد سواء، حيث قام بانتقاد قضايا الفقر والعنصرية بالولايات المتحدة، كما أنه كان أحد المنتقدين وبقوة للحرب الأمريكية في فيتنام.

نتيجة لآرائه القوية المناهضة لسياسات الولايات المتحدة، وهو ما انعكس عليه عمليًّا عبر مشاركته في حركة الحريات المدنية بجانب كل من مالكوم إكس ومارتين لوثر كينغ، تم توقيفه وإلقاء القبض عليه.

شاهد هذا الفيديو:

وهذا هو ديك غريغوري في وقت حديث:

بيل ماهر

في مايو 2005م، أرسل عضو الكونغرس الأمريكي عن ولاية ألاباما سبينسر باخوس خطابًا إلى مجلس القناة التي يعمل بها الكوميدي الساخر بيل ماهر آنذاك من أجل وقف برنامجه “REAL TIME“، بعدما ذكر ماهر في برنامجه أن الجيش الأمريكي فشل في أداء أهدافه من التجنيد بنسبة 42%.

عضو الكونغرس قال إنه شعر بأن هذه التعليقات من قبل ماهر مسيئة للجيش، وتعد خيانة. بينما جاء رد ماهر بأنه يدعم القوات المسلحة بقوة، وأنه على عضو الكونغرس أن يجد حلاً للمشكلة بدلاً من القيام بمطاردته.

بيل ماهر تميز بانتقاداته اللاذعة لجانبي الطيف السياسي في الولايات المتحدة، الجمهوريين والديموقراطيين. تسبب ذلك في اكتساب ماهر لعداوات بارزة على مر السنين.

شاهد بيل ماهر:

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد