في ظل الحجر الصحي، المفروض جراء جائحة كورونا، أصبح الفضاء الافتراضي ملجأً للناس من أجل تزجية الوقت، وبالتالي ازداد الإقبال حول العالم على تصفح شبكات البث التلفزيوني وتطبيقات المواعدة ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات الإلكترونية.

وبالحديث عن المغرب تحديدًا، بدت «حُمى اللايف (البث المباشر)» العلامة البارزة لفترة قضاء الحجر الصحي في البلاد، بالرغم من أن هذه التقنية ليست جديدة على المغاربة. لكن الفترة الحالية شهدت انتشارًا غير مسبوق لتقنية البث المباشر (اللايف) على موقع «إنستجرام» و«فيسبوك» و«زوم» و«يوتيوب» وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي.

اللافت للأمر أن فعاليات «البث المباشر» خاصة المبثوثة على منصة «فيسبوك» كل مساء، والتي يتناول الكثير منها مواضيع الشأن العام عبر ندوات وحوارات فكرية وسياسية؛ يشارك فيها نخب وفاعلون من مثقفين وباحثين وأساتذة جامعيين وكذا رواد أعمال، لطالما كانت لديهم عقدة مع وسائل الإعلام الجديدة.

ﻳﻨﻈﻢ ﻣﻮﻗﻊ ﺑﻨﺎﺻﺎ ﻧﺪﻭﺓ ﺗﻔﺎﻋﻠﻴﺔ ﻋﻦ ﺑﻌﺪ ﺣﻮﻝ ﻣﻮﺿﻮﻉ مشروع قانون 22.20 : السياق والرهانات

Geplaatst door ‎بناصا – Banassa‎ op Zaterdag 2 mei 2020

وقد تناولت هذه الندوات مواضيع مختلفة ارتباطا بالعمل السياسي، من قبيل المشاركة السياسية إلى مستقبل الحكومة والانتخابات، وحرية الصحافة والتعبير، وكذلك المعتقلين السياسيين، ووضع العمال والعمل النقابي، وأداء الأحزاب، إلى تصورات مرحلة ما بعد كورونا، وغيرها من المواضيع.

وقد لاقت تلك اللقاءات الافتراضية، التي ينظمها صحافيون وناشطون وكذا هيئات حقوقية وجمعوية، إقبالًا مهما خلال فترة الحجر الصحي خاصة فئة الشباب. وقد حقق بعضها نسب مشاهدة بلغت عشرات الآلاف، بعدما كان لا يتجاوز حضورها بضعة عشرات، عندما كانت تنظم في الغرف المكيفة قبل أزمة كورونا.

وبحسب الباحث خالد آحاجي، فإن «هذا التحول الكبير الذي طرأ في النقاش العمومي على الشبكات الاجتماعية، بانتقاله من نقاش الأحداث الفارغة المحتوى إلى نقاش الأفكار وتداول لغة العلم والعلماء، هو أمر جديد على كثير من الأسر المغربية».

«لايف فيسبوك» يعوض الفضاء العام

لم يكن هذا الانتعاش في النقاش العمومي بالمغرب راجع إلى استيقاظ فجائي للفاعل الحزبي والنقابي من سباته، فقد ظلت جل الأحزاب والنقابات حتى في خضم الوباء شبه غائبة عن الظرفية، إذ لم تُظهر أي سجالات سياسية أو اقتراحات بخصوص الأزمة، كما هو الأمر في البلدان الديمقراطية؛ بل بدت الحكومة نفسها وكأنها مختزلة في بيانات وزارة الصحة وتدخلات منظومة الأمن.

مجتمع

منذ 6 شهور
هكذا سيتغير السلوك الإنساني في عالم ما بعد كورونا

على جانب آخر يمكن القول بأن هذا الانتعاش السياسي في ساحة الرأي العام، جاء فقط نتيجة الشروط التي فرضتها جائحة كورونا على المجتمع المغربي، إذ توجه الناس مضطرين في ظل الحجر المنزلي إلى الفضاءات الافتراضية، التي توفرها التكنولوجيا الحديثة، لقضاء الوقت والاطلاع على ما يجري في خضم هذه الظرفية الوبائية الحساسة، التي أعادت ترتيب أولويات اهتمامات الجمهور.

وبالتالي أصبحت صفحات شبكات التواصل الاجتماعي في هذه الفترة تقوم مقام الفضاءات المادية في احتضان النقاشات العمومية، بل باتت حقيقة تؤدي دورها بشكل أفضل بكثير، بفضل إمكانية التواصل والتفاعل مع جماهير عريضة، إذ صار عدد أجهزة الهواتف الذكية يتجاوز عدد سكان البلاد، كما أن الوصول إلى الأنترنت بات متوافرا لمعظم المواطنين.

إاى جانب ذلك، تخلت النخبة التي ظلت متشبثة بوسائل الإعلام التقليدية وخطابها المنمق عن عاداتها القديمة، التي كانت دائمًا ما تعيقها عن التواصل السياسي مع العامة، وانتقلت إلى بث أفكارها بلغة بسيطة عبر فعاليات «البث المباشر»، التي ينظمها الناشطون ورواد مواقع التواصل على صفحاتهم الاجتماعية.

وقد ساهم في ذلك أيضًا حب المغاربة الشديد للفيديو، الذي يعد بحسب الإحصاءات المادة الأكثر استهلاكًا من قبل متصفحي الإنترنت على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن خلاله أًتيح للفاعلين في النقاش العمومي الوصول إلى جماهير عريضة، خاصة منها الشباب، والنساء، والمجموعات السكانية المهمشة، والمواطن البسيط الذي لا يأبه عادة بالسياسة في الواقع.

وهكذا شكّل الحجر الصحي بيئة ملائمة للانبعاث النقاش العمومي، من خلال إقبال الناس أفواجًا على الفضاءات الافتراضية ودخول النخبة معترك مواقع التواصل الاجتماعي للمشاركة بالفيديو في الندوات الافتراضية الحية.

سباق «اللايف» المحموم.. والتداعيات السياسية

تأثير الشبكات الاجتماعية على السياسة ليس أمرًا جديدًا، فقد نشر فريق بحثي مشترك، من جامعة كاليفورنيا وسان دييجو و«فيسبوك» بقيادة جيمس فاولر، دراسة في مجلة «نيتشر»، تفيد بأن موقع «فيسبوك» كان مسؤولًا بالكامل عن زيادة الناخبين الشباب. وكما هو واضح باتت المنصات الاجتماعية تمثل ساحة مهمة للمشاركين في المعارك الانتخابية بالبلدان الأجنبية، لا سيما عبر الفيديو.

غير أن النخب المغربية المهتمة بالصالح العام، بدا وكأنها للتو اكتشفت هذه الطريقة الجديدة في التواصل السياسي، فقد ظلت هذه النخب تعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعي «شأن صبياني ولا تأثير لها في الواقع»، ولذا بقي معظمها بعيد عنها، إلى أن حلت جائحة كورونا وبرزت حُمى النقاشات السياسية عبر «البث المباشر».

وفي هذا السياق، يقول البرلماني والوزير المغربي السابق لحسن حداد إن هذه المناقشات على الشبكات الاجتماعية «تعكس الصراعات التي توجد داخل المجتمع؛ لهذا فهي تتطور شيئا فشيئًا إلى فضاء للنقاش، الشعبوي أحيانًا والعقلاني أحيانًا أخرى، وهو ما له تأثيره الخاص على الحقل السياسي برمته». مضيفا أن هذه المواقع التواصلية قد قوضت جزءًا من علاقات الهيمنة بـ«دمقرطة المعلومة».

ﻳﻨﻈﻢ ﻣﻮﻗﻊ ﺑﻨﺎﺻﺎ ﻧﺪﻭﺓ ﺗﻔﺎﻋﻠﻴﺔ ﻋﻦ ﺑﻌﺪ ندوة حول موضوع : "هل المغرب في حاجة إلى حكومة انقاذ وطني بعد جائحة كورونا"؟

ندوة حول موضوع: "هل المغرب في حاجة إلى حكومة انقاذ وطني بعد جائحة كورونا"؟بمشاركة :عبد العالي حامي الدين، مستشار برلماني عن حزب العدالة والتنمية، وأستاذ جامعي .مصطفى بايتاس، برلماني وعضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار.عمر الشرقاوي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية الحقوق، المحمدية.عمر عباسي. نائب برلماني عن حزب الاستقلالعبدالرحيم المنار اسليمي؛ أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية الحقوق، اكدال ، الرباط

Geplaatst door ‎بناصا – Banassa‎ op Vrijdag 29 mei 2020

وأمام هذا الزخم في النقاش العمومي بالمغرب الذي خلقته اللقاءات المباشرة عبر «فيسبوك»، أصبح من الواضح أن وسائل الإعلام التقليدية والنخبوية قد فقدت نفوذها إلى حد كبير، لصالح مواقع التواصل الاجتماعي، وقد يجد الأشخاص الذين شعروا منذ فترة طويلة أنهم مستبعدون من النقاش العمومي البنّاء، من سياسيين ومتحزبين وناشطين، الفرصة للتواصل مع جمهور عريض بدون تكلفة تذكر.

على جنب آخر، فإن بعض المواقع الإلكترونية والصفحات الاجتماعية قد تعمد إلى تنظيم لقاءات افتراضية حية كهذه على منصات التواصل الاجتماعي، من أجل رفع أسهمها في الساحة الصحافية، بعدما تبين أن هذه «الفعاليات الحية» تجذب الكثير من الزوار.

 لذلك لن يكون غريبًا إن استمرت ظاهرة «اللايف السياسي» حتى في مرحلة ما بعد كورونا، خاصة بعدما عثر الفاعلون السياسيون والمثقفون على الخلطة السرية للتواصل مع الجمهور المغربي، والممثلة في معادلة « فيديو + منصات اجتماعية + لغة دارجة»، وهي خلطة اكتشفتها منذ مدة مواقع الصحافة التي تسعى إلى «الترافيك» عبر الأخبار الملفقة، بالبلاد.

ويبدو أن الحكومة المغربية قد فطنت لدور الشبكات الاجتماعية في إنعاش النقاش العمومي، إذ حاولت سرًا في أواخر شهر أبريل (نيسان) الماضي تمرير «قانون 22.00»، من أجل تقييد النشاط على مواقع التواصل، لولا الهبة الشعبية والحقوقية ضد من «يسعون إلى تكميم الأفواه».

وكما كتب ماكس ريد في مجلة «نيويورك»، فإن «فيسبوك» يؤثر بشكل غريب على السياسية لدرجة قد لا نستطيع فهمها، الأمر الذي «يشبه كائنًا رباعي الأبعاد، نلتقط شرائح منه فقط ونحن نتعرف عليه عندما يمر عبر عالمنا ثلاثي الأبعاد». حتى أن «البابا زوكربيرج»، بحسب تعبير ماكس ريد، «لا يبدو أنه مستعد للدور الذي تلعب منصته في السياسة حول العالم».

حقوق إنسان

منذ 5 شهور
المراقبة الشمولية أم تمكين المواطنين؟ المغرب يعتزم إطلاق «تطبيق تتبع كورونا»
عرض التعليقات
تحميل المزيد