اعتقلت السطات المغربية مؤدي الراب المغربي المعروف والشهير بسيمو الكناوي، بعد انتشار مقطع فيديو يضم كلمات قاسية، وجهها المغني في أغنيته الشبابية للسلطات العليا، والتي امتدت لشخص الملك محمد السادس؛ ما أثار غضبًا واسعًا من جانب السلطات.

هذا الغضب مرده تجاوز أغاني الراب المغربي «الخطوط الحمراء» في العرف السياسي بالمملكة عبر توجيه اتهامات مباشرة إلى أعلى سلطة في البلاد، وإلى النظام السياسي، وشخصيات فاعلة في النظام الملكي، واكتسابها صيتًا واسعًا.
في التقرير التالي نستعرض السياقات التي جعلت السياسة حاضرة في أغاني الراب المغربية بشكل لافت، والكيفية التي انتقلت بها موضوعاتها ذات الطابع الاجتماعي إلى السياسة، لتصير رمزًا معارضًا جديدًا في ضوء نظام حُكم لطالما عُرف بتقبله النقد طالما كان في الحدود الآمنة، ومحاورًا لشبابه الغاضب، ما لم يمس النقد الذات الملكية.

مدرجات كرة القدم.. من هنا ظهر الراب المناهض للسلطة

حضرت السياسة في أغاني الراب المغربية في السنوات الأخيرة عبر الشروع في نقد الكثير من الأفعال السياسية من جانب السلطة قبل أن تتجاوز الخطوط الحمراء التقليدية في النقد السياسي، ويصبح الملك محمد السادس في مرمى النقد، سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر.

وأثار ذلك حساسية وتخوفًا لكافة المصادر المغربية عند تواصل مُحرر «ساسة بوست» معها حول هذه القضية؛ إذ سيطر شعور الخوف من الحديث عن هذه القضية، والإجماع على رهن الموافقة على الحديث بعدم الكشف عن الهوية، وهو ما يرسم صورة كاملة حول حساسية هذه القضية بالنسبة للسلطة، ويعكس كذلك حزمًا تجاه كُل مخالفِ لها. 

أغنية راب شهيرة انتقدت الأوضاع المعيشية في المغرب

بدأ حضور السياسة في أغاني الراب، والاهتمام الواسع بها من جانب مطربي الراب المغربين في أغانيهم، منذ أربعة أعوام، بحسب شاب مغربي، 27 عامًا، بدأ في غناء الراب منذ خمسة أعوام، كهاو له عبر مقاطع فيديو، قبل أن يصير مطربًا تحصد أغانييه ملايين المُشاهدات.

كان خالد عياش (اسم مستعار) كحال آلاف الشباب المغربي ممن بدأ الاستماع لأغاني الراب منذ عقد أو يزيد قليلًا بشكل واسع، قبل أن يزداد ارتباطه به مع التحالقه بالدراسة الجامعية بكليات اللغات بجامعة الملك محمد الخامس، بمنطقة أكدال بالمغرب.

مع دخول خاد المرحلة الجامعية، اكتشف الشاب المغربي حضورًا كبيرًا للراب بين أصدقائه، وحماس مشترك، ليبدأ عياش بث مقاطع فيديو لهم عبر «يوتيوب» وشبكات التواصل الاجتماعي، حتى أصبح أحد أهم مغنيي الراب المغربي البارزين يقول: «بدأت  كتابة أغاني من نوعية ذات المقطع الواحد، وتدور موضوعاتها في الغالب حول قضايا انسانية كالأصدقاء، العلاقة بين الأب والابن، الصراعات الداخلية في  شخصية الإنسان، خيبات وتحسّرات عن حال الفن».

كحال عياش، نشر مئات الشباب المغاربة مقاطع فيديو لأغاني راب، تسيطر عليها قضايا شبابية، لاتتماس مع السياسية أو الحكم، قبل أن يقع تحولًا في هذه النوعية، وتصير السياسة والنظام الملكي في مرمى هذه الأغاني.

«كيف حضرت السياسة إذًا في الراب المغربي؟» يجيب عن هذا السؤال المطرب الشاب الذي أنهى دراسته الجامعية، وبدا العمل في إحدى شركات الترجمة المتخصصة، قائلًا: «ما اعرفه انه منذ أربع سنوات ظهرت في مدرجات الكرة اغاني منتقدة لسياسات الحُكم في المغرب، منها أغنية «في بلادي ظلموني، وأنا هنا أقصد الأغاني المسيسة عمومًا، والتي تعبر عن موقف سياسي، لأن أغاني الراب العادية انتشرت قبل 10 سنوات بقوة وسط طبقات اجتماعية متباين» يُكمل :«في الراب، كل فرد يكتب ويغني ما يحس به».

وسيطرت السياسة والأوضاع المعيشية والاقتصادية على أغاني مشجعي كرة القدم المغربية، رافعين لافتات احتجاجية، وصدحت أصواتهم بها، عبر ربط السعي وراء الهجرة كحل وحيد لتحقيق مستقبل أفضل بسوء الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المغرب.

كان آخر هذه الأغاني هي «ولد الشعب»، التي أداها مشجعو نادي «اتحاد طنجة» المغربي في إحدى مباريات الفريق، وشملت انتقادًا لقانون التجنيد الإجباري «لا خدمة لا ردما (لا شغل لا شيء) وبغاوني (يريدونني) نكون عسكري»، وكذلك الممارسات السياسية وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية «لا صحة لا تعليم غي (غير) الرشوة والفساد».

الأغنية التي رددها مشجعو نادي اتحاد طنجة المغربي

ونالت أغاني المشجعين رواجًا لافتًا بين جماهير كرة القدم، وامتدت خارج حدود أسوار المدرجات لمواطن الشارع، ليجدها مكتوبة على جدران بنايات في الشوارع، كحال أغنية «في بلادي ظلموني» لجماهير الرجاء الرياضي، مرورًا بأغنية «صوت الشعب» لجمهور الوداد، وصولًا إلى أغنية «هادي بلاد الحكرة» لجمهور اتحاد طنجة.

يلتقط مغني الراب الشاب الحديث قائلًا :«كان هذا الحضور اللافت لأغاني مجشعي كرة القدم دافعًا ومحرضًا لمطربي الراب على البدء بحضور السياسة في الأغاني بشكل يقترب أكثر من النظام الحاكم، ويكون أكثر تعرضًا لمن هم في الحُكم؛ لذلك كان رد فعل السلطات تجاهننا حاسمًا وأكثر شراسة من حيث التعامل».

مستر كرايزي ومعاذ الحاقد.. الراب ينتهي بهم إلى السجن

اتبعت السلطات المغربية نهجًا حازمًا تجاه مطربي الراب الذين ينتقدون النظام الملكي بطرق مختلفة، بعد حضور السياسة في أغانيهم وانتشارها وسط قطاعات شبابية، لتمارس التضييق عليهم، خصوصًا هؤلاء الذين يعملون في وظائف حكومية، أو استخدام وسيلة عقاب أشد عبر الزج بهم في السجون على خلفية قضايا تتهمهم فيها بإهانة السلطة الحاكمة والنظام الملكي.

وكان لتحول الراب المغربي الأعوام الأخيرة إلى منافس قوي لفرق الراب في أوروبا وأمريكا، وذيوع صيت مغنييه خارج حدود بلادهم، أثرًا في تحرك السلطات العاجل تجاه كُل منتقد في كلماته.

سجل عام 2011 الواقعة الأولى لسجن مطرب راب مغربي، حين اعتقلت السلطة معاذ الحاقد، مغني الراب المغربي والناشط الحقوقي في «حركة 20 فبراير»، على ضوء أغانيه المناهضة للنظام والملكية، وتكرر اعتقاله مرة أخرى في عام 2014، بعد إنتاج ألبوم جديد تحت عنوان «والو»؛ ليصدر قرار بسجنه مرة أخرى، خرج بعدها وتمكن من الحصول على اللجوء السياسي في بلجيكا.

وفي العام نفسه،اعتقلت الشرطة عثمان عتيق، وهو مغني راب شاب لم يتجاوز عمره آنذاك السبعة عشر عامًا، ومعروف في بلاده تحت اسم «مستر كريازي»، بعدما بث ثلاث أغنيات جديدة تتحدث عن حياة المنحرفين الشباب في الأحياء الفقيرة لمدينة الدار البيضاء، والذين يعيشون من أعمال السرقة ويتعاطون المخدرات، محملًا السلطة مصائر هؤلاء الشباب.

وكانت التهمة التي وجهتتها لكريازي هي «تحريف كلمات النشيد الوطني»، و«إهانة الهيئات المنشأة»، «نشر تعابير غير أخلاقية» و«الحث على استهلاك المخدرات»، لينتهي الحال به إلى سجن للقاصرين، وعكست كلتا الواقعتين تنبه السلطات المغربية لسلاح الراب المغربي بعدما أصبح وسيلة للهجوم ونقد السلطات الحاكمة، خصوصًا مع انتشار هذا الفن الغنائي بين قطاعات شبابية عريضة، وهُم القطاع الغالب والمؤثر بين فئات المجتمع المغربي العُمرية. هذا الانتشار يظهر في عدد المشاهدات لأغاني الراب، التي تصل لملايين في ساعات البث الأولى.

امتد تحرك السلطات نحو  حصار الراب عبر التضييق على مغني الراب في مهام الوظيفية التي يمتهنونها بجانب غنائهم، في محاولة لإثنائهم عن استمرار الغناء. من بين هؤلاء مطرب الراب المغربي حمزة الرائد، وهو أشهر مغنو الراب المغربي الذي حققت أغانيه شهرة واسعة، إذ اضطر قبل عامين لترك غناء الراب بعد «إحساسه بالخيبة تجاه ساحة الراب المغربي وصعوبة توفيقه بين التدريس في سلك حكومي وفنه الناقم في كل سطر على النظام الملكي».

إحدى أغاني الراب المغربي المشهورة

كانت الواقعة الأخيرة هي اعتقال أحد مؤدي أغنية الراب «عاش الشعب» الأسبوع الماضي والتي أثارت جدلًا واسعًا بسبب كلماتها التي تحمل انتقادات لاذعة للسلطة في المغرب، والملك بشكل خاص، وتخطى عدد مشاهدي الأغنية، في أسبوعين، حاجز الـ11 مليون مشاهدة على موقع «اليوتيوب»، متصدرة «الترند» المغربي على موقع الفيديوهات الشهير.

«باسم الشعب، عاش الشعب، عاش اللي درويش، يا مّا راني ساخط، كيف بغيتيني ما ندويش؟» هذه بعض الكلمات التي أداها ثلاثة شباب معروفون بألقاب: لكناوي، لزعر، ولد لكرية، وتروي الأغنية قصصًا من معاناة الشباب من وجهة نظر المؤديين، إذ تقول: «قل لي هل سنصمت تجاه من أجهز على كل شيء؟ لن يجديكم نفعًا الترهيب أو الرصاص، إذا لم تفهم كلامي قدم استقالتك وارحل»، وتسرد معاناة المُهاجرين: «لا يعرفون أننا مذبوحون، والأزمة هي التي جعلتنا نتحدث ونغني، أنا المذبوح أنا المهضوم، أنا المواطن المغربي الذي عمقتم جرحه، أنا الأم التي مات أولادها في البحر وياما بكيت، أنا الأب الذي بأولاده ضحى، أنا المتعاقد المنبوذ».

وبررت الشرطة أمر اعتقال مغني الراب المغربي برواية ذكرتها في بيان رسمي قالت فيه إن أمر القبض «جاء بناء على فيديو سابق على يوتيوب أساء للشرطة والأمن المغربي».

«كتالوج» السلطة مع الراب المغربي: تتجاهل لكنها لا تنسي

تنتهج السلطات المغربية إستراتيجية مُحددة تجاه حرية الرأي والتعبير في الأوساط السياسية والإعلامية، عبر ترك هامش للجميع للحركة والنقد في حدود الممكن؛ طالما لم يتجاوز الخطوط الحمراء، أو بمعنى آخر لم يقترب من الذات الملكية بالنقد.
وظهرت تجليات هذه السياسية في مواقف عديدة أبرزها في تعامل الملك محمد الساداس مع التظاهرات التي اندلعت ضد بعض رموز نظامه عقب ثورات الربيع العربي، إذ انتقل الملك محمد السادس من موقع الحاكم الذي تندلع ضده الاحتجاجات إلى المؤيد للمطالب، متنازلًا عن بعض صلاحياته يوم التاسع من مارس (آذار) 2011، ومقررًا توسيع هامش الحقوق والحريات في الدستور الجديد، ما تبعه إجراء انتخابات تشريعية سريعة، فاز بالأكثرية فيها «حزب العدالة والتنمية» ذو التوجه الإسلامي، وقام بقيادة الحكومة الجديدة.
الملك محمد السادس حاكم المغرب
تكرر تطبيق هذه السياسة في ترك مغنيو الراب المغربي يؤلفون أغاني تتحدث عن الشأن العام؛ قبل أن تمتد للنظام، وتصل بمضامينها لشخص الملك في حد ذاته، ومعها تحركت السلطة على الفور في اتخاذ إجراءات حازمة تحاه بعضهم، وليس جميعهم.

وقد اتفق صحافيان مغربيان تحدثا لـ«ساسة بوست» على أن الأغنية الاخيرة سيكون تأثيرها لحظيًا، ثم ستمر وستنسى ما لم تتدخل السلطة بشكل أعنف مما فعلته، وتخلق منها أزمة أكبر. وربما تفرج عن الشاب لاحقًا كما فعلت مع غيره، ويشرحان ذلك: «الأمور تسير على هذا المنوال في المغرب حتى لو كانت الأغنية قاسية ومتجاوزة الحدود كما هو الحال في الأغنية الأخيرة، خصوصًا مع تأكيد السلطات المغربية أن اعتقال الشاب لأسباب أخرى ليس من بينها الأغنية الاخيرة، بدليل عدم القبض على الشابين الآخرين».

ويستدرك واحد منهم، يعمل مسؤلًا تحريريًا بكبرى المواقع الإخبارية المغربية، قائلًا: «السلطة في الغالب ستتجاهل ذلك في حدود الممكن؛ لكنها لا تنسى». من جانب آخر، يشرح واحد من الاثنين منظور السلطة في التعامل مع هذه الأغنية، ويُضيف بعد آخر لغضب السلطة، قائلًا: «السلطة تعاملت مع هذه الأغنية بوصفها متضمنة كلمات ساقطة أخلاقيًا، وعنصرية أيضًا، وعنيفة، لهذا بقدر ما جلبت من المستمعين، بقدر ما يتم الحديث عنها همسًا فقط، وستلاحظ هذا حتى في وسائل التواصل الاجتماعي، وكثيرون أخذوا منها العنوان فقط وتركوا الباقي».

ويُكمل «القاع كان نقطة قوة الأغنية، سواء في التعبيرات أو المفردات، فقد كان كذلك نقطة ضعفها في الوقت نفسه من حيث غضب بعض القطاعات المجتمعية المحافظة منها، وتربص السلطة بسبب عدم اعتيادها على أسلوب الشتائم في النقد، واعتبارها ذلك أمرًا غير لائق».

المصادر

تحميل المزيد