قامت الولايات المتحدة الأمريكية في يناير (كانون الثاني) 2018 بإطلاق اسم المعارض الروسي بوريس نيمتسوف على الشارع الذي تقع فيه السفارة الروسية في واشنطن. ورغم أن إطلاق اسم نيمتسوف  الذي اغتيل بالرصاص بالقرب من الكرملين في 2015 جاء «تكريمًا لناشط الديمقراطية القتيل» كما قال مجلس مدينة واشنطن في بيانه؛ إلا أن الأمر يكشف استخدام الدول أجمع، لوسيلة تغيير أسماء الشوارع والمرافق، باعتبارها نوعًا من النكاية السياسية وإيصال رسائل معينة في قضايا الخلافات السياسية.

موريتانيا.. تزيل جمال عبد الناصر وتُبقي على شارل ديجول

مؤخرًا، أعطى الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز أوامر مباشرة بتغيير اسم شارع «جمال عبد الناصر»، أحد أشهر شوارع العاصمة نواكشوط ليصبح «شارع الوحدة الوطنية».

ولم تنصع الحكومة الموريتانية للضجة التي استنكرت تغيير اسم شارع الرئيس المصري الراحل والذي يصل طوله إلى 3320 مترًا، فأزيلت قبل أيام لافتة الاسم القديم التي وضعت في سبعينيات القرن الماضي؛ ووضعت اللافتة الجديدة في الشارع الذي يضم العديد من الوزارات والمؤسسات الرسمية الموريتانية، إضافة لمؤسسات مالية كبيرة.

وفيما لم تُغير أسماء شوارع أخرى غير وطنية كما بررت الحكومة الموريتانية سبب تغييرها لاسم شارع عبد الناصر؛ وإبقائها على اسم شارع الرئيس الفرنسي شارل ديجول، والرئيس الأمريكي جون كنيدي، يُرجع المراقبون دوافع تغيير اسم هذا الشارع تحديدًا، إلى شارع الوحدة الوطنية، لكونه شهد عشرات المسيرات المناهضة للنظام الموريتاني القائم، إذ كان ميدانًا لاحتجاجات الموريتانيين.

وأن النظام السياسي الحالي يسعى إلى رسم انطباعاته في المناخ العام وترك بصمته في معالم المدينة وشوارعها، فيما بررت الحكومة الموريتانية على لسان وزير الداخلية احمدو ولد عبدالله  أن: «إشراف رئيس الجمهورية على تسمية أكبر شارع بالعاصمة باسم شارع الوحدة الوطنية يعبر عن حرصه على صيانة الهوية الموريتانية وتعزيز دعائم الوحدة الوطنية».

وأضاف حسب موقع صحيفة «الصدى» الموريتانية، أن: «إطلاق اسم الوحدة الوطنية على أكبر شارع في العاصمة يمثل أصدق دلالة وأعمق معنى على ما تعيشه البلاد من وحدة وانسجام في ظل الإنجازات الكبيرة التي شهدتها البلاد، وفي مقدمتها البرامج الجادة والملموسة لحماية حقوق الإنسان والقضاء على مخلفات الرق ومحاربة الجهل».

ويعلق الأكاديمي الموريتاني البارز الشيخ معاذ على هذا الأمر بالقول: «إحياء النقاش حول فكرة (القومية) لا يخدم الوحدة الوطنية، فهل يعقل أن يكون تجاوز اسم مثل ديجول إلى عبد الناصر أو لنفترض تجاوزه إلى مانديلا أو سانكارا بريئًا؟ كيف ننادي بالوحدة والوطنية ونحن نعيد إلى السطح نقاشًا قوميًا كاد يعصف ببلدنا منذ 1966»، مضيفًا: «تسمية الشارع على عبد الناصر لم تكن بدافع قومي، بل لأسباب سياسية دعا إليها نضال موريتانيا من أجل الاعتراف والبعد عن دائرة الاستحواذ التي كانت تقودها قوى مجاورة شمالًا وجنوبًا، فجمال كان كل شيء في أفريقيا الخمسينيات والستينيات والسبعينيات: داعم حركات التحرر، أحد زعماء دول عدم الانحياز، زعيم قومي عربي أفريقي لديه القوة الصناعية والعسكرية والكثافة السكانية، لقد كان مهما لبلد ناشئ مثل موريتانيا».

هل تشهد موريتانيا «انقلابًا دستوريًا» رغم معارضة الشعب والبرلمان؟

لبنان.. «حزب الله» يزج بالشوارع في معركته مع الخصوم

«شارع الشهيد مصطفى بدر الدين… باقٍ»، بهذا العنوان تحدت صحيفة «الأخبار» اللبنانية المحسوبة على جماعة «حزب الله» اللبنانية، اللبنانيين المعترضين على قرار تغيير اسم أحد شوارع ضاحية بيروت الجنوبية في سبتمبر (أيلول) 2018 إلى اسم شارع «شارع الشهيد مصطفى بدر الدين»، وبدر الدين هو الرجل الثاني في «حزب الله».

القرار الذي اتُخذ من قبل بلدية الغبيري، التابعة لاتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، معقل «حزب الله»، جاء قبل أيام من بدء انعقاد جلسات المرافعات النهائية للمحكمة الدولية والخاصة بقضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل، رفيق الحريري، ليكون بمثابة «رمي الملح على الجرح»، إذ أن بدر الدين الذي قتل في حادث غامض في مايو (أيار) 2016 بسوريا؛ هو أحد الأربعة الذين وجهت لهم المحكمة أصابع الاتهام بشأن اغتيال الحريري، بل أنه حسب المحكمة، «العقل المدبر لعملية الاغتيال» التي تمت في العام 2005.

وقد دفعت هذه الحادثة رئيس الوزراء اللبناني المكلف، سعد الحريري لتغريد بالقول: «تسمية شارع على اسم مصطفى بدر الدين، أمر مؤسف، هناك أشخاص يريدون أخذ البلد إلى مكان آخر، وعليهم أن يتحملوا مسؤولية ذلك أمام الله سبحانه وتعالى وأمام المواطن اللبناني، نحن نتحدث عن إطفاء الفتنة، أما هذا الأمر فهو الفتنة بحد ذاتها».

فيما نفى وزير الداخلية والبلديات اللبناني نهاد المشنوق أن يكون قد وقّع قرارًا يسمح بموجبه لبلدية الغبيري بتغيير اسم الشارع، وقال في بيان خاص أنّه: «لا يوافق على هذه التسمية وبالتالي قرار بلدية الغبيري مرفوض من قبل وزارة الداخلية»، مشددًا على أنّ رفضه توقيع القرار لا يمكن اعتباره موافقة ضمنية، خصوصًا حين يتعلّق الأمر بخلاف سياسي يتداخل فيه الطابع المذهبي بالأمني وينشأ بموجبه خطر على النظام العام، الذي هو من أساس واجبات هذه الوزارة، حسب المشنوق.

قادة شباب جُدد في حزب الله.. ماذا تعرف عن هذا الجيل الغامض؟

تركيا.. أسماء الشوارع تدخل دائرة الانتقام

في التاسع عشر من ديسمبر (كانون الأول) 2017، أعاد وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد، نشر تغريدة لطبيب عراقي  تتهم القائد العثماني فخر الدين باشا بنهب وسرقة المدينة المنورة بدلًا عن الدفاع عنها.

وقالت التغريدة: «إن الأتراك سرقوا أغلب مخطوطات المكتبة المحمودية بالمدينة، فهؤلاء أجداد أردوغان»، الأمر الذي أثار غضب تركي دفع الرئيس رجب طيب أردوغان لمخاطبة ابن زايد بالقول: «حين كان جدنا فخر الدين باشا يدافع عن المدينة المنورة، أين كان جدك أنت أيها البائس الذي يقذفنا بالبهتان؟»، لكن أردوغان لم يكتف بذلك، بل أراد تلقين الإمارات درسًا قاسيًا، حين جعل العنوان البريدي السفارة الإماراتية في أنقرة هو «جادة حامي المدينة، شارع فخر الدين باشا، تهانينا» كما قال رئيس بلدية أنقرة  مصطفى تونا.

وفي يناير (كانون الثاني) 2018، أعلنت بلدية أنقرة الكبرى  أن مجلسها قرر رسميًا تغيير اسم الشارع والزقاق الذي توجد فيه سفارة الإمارات العربية المتحدة بأنقرة، وسمى شارع 609 بـ«مدافع المدينة»؛ لكون فخر الدين باشا من دافع عن المدينة المنورة في وجه القوات البريطانية إبان الحرب العالمية الأولى، بينما أطلق على الزقاق 613 بـ«فخر الدين باشا».

Embed from Getty Images

يافطة باسم شارع فخر الدين باشا

ومن المعروف أن الإمارات تعتبر حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا داعمًا لتيارات إسلامية التي تعارضها، كما توترت العلاقات بين البلدين بعد وقوف أنقرة مع قطر إثر الحصار الخليجي الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر عليها  في يونيو(حزيران) 2017.

وسبق وأن استخدمت تركيا السلاح نفسه مع واشنطن، ففي فبراير (شباط) 2018، قررت بلدية أنقرة تغيير اسم الشارع الذي تقع فيه السفارة الأمريكية في العاصمة التركية إلى «غصن الزيتون»، وقال رئيس بلدية أنقرة مصطفى تونا، عن ذلك: «وقعت مقترحًا لتغيير اسم شارع (نوزاد طاندوغان) الذي تقع فيه السفارة الأمريكية إلى غصن الزيتون»، كما أضاف: «سنعرض مساء اليوم على مجلس بلدية أنقرة المقترح لتغيير اسم الشارع. فلترقد أرواح شهدائنا بسلام».

وعملية «غصن الزيتون» هي العملية التي أطلقتها تركيا في يناير (كانون الثاني) 2018 بعفرين شمال سوريا، ضد حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية، حلفاء واشنطن.

كما أقدمت تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها منتصف يوليو (تموز) 2016، وتحديدًا بلدية إسطنبول فيها على تغيير 200 اسم لشوارع تحمل أسماء رموز سياسية معارضة أو إيحاءات جنسية، ومن أبرز الشوارع التي غيرت  اسم شارع غولن الذي يذكر باسم المعارض التركي فتح الله غولن، وكذلك اسم شارع «مواز» الذي يذكر بـ«الدولة الموازية» كما يسميها المسؤولين الأتراك، وهي كيان تتهم الحكومة التركية جماعة جولن بتنظيمه لتقويض الحكومة القائمة. وأيضًا قامت بتغيير اسم شارع «قنديل»، الذي يحمل اسم جبال في شمال العراق حيث معقل حزب العمال الكردستاني التركي، المصنف على أنه منظمة إرهابية في تركيا.

وجه آخر للصراع الإماراتي التركي: الصومال باب جديد لحرب النفوذ

مصر.. أسماء الشوارع سلاح النظام ضد خصومه

إثر ثورة  23 يوليو 1952 المصرية، لجأت مصر إلى سياسة تغيير أسماء الشوارع باعتبارها سلاحًا ضد دول غربية، إذ قرر الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر استهداف بريطانيا التي عارضت آنذاك حركة الضباط المصريين الأحرار، وأطلق اسم رئيس وزراء إيران السابق محمد مصدق على أحد الشوارع المصرية نكاية في بريطانيا.

هذا الإرث الرسمي المصري ما يزال قائمًا، حتى أن مصر أقحمت نفسها في قضايا لا تمسها بشكل مباشر، فحين وقعت أزمة الهجوم الإماراتي على القائد العثماني «فخرالدين باشا»، وفي إطار امتداد مصر لسياسة المحور الإماراتي،  أعلنت محافظة القاهرة تغيير اسم شارع «سليم الأول» بحي الزيتون، بحجة أنه كان أول مستعمر قام بحل الجيش المصري،  وتحت ذريعة أن «السلطان سليم الأول أفقد مصر استقلالها وحوَّلها إلى مجرد ولاية من ولايات الدولة العثمانية»، كما قال أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان «محمد صبرى الدالى»، ورغم هذا الموقف المصري إلا أن لافتة اسم الشارع لم تتغير، وما تزال جميع المراسلات تأتي على عنوان الشارع باسمه  سليم الأول.

وغيرت القاهرة أيضًا في إطار خلافها مع تنظيم الإخوان المسلمين، أسماء عدة شوارع؛ فغيرت محافظة المنيا اسم شارع حسن البنا المتفرع من شارع الحرية شرقًا بحي جنوب مدينة المنيا، إلى شارع عمر بن الخطاب، وحينها أعلن محافظ المنيا اللواء قاسم حسين أنه يجب: «مراجعة أسماء الشوارع والميادين في جميع المراكز، وتغيير ما يحمل منها أسماء أعضاء جماعة الإخوان الإرهابية، واستبدالها بأسماء شهداء مصر الأبطال، أو رموز وشخصيات عامة وتاريخية لها بصمة وتأثير إيجابي على الجميع».

وسبق وأن قرر مجلس الوزراء المصري تغيير اسم ميدان رابعة العدوية في يوليو 2015 إلى اسم الشهيد هشام بركات، النائب العام الذي قتل في يونيو (حزيران) 2015 إثر انفجار عبوة داخل سيارة أثناء مرور موكبه بمصر الجديدة، ورغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على تركيب اللوحات المعدنية الخاصة بالاسم إلا أن المصريين ما زالوا يطلقون الاسم القديم على الميدان.

إيران.. حرب تسمية الشوارع

تعد الجمهورية الإيرانية من أكثر الدول التي عكفت على استخدام سياسة تغيير أسماء الشوارع إثر خلافاتها السياسية مع الدول، آخر تحركاتها في هذا النطاق كانت خاصة بقضية إعدام رجل الدين الشيعي السعودي نمر باقر النمر.

فردًّا على إعدام الرياض للنمر أطلقت طهران اسمه على الشارع الذي تقع به السفارة السعودية، وذلك في يونيو 2016، فتحول الاسم من شارع ناز إلى شارع شهيد آيت الله نمر باقر النمر.

أما في عام 1981 فقد غيرت إيران اسم الشارع الذي تقع فيه السفارة البريطانية في طهران إلى اسم شارع بوبي ساندز، عضو الجيش الجمهوري الأيرلندي الذي توفي بعد إضرابه عن الطعام بالسجن في بريطانيا، وذلك احتفاءً من طهران بالرجل الذي «قاتل من أجل الحرية»، بحسب ما أعلنوها.

أيضًا ولخلافها السياسي مع الرئيس المصري السابق أنور السادات الذي عارض الثورة الإسلامية في إيران، قام النظام الإيراني في العام 1981 بإطلاق اسم المتهم باغتيال السادات، خالد الإسلامبولي، على أحد شوارع العاصمة طهران، وبقيت مصر معترضة على الاسم، حتى قررت طهران التراجع عن التسمية في عام  2004 وأطلقت على الشارع اسم شارع الانتفاضة، في إطار محاولات التقارب السياسي بين مصر وإيران، فيما بقي اسم  الداعية المصري عبد الحميد كشك الذي أطلق نكاية في نظام السادات، يطلق حتى الآن على  شارع في محيط مبنى وزارة الخارجية الإيرانية.

مترجم: السعودية تواجه إيران في 3 دول.. فهل ستساعدها مصر؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد