في الآونة الأخيرة طفت على السطح أزمة جديدة تتعلق بالطريقة التقليدية المتبعة تاريخيًا في تسمية «الفيروسات والأوبئة» نسبةً إلى المكان الذي نشأت فيه، وانتشرت من خلاله إلى العالم. إذ بات بعض المسؤولين الأمريكيين لا يتركون فرصة دون الإشارة إلى فيروس «كوفيد-19» على أنه «فيروس ووهان»، وذلك نسبةً إلى المدينة الصينية التي خرج منها الفيروس إلى العالم.

وصف البعض تصرف المسؤولين الأمريكيين بالعنصرية، وأعادوه للعداء القديم ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، كخطوة متعمدة لربطِ مدينة ووهان، وبوجه عام الصين، بالجائحةِ العالمية لفيروس «كوفيد-19»؛ مما يخدم سياسيًا إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي الواقع لم تكن تلك المعركة على تسمية فيروس «كورونا» المستجد هي الوحيدة، بل إن تاريخ الأمراض المعدية مليئًا بمعاركٍ شبيهة، استخدمت فيها الفيروسات لخدمة أغراض سياسية. فما الذي تعرفه عن معارك «أسماء الفيروسات»؟

منوعات

منذ 5 شهور
مترجم: هذه الرواية تنبأت بانتشار كورونا في ووهان منذ 1981

تاريخ طويل من تسمية الفيروسات بأسماء البلدان

في القرن التاسع عشر سمحت حركة التجارة العالمية وسهولة التنقل بانتشار «الكوليرا» في جميع بلدان العالم، وسرعان ما أطلقوا عليها اسم «الكوليرا الآسيوية»، نسبةً إلى أصولها. وقد استمرت هذه التسمية لعقود، وصمت خلال ذلك القارة الآسيوية بأكملها بالمرض، دلالة على سوء الصرف الصحي فيها. كان ذلك قبل زمن العولمة، قبل أن يصبح العالم قرية صغيرة. وكانت آسيا بالنسبة إلى الأوروبيين والأمريكيين عبارة عن منطقة بعيدة وغريبة في مكانٍ آخر. وقد كان وصفُ المرض بـ«الآسيوي» ملائمًا للحس الاستعماري السائد وقتها الذي ينظر بريبة لكل ما هو «غير أبيض» من ثقافات وعادات وحتى مستويات الذكاء البشري على مستوى العالم.

نتيجة ذلك تعرض الحجاج المسلمون من «الآسيويين» لنوعٍ مختلف من التعامل الأكثر صرامة من نظرائهم الأوروبيين القادمين من نفس الطرق البحرية، وذلك عن طريق تشديد إجراءات الحجر الصحي على المسافرين الآسيويين بوجهٍ خاص. يشير التقرير إلى أن علم الفيروسات قد شهد طفرة منذ أواخر القرن التاسع عشر مكنت العلماء من تحديد مسببات الأمراض من بكتيريا، وطفيليات، وفيروسات، وهو أمر يغنيهم عن استخدام أسماء البلدان في تعريف الأمراض الغامضة، وذلك عن طريق الأسماء العلمية.

(تقرير عن الطريقة الحديثة المتبعة في تسمية الفيروسات)

في مقالٍ بحثي يعود إلى عام 1966 نشرت مجلة «Nature» العلمية معلومات عن آسيا الوسطى باعتبارها أقدم وأهم مركز لأصول الحيوانات الجينية والنباتات الصحراوية، وقد أعطى تحليل موفق للحيوانات وتاريخها التطوري المتقلب. في نهاية التقرير جرت الإشارة إلى أن التسميات الخاصة بالفيروسات لا يمكن أن يحكمها أي من الرموز الدولية الحالية – في ذلك الوقت – للتسميات، وذلك مع الأخذ في الاعتبار الحاجة إلى نظام معتمد دوليًا  لتسمية الفيروسات، وذلك من خلال تكوين لجنة دولية مختصة بالتصنيف.

كانت التوصيات الرئيسة للجنة مؤتمر موسكو الطبي في ذلك الوقت تشير إلى ضرورة أن يحتوي رمز الفيروس على التقسيمة الخاصة به من عائلة الفيروسات والأجناس والأنواع، وأن يتم تصنيف كل جنس من قبل أنواع موثقة بشكلٍ جيد، على سبيل المثال، يحتوي رمز فيروس «كوفيد-19» على اسم عائلة هذا النوع من الفيروسات التاجية، ولهذا عرف باسم «كورونا». وكان شرط التوصيات أن يجري اعتماد الأسماء الجديدة من قبل لجنة قضائية. ومنذ 1966 وحتى الآن أصبحت أسماء الفيروسات لا تعتمد إلا من قبل هذه اللجنة. 

بالرغم ذلك من ظلت أسماء المدن، والأنهار، والغابات، تستخدم في تعريف الأمراض حتى عام 2015، وذلك عندما أقرت «منظمة الصحة العالمية» مجموعة جديدة من التشريعات الخاصة بتسمية الفيروسات، والتي تضمنت استبعاد ربط الأمراض المعدية بأسماء الأماكن أو الحيوانات، كما شددت على وضع معايير جديدة تمنع  أن يحمل الاسم إساءة إلى أية مجموعة من البشر أفراد أو مجموعات. حتى لا تتسبب تلك الممارسة في «وصم» المدن والأجناس والثقافات المختلفة، كما كان متبعًا من قبل.

لكن قبل هذا التاريخ، كان لدينا مجموعة كاملة من الأوبئة العالمية والفيروسات المعدية قد وصمت أفرادًا وجماعات، مثل «الإيدز» الذي ارتبط اسمه الأول بمثليي الجنس، و«الإيبولا» المنسوب إلى اسم نهر يقع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، و«متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)»، وقد تسبب بعض هذه التسميات بأزماتٍ دبلوماسية.

«فيروس ووهان».. معركة ربحتها الصين

في تقريرٍ نشرته وكالة «بي بي سي» الإخبارية، جرت الإشارة إلى أنه ومنذ ظهور الحالة الأولى لمرض الأنفلونزا التاجية المستجد، وقد انتشرت عدة أسماء لهذا الفيروس الغامض، كان منها: «فيروس ووهان»، و«ووهان كورونا فيروس»، و«الالتهاب الرئوي لفيروس سوق المأكولات البحرية ووهان». كانت النتيجة أن أعلنت «منظمة الصحة العالمية» في مؤتمرٍ صحافي، 11 فبراير (شباط) الماضي، عن الاسم الرسمي للفيروس التاجي الجديد، «كوفيد-19»، وذلك طبقًا للإجراءات المتبعة الأخيرة منذ 2015 في تسمية الفيروسات.

تشير«البي بي سي»، إلى أن تلك المعركة السياسية الخادعة، قد ربحتها الصين لصالحها. وذلك بالنجاح في تجنب وصم المدينة الصينية «ووهان» باسم الفيروس المميت، والذي تسبب في جائحةٍ عالمية.

في الوقت ذاته، ظهرت مجموعة من الورقات البحثية تشير إلى قرب الفيروس المستجد من فيروس «سارس»، كما أن وكالات الأنباء قد اعتمدت اسم «كورونا فيروس»، مما يعني الفيروس التاجي، وهو نوع كامل من عائلات الفيروسات، مما أدى خلط لدى المتلقي ما بين الأسماء والأنواع عن طريق استخدامهم كمترادفين. عن ذلك يقول متخصصو الفيروسات أن التسمية أمر معقد جدًا، وبالرغم من ذلك تغيبت أهميته عن الناس. 

كان فيروس «كورونا» المستجد هو الوباء الأول عالميًا منذ أن أسقطت منظمة الصحة الإجراءات الخاصة بتسمية الفيروسات تبعًا للمكان. وهو الأمر الذي وصفه السياسيون بالجديد والمحير؛ إذ على الرغم من مجهودات «منظمة الصحة العالمية» في تجنب الإساءة للأفراد والمجتمعات، إلا أن نائب الحزب الجمهوري عن ولاية أريزونا الأمريكية، بول جوسار، قد ضرب بكل هذا عرض الحائط، عندما أطلق إعلاميًا على الفيروس التاجي اسم «فيروس ووهان»، وهو ما استدعى استنكار الكثيرين حول العالم ممن وصفوا هذا التصرف بالعنصرية، في إشارة إلى أن الفيروسات يجب ألا تقيد في عرق، أو دولة معينة.

علوم

منذ 5 سنوات
أبرز الأوبئة التي هزت العالم.. وما تزال

الصين حاربت «سارس» مرتين

في 11 فبراير الماضي عندما أعلنت «منظمة الصحة العالمية» الاسم الرسمي للفيروس التاجي المستجد، أصدرت اللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات ورقة تقترح اسمًا للفيروس نفسه: «متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد»، أو باختصار «SARS». كان هذا البحث يشير إلى الرابطة الجينية التي تجمع فيروس كورونا بالفيروس الذي سبب جائحة «سارس» عام 2003، مؤكدين على أن الفيروس الجديد له اسم علمي بالفعل وهو «SARS-COV-2».

على الصفحة الرسمية لمنظمة الصحة العالمية تستطيع أن تجد في تعريف الفيروس التاجي المستجد «كوفيد-19»، أن هذا الاسم الرسمي مجرد اسم للمرض من أجل التداول الإعلامي، أما الفيروس المسبب له فهو نفس النوع المسبب لسارس «SARS-COV-2».

تشير المنظمة إلى أن تسمية الفيروسات يجب أن تتبع البناء الجيني للفيروس؛ وذلك لسهولة تطوير الاختبارات التشخيصية واللقاحات والأدوية، وهي وظيفة اللجنة الدولية لتصنيف الفيروسات. أما الأمراض فيجري تصنيفها تبعًا للمنظمة، وذلك وفقًا لما يخدم المناقشات حول الأمراض وانتشارها والوقاية منها. كما أن تسمية الفيروس الجديد بـ«سارس» سيجلب حالة من الذعر، خاصةً لدى سكان بعض المناطق الآسيوية الذين كانوا أكثر تضررًا من وباء عام 2003.

لم تكن تلك الأزمة الأخيرة بخصوص «سارس» هي الوحيدة؛ إذ أدى انتشار «متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد» عام 2002 إلى حدوث معركة دلالية أخرى، بأن يطلق على المرض اسم «متلازمة هونج كونج»، خاصةً وأن الرمز الخاص بالفيروس الذي استخدم من قبل منظمة الصحة العالمية قد حمل أول ثلاثة حروف من الاسم الرسمي الذي يطلق على مقاطعة هونج كونج «منطقة هونج كونج الإدارية الخاصة» ضمن الصين، واختصارها (Hong Kong SAR). وهو الأمر الذي جعل اسم «سارس» بالنسبة إلى الصين، محملًا بالمآسي السيئة.

يشير عالم الأنثروبولوجيا، فريدريك كيك، إلى أن جائحة سارس عام 2003، ساهمت بشكلٍ أو بآخر في إعادة رسم العالم الآسيوي والصين تحديدًا، من جديد؛ إذ أصبح لديهم خبرة كافية لإدارة الكوارث الصحية، ومراكز أبحاث متخصصة في هذا النوع من الفيروسات بالتحديد، إلى درجة جعلتهم يتحولون إلى صائدي فيروسات، بإمكانهم رصدها والتنبؤ بالأزمات القادمة. كان لهذا بالغ الأثر في جعل تعيين قيادات منظمة الصحة العالمية يقع بدعم من بيكين منذ عام 2006. وبالتالي أصبح للقيادة الصينية تأثيرها على منظمة الصحة العالمية. هذا التأثير الذي استخدمته الصين في الجائحة الأخير، بحسب الكاتب، من أجل تجنب تسمية الفيروس المستجد «كورونا ووهان».

«أنفلونزا الخنازير».. تسببت في أزمة دبلوماسية

في 27 أبريل (نيسان) من عام 2009 عقد نائب وزير الصحة الإسرائيلي، يعقوب ليتزمان، مؤتمرًا صحافيًا طارئًا، من مستشفى محلي، ليعلن عن الحالة الأولى من فيروس «H1N1» المعروف باسم «أنفلونزا الخنازير»، لكن في ذلك الوقت قال ليتزمان بتحدٍ: «سنطلق عليها الانفلونزا المكسيكية، لن نسميها أنفلونزا الخنازير»، وذلك على الرغم من أن المرض حينذاك كان قد اكتسب شهرته الشعبية باسم أنفلونزا الخنازير منذ بدء ظهوره.

يقول السفير المكسيكي: «لا أحد يريد أن يرتبط اسم بلاده بمرضٍ مميت».

كانت الذريعة الإسرائيلية حينها هي أن اسم «أنفلونزا الخنازير» مزعج لليهود والمسلمين من ساكني دولة إسرائيل، لأسبابٍ دينية تتعلق بتحريم أكله، بحسب التقرير، هذا بالإضافة إلى المعاملة السيئة التي تلقتها الخنازير بعد الإنتشار الواسع للاسم الشعبي لفيروس «H1N1»، إذ تعرض أغلبها لمذابح جماعية.

وقد كان «المريض صفر» يعيش في قرية مكسيكية بالقربِ من مزرعة صناعية تحتوي على أكثر من 50 ألف حيوان. ولكن أمام هذا  الاقتراح بتسمية أحد الفيروسات المعدية تبعًا للمكان الذي تعود إليه أصوله؛ رد السفير المكسيكي لدى إسرائيل بشكوى رسمية تشجب تسمية الفيروس بالمكسيكي، وتصفها بالخطوة العدوانية، قائلًا إنه لا يفضل أن يرتبط اسم بلاده بمرض مميت وخطير.

(صورة أرشيفية أنفلونزا الخنازير)

في النهاية تراجعت إسرائيل عن اقتراحها بتسمية الفيروس نسبةً إلى المكان، والتصق الاسم المتعارف عليه، «أنفلونزا الخنازير»، بالفيروس الجديد.

«الإيدز».. الاسم الأول جعله أداة للوصم الاجتماعي

عام 1982 أبلغت مراكز الوقاية والسيطرة على الأمراض عن «مجموعة من الرجال المثليين»، كانوا يتمتعون بصحة جيدة وجرى تشخيصهم فجأة بنوع نادر من السرطان، إضافةً إلى نوع من الالتهاب الرئوي يرتبط عادةً بالأشخاص الذين يعانون من ضعفِ جهاز المناعة. في وقتٍ لاحق، سيصبح هذا المرض وباءًا عالميًا، نعرفه باسم «الإيدز» أو فيروس نقص المناعة البشرية (HIV). بالرغم من ذلك، كان المرض يعرف في الأيام الأولى من تفشيه بمرض «نقص المناعة لدى المثليين».

يشير أنتوني هايز، المدير الإداري للشئون العامة والسياسية في جمعية «صحة الرجال المثليين» الخاصة بالأزمات، إلى أن الاسم الخاطئ الذي انتشر في الأيام الأولى من المرض كان له تأثير كبير على النظرة المجتمعية الخاصة للمرض، والتي صورته وكأنه «مرض مثلي». يشير هايز إلى أن ذلك قد أدى إلى تعامل الناس مع مثلي الجنس باعتبارهم حاملي «فيروس نقص المناعة البشرية»؛ مما أدى إلى وصم الرجال المثليين، وقدر هائل من الشعور بالخجل والعار. يؤكد هايز أن تلك الوصمة المجتمعية – بخصوص الإيدز – مازالت تحصد تأثيراتها السيئة حتى يومنا هذا، وتمنع الكثيرين من الخضوع للفحص خوفًا من الوصم والملاحقة بالعار.

«الإيبولا».. نهر الكونغو الذي تحول إلى وباء عالمي

قد تكون سمعت عن «الإيبولا»، هذا المرض المميت، الحمى النزفية الذي عشنا مخاوف تفشيه وتحوله إلى وباءٍ عالمي في سبعينات القرن الماضي، تحديدًا عام 1976. نشأ المرض في قرية صغيرة، «يامبوكو» التي تطل على نهر إيبولا بجمهورية الكونغو الديمقراطية. وعوضًا عن تسمية الفيروس تيمنًا بقرية يامبوكو، قام الدكتور بيتر بايوت، مدير مدرسة لندن للصحة والطب الاستوائي، بإطلاق اسم النهر على الفيروس الجديد.

كان بايوت باحثًا جديدًا تخرج للتو من كلية الطب وقد طالبت بلجيكا بأن تكون جزءًا من لجنة رصد الفيروس الجديد. متحججة بأن الكونغو كانت من مستعمراتها السابقة، حينها طلب من بايوت الذهاب إلى الكونغو ليعمل ضمن خمسة باحثين آخرين على اكتشاف فيروس جديد، وبالفعل تمكنت لجنة دولية مكونة من 45 عضوًا من رصد الفيروس وفتكه وطريقة تفشيه.

(وثائقي مركز مكافحة الأمراض عن تفشي إيبولا 1976)

يشير بايوت في مذكراته إلى أن الطبيب الأمريكي كارل جونسون مدير قسم مسببات الأمراض في «مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها»، هو من كان مسؤولًا عن فيروس إيبولا وتسميته نسبةً إلى نهر الكونغو؛ وذلك بالرغم من اشتهار المرض في أيام انتشاره الأولى بـ«حمى يامبوكو». جادل جونسون لإطلاق اسم النهر على الفيروس، ووصم تلك المستوطنة إلى الأبد، بحسب التقرير.

تشير الكاتبة مادلين ميشال في كتابها «لعنة إيبولا»، إلى أن الغابات المطيرة في غرب أفريقيا، قد تكون خزانًا طبيعيًا لفيروس إيبولا، وأنها السبب الرئيس في تفشي الفيروس الأخير داخل غينيا عام 2013. بالرغم من ذلك حدد العلماء الأوروبيون والأمريكان اسم الفيروس طبقًا لأصوله المكانية؛ لانزعاج أهالي القرية الصغيرة من أن يوصموا بكونهم مصدرًا أصليًا لمرضٍ مميت.

العالم والاقتصاد

منذ 4 شهور
من الكساد الكبير إلى كورونا.. ما الدروس الاقتصادية التي علمها لنا التاريخ؟

المصادر

تحميل المزيد