تفشّت حالة الرعب من فيروس كورونا في كافة أرجاء العالم، لا سيّما وقد تجاوز عدد الإصابات المؤكدة حتى اليوم الرابع من أبريل (نيسان) الجاري، أكثر من مليون و100 ألف حالة، تحسّن منهم ما يقارب 240 ألفًا، في حين تجاوزت الوفيات 62 ألفًا. والأدهى من تلك الأرقام، أن التوقعات تشير إلى استمرار تصاعد كل تلك الأرقام، بمرّها قبل حُلوِها، ولمدة قد تصل إلى أسابيع أو أشهر.

ولأن بصمات السياسة والسياسيين ظاهرةٌ في كل مصيبةٍ جماعية أو فردية، محلية أو إقليمية أو دولية، فلم يكن من الصعب تتبع كيف أسهمت السياسة، ورعونات الساسة، وحساباتهم الضيقة، في تفشي هذا الوباء في أركان الدنيا قاطبة، وفي حالة الهلع الكونية الأكبر في تاريخ البشرية المعروف، والتي سيكون لها ارتداداتٍ هائلة، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.

ولعل ما سنسردُهُ في السطور التالية، يؤكد مجددًا للجميع أنه لا مفرّ من الاشتباك مع السياسة، فهي المبدأ والمُنتهى، كما سيُبرز مدى تغلغل جذور الفساد السياسي في كافة المجتمعات البشرية الحديثة، حتى في بعض البلدان المتقدمة المحسوبة على العالم الديمقراطي الحر. وكيف أن محاولة البعض للاعتصام بالعزلة بعيدًا عن السياسة هي محاولة عبثية، إذ إن كوارث السياسة قادرة على مطاردتنا إلى قلب بيوتنا، وعلى تحويل نظام حياتنا إلى جحيمٍ حقيقي.

سنركز على أربعة أمثلة كان انتشار وباء الكورونا المستجد فيها هائلًا، وكان للسياسة دورٌ بارز في هذا، عندما أضاع قصور النظر السياسي أيامًا حاسمة كان يمكن فيها وأد الوباء مبكرًا قبل أن يحصد أرواح عشرات الآلاف، حتى الآن.

1. الصين.. الأخ الأكبر يراقبك ويتاجر بمعاناتك

ليست تلك المرة الأولى التي يظهر فيها وباء فيروسي مصدره أسواق الحيوانات الحية في الصين، فما حدث في وباء الكوفيد-19 الحالي، هو تكرار صارخ لما حدث عام 2002، عندما ظهر وباء السارس، والذي كان سببه أحد فيروسات أسرة الكورونا أيضًا، واستمر عدة أشهر، فتك خلالَها بأرواح المئات.

في رد فعلٍ متوقع من دولة قمعية مثل الصين، يسيطر عليها الهاجس الأمني، ونظريات المؤامرة الخارجية، كان الشغل الشاغل للقيادة الصينية في الأسابيع الأولى هو إنكار وإخفاء حقيقة وجود الوباء.

كانت الحالات الأولى من الإصابة التنفسية الخطيرة بالفعل في مشافي ووهان الصينية بحلول منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2019، ومع ذلك لم تبلغ الصين منظمة الصحة العالمية بوجود فيروس تنفسي مجهول إلا يوم 31 ديسمبر. وفي اليوم التالي، كانت السلطات مشغولة بما هو أهم من وجهة النظر الأمنية والسياسية الضيقة، إذ كانت سلطات مدينة ووهان تحقق مع ثمانية أطباء من المدينة حذروا من انتشار فيروس تنفسي يشبه السارس على مواقع التواصل.

في الثاني من يناير (كانون الثاني) 2020، تمكن العلماء الصينيون من فك شفرة جينوم الفيروس الجديد، لكنهم لم يعلنوا ذلك للعالم إلا بعد أسبوع، وحينها كانت أخبار الفيروس الجديد قد أصبحت حديث العالم أجمع، وكان شرارة ذلك هو التحذيرات الشجاعة من بعض المواطنين الصينيين في مدينة ووهان بؤرة الفيروس الأولى.

من أبرز أمثلة تلك الإنذارات عندما حذر البروفسور الصيني زو زانجران، والذي يعمل في إحدى جامعات بكين من طريقة تعامل القيادة الصينية غير الشفافة مع وباء الكورونا، وأن حجب المعلومات يساهم في تفاقم الكارثة، لكن السلطات سارعت بحجب مقاله، ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ومنعه من استخدام الإنترنت ومواقع التواصل.

ولا ننسى قصة طبيب العيون الشاب لي وين ليانج (34 عامًا)، والذي حذر مبكرًا، وتحديدًا يوم 30 ديسمبر الماضي، على جروب خاص بزملائه القدامى في كلية الطب من انتشار وباء تنفسي جديد في ووهان، وتسرّبت صور هذا التحذير بين آلاف الصينين على مواقع التواصل، فاعتقلته السلطات الصينية، وأجبرته على كتابة اعتذار عن إثارثه للشائعات والأكاذيب.

التراجيديا وصلت إلى قمتها عندما توفي الطبيب في السابع من فبراير (شباط) الماضي، بمضاعفات إصابته بالالتهاب الرئوي الناجم عن كوفيد-19، ثم تضطر السلطات في مارس (آذار) 2020 إلى رد اعتباره، ومعاقبة المسؤلين الأمنيين المحليين عن سوء معاملته، لا سيَّما وقد تداولت صحف العالم أجمع قصته، وتضحيته.

«لو تحركت السلطات الصينية مبكرًا ضد وباء كوفيد-19، بجدولٍ زمني يسبق ما حدث بثلاثة أسابيع فحسب، لحُفِظَت أرواح أكثر من 95% من الضحايا، ولم يكن الفيروس لينتشر إلا في نطاقٍ جغرافي ضيق» * من دراسة لجامعة ساوث هامبتون البريطانية

هكذا كان العقل السياسي الصيني بادئًا ذي بدء، مشغولًا في الأيام الحساسة الأولى، بحجب وإسكات أخبار الفيروس الجديد، ما أضاع فرصة ثمينة لوأده في المهد قبل أن يخرج من القمقم وينتزع كل تلك الأرواح، ويحدث كوارث اقتصادية وسياسية لا يعلم أحدٌ أين ستصل تداعياتها.

حتى قرب منتصف يناير الماضي، كانت بعض الأجهزة المعنية في الصين تواصل لعبة الإنكار حول كون الفيروس على أعتاب إحداث وباء، إذ أعلنوا باكرًا أنه ينتقل من الحيوان للإنسان فحسب، لكن في 13 يناير لم يعد هذا الإنكار مجديًا أو منطقيً ا، فقد ظهرت أول حالة خارج الصين في تايلاند، ثم بعد أسبوع ظهرت أولى الحالات في كوريا الجنوبية.

صحة

منذ شهرين
كيف نجحت كوريا الجنوبية بدون إجراءات قمعية في السيطرة على كورونا؟

ونتيجة عدم إظهار المعلومات الكاملة للشعب الصيني آنذاك، تجمع عشرات الآلاف من الصينيين في ووهان يوم 18 يناير 2020، محتفلين بالسنة الصينية القمرية الجديدة. ولنحزر معًا كم من الضحايا كان يمكن تجنبه لو لم يحدث مثل هذا التجمع. وهكذا لم توضع ووهان تحت الإغلاق الكلي، ويبدأ التعامل الصيني الواقعي مع الوباء، والذي أدى خلال شهرين إلى احتواء البؤرة الأولى للفيروس بشكل كبير، إلا يوم 23 يناير 2020، بعد يومين من ظهور أولى الحالات على الجانب الآخر من المحيط الهادي، في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا تزال الكثير من الشكوك المنطقية – وغير المنطقية – تحوم حول حقيقة نجاح الصين في السيطرة على الوباء، وكذلك في مدى شفافية أرقام الضحايا التي أعلنتها، لا سيَّما بعد أن رأى العالم الأرقام الرهيبة للضحايا في البؤر اللاحقة للفيروس كإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية، والتي تجاوزت أرقام الصين بفارق كبير، رغم امتلاكها منظومات صحية قوية ومتقدمة.

فمثلًا، ثارت التكهُّنات مؤخرًا عن أن عدد ضحايا الوباء في الصين قد يكون بالملايين وليس الآلاف، إذ لوحظ خلال أشهر الوباء تناقص عدد مستخدمي الهواتف الجوّالة بحوالي 21 مليونًا، بين تقريريْ وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات عن أعداد المستخدمين حتى فبراير 2020. ومن المعلوم أن الهواتف الجوالة لا غنى عنها للمواطنيين في الصين، فمن خلالها يتعاملون إلكترونيًا وماليًا مع معظم خدمات الدولة، ومن أجل الشراء عبر الإنترنت شديد الذيوع هناك، وتُلزمهم القوانين الصينية بإثبات هويتهم الشخصية على الخطوط، من أجل المراقبة والسيطرة.

لكن أحد الخبراء فسر عبر تصريح لوكالة «بلومبرج» هذا الأمر، بامتلاك العديد من العمالة الصينية المهاجرة من ولاية لأخرى لخط خاص بالعمل من الولاية التي يعمل بها، ومع حالة الإغلاق التام، وتوقف معظم الأعمال، ومنع التنقل بين مختلف المقاطعات، قام بعض هؤلاء بإيقاف خطوط العمل لعدم الحاجة إليها ولو إلى حين.

2. إيران.. حيث الإنكار ونظريات المؤامرة

أصبح الكوفيد-19 كابوسًا حقيقيًا مُتجَسِّدًا في إيران، بتفشي الفيروس في كافة المناطق الإيرانية، لا سيما العاصمة الإيرانية طهران، والتي أغلقتْها السلطات الإيرانية بشكلٍ شبه تام، وعزلتها عن باقي المناطق يوم الأربعاء 25 مارس الماضي. ورغم إعلان وزير الصحة الإيراني أن بلادَه قد احتوت الموجة الأولى من الوباء، فإن أرقام الضحايا اليومية، والتي تقدر بحوالي 200 وفاة، وما يقارب الألفيْ إصابة، تثير شكوكًا منطقية في مثل هذا الإعلان.

لا سيِّما وقد كاد العدد الرسمي الكلي للإصابات حتى مساء 25 مارس يبلغ 30 ألفًا، بينما تجاوزت الوفيات الألفين، ثم خلال أيام ثلاثة تالية، قاربت الإصابات 40 ألفًا، والوفيات 3 آلاف. وكان من اللافت أن دفعت تداعيات انتشار الوباء السلطاتِ الإيرانية لأول مرة منذ الثورة الإيرانية عام 1979، طلب المعونة الاقتصادية الدولية.

يتساءل الكثيرون من أصدقاء إيران وأعدائها على حدٍّ سواء عن السبب في تفشي الوباء في إيران، بشكلٍ جعلها من أبرز 10 بؤر له في العالم. يلقي البعض باللائمة على التزاحم الشديد في المزارات الدينية الإيرانية، وعدم التزام العادات الصحية في التجمع، بينما يتهم آخرون الحشود التي سبقت وتخلّلت الانتخابات العامة الإيرانية التي جرت منذ أسابيع، ويصب غيرهم جام غضبهم على العقوبات الدولية لا سيَّما الأمريكية.

في كل الأحوال يمكن اختصار أصل الكارثة في كلمةٍ واحدة: السياسة. إذ تسببت حسابات القيادة الإيرانية الضيقة في فتح المجال واسعًا أمام فيروس الكورونا المستجد لينتشر في طول البلاد وعرضها، بينما انشغلت البروباجندا الرسمية بالترويج لنظريات المؤامرة التي تدعي مسئولية إسرائيل، والولايات المتحدة، عن نشر الوباء في إيران.

«أعتقد أن الحصيلة الفعلية لوفيات فيروس الكورونا في إيران قد تكون خمسة أضعاف المعلَن» *د. ريك برينان،  المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، بعد زيارته لإيران

تأخرت السلطات الإيرانية في حظر الطيران بشكلٍ تام مع الصين، حتى الأسبوع الأول من فبراير الماضي، بعد أكثر من شهر ونصف على ظهور الفيروس، وهكذا قامرت بأرواح الشعب الإيراني من أجل ما رأته حفاظًا على علاقتها الخاصة مع الصين، التي تعد من أبرز الشركاء التجاريين والسياسيين لإيران شبه المعزولة غربيًا وأمريكيًا وعربيًا، بل استمرت بعض الرحلات مع الصين إلى أواخر الشهر.

أعلنت إيران عن أول حالتي وفاة بكورونا في يوم 19 فبراير في مدينة قم، التي تعتبر معقلًا للمراجع الشيعية، وتحتوي الكثير من المراقد والمدارس الدينية المزدحمة عادة، ويقطنها حوالي مليون وربع نسمة. آنذاك لم تكن السلطات الإيرانية قد اعترفت بوجود انتشارٍ وبائي للفيروس في أراضيها، رغم أنه قبل أيام، وأثناء اجتماعٍ لبعض القيادات الدينية مع المرشد الإيراني الأعلى خامنئي، مُنع المدعوون من تقبيل يد المرشد كعادتهم.

عندما أعلن رئيس جامعة مشهد للعلوم الطبية يوم 24 فبراير أن 700 طالب صيني للعلوم الدينية في قم، كانوا على الأرجح سبب الانتشار الكثيف الذي بدأ من قم، سارعت السلطات الإيرانية لحذف هذا التصريح، واستنكاره، خوفًا من أن يغضب الصين، والتي للمصادفة تمتلك استثمارات في البنية التحتية بقيمة حوالي 3 مليار دولار في منطقة قم وحدها. بل ولكسب ود الصين، سارعت إيران لإهدائها مليون قناع طبي، بينما تعاني إيران الآن من نقصٍ شديد في المستلزمات الطبية.

أضاعت السلطات الإبرانية أوقاتًا ثمينة لا سيما في النصف الثاني من شهر فبراير، وتأخّرت في مصارحة الشعب الإيراني بالحجم الحقيقي للوباء، وفي اتخاذ قرارات الحجر الصحي المطلوبة. تسبب هذا ليس فقط في وقوع آلاف الإصابات في كافة المحافظات الإيرانية، إنما أيضًا في وصول كوفيد-19 إلى العشرات من قيادات الصفوف الأولى في البرلمان والحكومة والحرس الثوري وغيرها من مؤسسات الدولة، والذين توفي بعضهم بمضاعفات المرض.

منطقة الشرق

منذ شهرين
بدأ بفيضان وانتهى بوباء.. أبرز أحداث العام الإيراني الأخير

ولعل الطامة الكبرى كانت الانتخابات البرلمانية، يوم 21 فبراير الماضي، والتي أصرت القيادة الإيرانية على إجرائها في موعدها، وذلك لتعزيز سلطتها بعد الهزات السياسية والاقتصادية كالاحتجاجات الواسعة أواخر 2019، وملف العقوبات الأمريكية، إذ لم يُرد المسؤولون الإيرانيون إثارة ذعر الجمهور قبل الانتخابات، وذلك لضمان نسبة مشاركة جيدة فى التصويت.

ثم خسرت السلطات الإيرانية مزيدًا من الوقت الثمين لرفضها أو تأخرها في تطبيق الإغلاق الكامل على مناطق إيرانية عديدة مثل قم، والعاصمة طهران، وذلك لاعتبارات اقتصادية وسياسية ودعائية ودينية غير محسوبة جيدًا.

وهكذا في مطلع شهر مارس الفائت، التقطت الأقمار الاصطناعية صورًا مرعبة لتوسعات هائلة بمئات الأمتار في مقابر مدينة قُم، التي تعتبر العاصمة الدينية لإيران، وكانت أبرز البؤر الأولى لانتشار الوباء في إيران، واستُدِل من ذلك على تفاقم أعداد ضحايا، وتجاوزها للأرقام المعلنة.

3. إيطاليا.. بؤرة الموت الأوروبية الأكثر شراسة

«إن منظومة الوقاية لدينا في إيطاليا هي الأكثر صرامة في أوروبا»*رئيس الوزراء الإيطالي، في تصريح يوم 31 يناير الماضي.

مع نشر التقرير اليومي المؤلم مساء كل يوم، والذي تصدره السلطات الإيطالية عن أعداد ضحايا وباء كوفيد-19 المتفشي في ذلك البلد العريق، لا سيّما في مقاطعاته الشمالية وعلى رأسها لومباردي، يثور سؤال مُلِح: لماذا تمدّد هذا الفيروس بهذا الشكل في إيطاليا، مخلفًا آلاف القتلى، وعشرات آلاف المصابين يوميًا؟

البعض يتحدث عن عوامل مناخية، وآخرون عن الارتفاع النسبي في أعداد كبار السن من مُجمل السكان، إذ أن نصف السكان أعمارهم تفوق 46 عامًا وفريق ثالث عن سمات معيّنة في شخصية الإيطاليين، كحبهم الاجتماع والاختلاط، وعدم الانصياع للأوامر. كل تلك الأسباب السابقة تحمل نصيبًا من المنطق والواقعية، ولكن هناك عامل هام ينساه البعض، وهو سوء تدبير الساسة الإيطاليين، وإضاعتهم أوقاتٍ حسّاسة كان يمكن خلالها السيطرة على الكارثة قبل خروج القطار من القضبان.

أدت رعونة بعض الساسة الإيطاليين، وتهوينهم من شأن وباء كوفيد-19 في الأسابيع الأولى الحاسمة، بفعل حساباتٍ اقتصادية وسياسية قاصرة، إلى أن تطورت الأحوال سلبًا في ذلك البلد الأوروبي الشهير خلال بضعة أسابيع تلت إعلان اكتشاف الحالات الأولى في فبراير الماضي؛ إلى وفاة ما يقارب 10 آلاف مواطن، واضطرار الحكومة إلى الإغلاق التام لكافة أنحاء البلاد لمحاولة احتواء الوباء، لا سيّما في مقاطعة لومباردي الأكثر ثراءً، والتي أصبحت البؤرة الكبرى عالميًا.

إيطاليا في قبضة الفيروس.. كيف تفشى كورونا في شمال البلاد؟

إيطاليا في قبضة الفيروس.. كيف تفشى كورونا في شمال البلاد؟

Geplaatst door ‎Sky News Arabia سكاي نيوز عربية‎ op Zondag 22 maart 2020

 

اغترَّ الساسة الإيطاليون بقوة المنظومة الصحية في إيطاليا، فجاءت القرارات الحازمة في مكافحة الوباء في الوقت الضائع بعد أن خرج الوباء عن السيطرة. كما انشغل بعضهم في بداية الأزمة بتصفية الحسابات السياسية، كما فعل السياسي اليميني المتطرف المعادي للمهاجرين، ووزير الداخلية السابق، ماتيو سولفيني، عندما سارع بمهاجمة رئيس الوزراء الحالي، وعزا – اعتباطًا – انتشار الوباء إلى تساهل السلطات وإنقاذهم المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين من البحر، وجلبهم إلى الأراضي الإيطالية، رغم حقيقة أنه إبان هذا التصريح لم يكن في أفريقيا كلها سوى عدد محدود من الحالات المعلنة يعد على أصابع اليدين.

كذلك كان من أهم عوامل انتشار الفيروس في مناطق إيطالية عديدة، تسرب أخبار قرار الإغلاق الكلي الأول للمناطق الموبوءة عبر بعض المسئولين، مما تسبب في خروج الآلاف من المواطنين – منهم العديد من المصابين – من مناطق الحظر، إلى غيرها، قبل أيام من قرار الإغلاق الكلي العام. كذلك تأخر قرار وقف الرحلات الجوية مع الصين أيامًا، رغم وجود الآلاف من السياح الصينيين في إيطاليا.

كذلك أدى هوس الساسة الإيطاليين بالاقتصاد، وخوفهم من الإضرار بالسياحة، إلى تأخر كارثي في إغلاق البلاد لكبح انتشار الوباء، خاصة في شهر فبراير، وقت أن كانت الحالات تُعد بالمئات وليس الآلاف. وأثارت تصريحات المسئولين الكثير من الاضطراب لدى الجمهور، فدفعت الكثيرين منهم إلى الاستهانة بالوباء، ومواصلة حياتهم الطبيعية دون حذر، لا سيَّما في شمال إيطاليا، حيث المناطق التي أصحبت الأكثر تأثرًا في وقت لاحق.

على سبيل المثال، صرَّح حاكم إقليم لومباردي – الذي أصبح الآن البؤرة الأضخم في العالم لانتشار الوباء – اليميني المتشدد اتيليو فونتانا يوم 25 فبراير الماضي، بأن هناك الكثير من المبالغة بشأن كورونا، وأنه لا يعدو كونَه أنفلوانزا قوية بعض الشيء. بل وفي اليوم التالي، أمر بتخفيف القيود على الأماكن العامة بعد ثلاثة أيام من تطبيقها. كما صرح عمدة ميلان بأنه على الحياة الطبيعية ألا تقف بالكامل، وأطلق حملة بعنوان: «ميلان لا تقف». كذلك شدد رئيس الحزب الديموقراطي زانجريتي على مواجهة هلع الكورونا، ودعا الإيطاليين للتوازن وعدم إيقاف كافة أنشطتهم. وكان من سخرية القدر أن زانجريتي نفسه انضم إلى قائمة المصابين بالكورونا مطلع مارس الفائت.

4. الولايات المتحدة.. تخبطات ترامب القاتلة

وفق الإحصاءات احتلت الولايات المتحدة الأمريكية المركز الثالث في العدد الإجمالي للإصابات 30 ألف حالة، من بينها ما يزيد عن 400 وفاة بفيروس كوفيد-19 حتى يوم 22 مارس  2020، لكن بنهاية يوم الأربعاء 25 مارس كانت تلك الأعداد قد تضاعفت، لتتجاوز الإصابات 65 ألفًا، وتقترب الوفيات من الألف. ثم خلال يومين فحسب، انتزعت الولايات المتحدة الصدارة في عدد المصابين المؤكدين بأكثر من 120 ألف حالة، توفي منها ما يزيد عن الألفين والنصف، لتصل اليوم 4 أبريل إلى ما يزيد عن 300 ألف إصابة و8 آلاف حالة وفاة.

ترامب وكورونا

من المفاجئ – أو غير المفاجئ – أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان حتى أسابيع قليلة يهوّن من قضية الفيروس الصيني كما يحلو له دائمًا تسميته، ما شجع الكثيرين لا سيما من أنصاره على عدم الاكتراث، والتأخر في أخذ احتياطاتهم الصحية ضد الوباء. إذ شكَّك ترامب في معدل الوفيات الذي أعلنته منظمة الصحة العالمية، وأعلنَ أن الرقم الحقيقي أقل بكثير، وأصر دائمًا على تكريس فكرة أن المرض لا يحدث مضاعفات في معظم المرضى.

بل وسبق لترامب خلال فترته الرئاسية، ووفق أجندته الاقتصادية اليمينية، أن سعى لاقتطاع أكثر من 15 بليون دولار من الميزانية الصحية الوطنية، وكذلك تقليل الإنفاق على أنشطة مكافحة الأوبئة الدولية. والآن يشاهد العالم كيف تئن المنظومة الصحية الأمريكية تحت وطأة كوفيد-19، لاسيَّما في عاصمة الرأسمالية، وقلعة الحلم الأمريكي، نيويورك، ويحاول ترامب متأخرًا جدًا استدراك بعض ما فات في الوقت الضائع.

حاليًا، وقد تصدَّرت الولايات المتحدة الأمريكية دول العالم في انتشار وباء كوفيد-19، يصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مفاقمة الأزمة بتدخلاته المستهجَنة في شئون علمية تفصيلية، مما زاد الطين بلة. فقد روَج في مؤتمر صحفي لدواء الكلوروكين كعلاج جامع مانع للكورونا رغم عدم استكمال الجهود البحثية عليه، مما دفع البعض إلى شرائه وتخزينه، بل وتعاطاه البعض من باب الوقاية، وحدثت بعض المضاعفات الخطيرة والوفاة.

كذلك ما انفكَّ ترامب يؤكد على ضرورة عودة الحياة الطبيعية أو أكثرها في أسرع وقتٍ ممكن بغض النظر عن حالة الوباء، وذلك لكبح الأضرار الاقتصادية، التي يخشى من أن تؤدي إلى ضياع بعض المكاسب الاقتصادية الداخلية التي حققتها إدارته، والتي يريد أن يبني عليها حملة إعادة انتخابه أواخر العام الجاري. ومثل هذا قد يُنذر بعدم حدوث انفراجة قريبة في انتشار الوباء، بل قد يتسبَّب في حدوث موجة ثانية من الوباء قد لا تقل فتكًا عن الأولى.

دولي

منذ شهرين
«ذي أتلانتك»: 15 كذبة قالها ترامب خلال أزمة كورونا

المصادر

تحميل المزيد