تقرير يمهد لك التعرف بالتفاصيل عن الحراك السياسي في الجزائر.

شهدت الجزائر مؤخرًا فعاليتين سياسيتين مختلفتين تمامًا من حيث المنطلق، والتركيبة، والهدف. تشترك الفعاليتان في رفع شعار إنقاذ البلاد من الأزمة والتحديات الراهنة؛ فالموالاة حشدت أنصارها بالآلاف في القاعة البيضاوية بالجزائر العاصمة للترويج لمبادرة «الجدار الوطني»، في حين اجتمعت كوادر المعارضة بزرالدة غرب الجزائر العاصمة في مؤتمرها الثاني للتوافق أكثر حول مسار الانتقال الديمقراطي الذي تدعو إليه منذ قرابة السنتين.

ويتفق غالبية المحللين والمتابعين للشأن السياسي الداخلي، أن تيارا واسعا من الشعب يقف على مسافة واحدة من الطرفين بالتجاهل أو الاستقالة في معالجة الشأن العام، ويشترك كل من السلطة والمعارضة في خطاباتهما لصالح تأييد الجيش الوطني الشعبي، الذي يعيش فترة صعبة عبر الحدود المترامية بآلاف الأميال، حيث أكدّ الطرفان على دعمهما المطلق للمؤسسة العسكرية في وظيفتها الدستورية لحماية الأمن القومي للبلد.

عبر هذا التقرير سنتعمق أكثر في دوافع ومبررات المبادرات السياسية لأحزاب الموالاة والمعارضة في الجزائر، وسنرفق خارطة التكتلات السياسية الموجودة حاليًا بالساحة، كما سنحاول تسليط الضوء على مسار المعارضة منذ مؤتمرها التاريخي في يونيو (حزيران) 2014، وما هي الاستحقاقات التي تهدد توافقها؟

السلطة تتباهى بالإنجازات والمعارضة تقاوم

يعتقد عمار سعداني الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني (الأفلان) الحاكم في الجزائر، بأنَّ البلاد بحاجة ماسة للوقوف إلى جانب الجيش الوطني الشعبي، وهو الذي قاد منذ أشهر مسعى لتجميع عشرات الأحزاب، والجمعيات، وإطارات الدولة سابقًا تحت عنوان عريض «التقدم في انسجام واستقرار»، إلا إنَّ مبادرته تغيرت مع الوقت إلى شعار عمر غول رئيس حزب تاج «الجدار الوطني»، هذا الأخير صار الحليف رقم واحد لعمار سعداني.

وكما كان متوقعًا، رفض حزبا التجمع الوطني الديمقراطي (RND) والحركة الشعبية الجزائرية (MPA) الانخراط في مسعى الأفلان، بدليل مقاطعتهم للتجمع الشعبي الذي أقيم مؤخرًا، وهو الغياب الذي يعكس حالة الصراع بين صناع القرار داخل الحكم. هذا الرفض حوَّل الندوة الصحفية الأخيرة لزعيم الأفلان إلى اتهامات خطيرة تجاه أمين عام الأرندي أحمد أويحيى.

وتحول التجمع المنعقد لصالح الموالاة، من شعار الاستقرار والجدار الوطني إلى تمجيد منجزات رئيس البلاد بوتفليقة، ولاحظ ممثلو وسائل الإعلام استخدام كلمة «بوتفليقة» أكثر من كلمتي «الوطن» و«الجزائر»، وهو مؤشر يعكس اختزال البلد ومشاريعه في شخص الرئيس، الذي لا يعرف هل هو في حالة إدراك لما يوظفه من يتكلم باسمه؟

وفي شأن المعارضة، استبعد في وقت سابق السكرتير الأول للأفافاس (جبهة القوى الاشتراكية) التحاق الحزب بتكتل المعارضة في هيئة التشاور والمتابعة، وهو الحزب الذي يتهم السلطة والمعارضة بإفشال مسعاه بتحقيق الإجماع الوطني، الذي يراه البديل الوحيد للخروج من الأزمة.

وكانت السلطة قد رفضت تشكيك الأفافاس في المؤسسات الشرعية للدولة، في حين اعتبرت قوى المعارضة أن مبادرة الإجماع الوطني هي تمييع لنجاح مبادرة الحريات والانتقال والديمقراطي الذي تدعو إليه -حسب تعبير قادتها- في ذلك الوقت.

الشيتة والنفاق.. فزاعة الساسة

يشكل مصطلح «الشيتة» أي الكياسة في الجزائر، ربطًا عميقًا بمحيط رئيس البلاد بوتفليقة، حيث يتهم غالبية النشطاء، ومستخدمو الإنترنت، ووسائل الإعلام الجديدة، السياسيين من أحزاب الموالاة وكل من يسبح في فلك السلطة بممارسة مفرطة للشيتة تجاه رئيس البلاد، وهي الكلمة التي تحولت إلى اللكمة الموجهة إلى كل مدافع عن برنامج وإنجازات السلطة، حتى أنشأ مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي منظمة افتراضية «المنظمة الوطنية لمناهضة الشيتة والشياتين».

في حين يوزع الناشطون تهم النفاق والمتاجرة بالسياسة على المعارضين، يطرح أحد المواطنين بلال بن أحمد إشكالية جوهرية: «كيف للمعارضة التي تتهم النظام بغير الشرعي أن تبقى في البرلمان الذي تقول عنه مزور؟»

التّيار الوطني في قلب الصراع.. والإسلاميون خارج اللعبة

لم يصل الخطاب السياسي بين حزبين متحالفين في السلطة إلى درجة الاتهام بالخيانة مثلما يحدث الآن، وهذا منذ مجيء الرئيس بوتفليقة إلى الحكم عام 1999، فالأمين العام للأفلان عمار سعداني اتهم في تصريحات خطيرة حليفه في التحالف الأمين العام للأرندي بالخيانة ومحاولة استغلال منصب مدير الرئيس للوصول إلى رئاسة البلاد.

في حين فاجأت قيادات الأرندي الرأي العام منذ أسابيع بتصريحات تشبّه فيها حركة مجتمع السلم بتنظيم «داعش»، وسبقتها اعترافات خطيرة تؤكد أن الأرندي ولد بالكلاش (مختصر سلاح الكلاشينكوف) والشكارة (يعني أكياس المال) استمرارا لتصريحات مشابهة أدلى بها الناطق الرسمي السابق للحزب ميلود شرفي «إن حزبه يفتخر بتزوير الانتخابات التي أنقذت مؤسسات البلاد من الانهيار».

وبالمقابل من ذلك، يعيش الإسلاميون أحلك أيامهم بوجودهم خارج اللعبة لأول مرة منذ سنوات الائتلاف الرئاسي وقانون الرحمة منتصف التسعينيات؛ فإخوان الجزائر لم يتعودوا الوجود خارج الحكومة على الأقل بوجود وزراء مستقلين محسوبين عليهم، كما كان في وقت جد قريب أمثال مصطفى بن بادة (وزير سابق للتجارة).

فحتى تواجد حركة البناء الوطني وجبهة التغيير في لقاءات حوار ونقاش مع الأمين العام للأفلان لم تتقبله أقطاب المعارضة، حيث سارع أغلب قادتها إلى شجب السلوك السياسي للحزبين، المتمثل في رجل بالموالاة، ورجل في المعارضة، وضرورة التخلي عن ازدواجية الخطاب تجاه السلطة.

في حين تقدم حركة مجتمع السلم التي كانت في وقت قريب حليفًا رئيسيا في الحكومة، شروطًا تعجيزية للسلطة من أجل العودة إلى أحضانها، زعيم الحركة عبد الرزاق مقري أوضح في الكثير من الخطابات والحوارات بأن حركته لن تعود للحكومة إلا بانتقال ديمقراطي سياسي واقتصادي متفاوض عليه، وفترة انتقالية تفرز حكومتها صناديق الاقتراع بانتخابات شفافة ونزيهة، تشرف عليها لجنة مستقلة لمراقبة الانتخابات، تجسد الإرادة الحقيقية لإصلاحات سياسية في البلد.

كيف تشخص المعارضة الأزمة في الجزائر؟

تتفق تقريبًا كل أقطاب المعارضة على اتهام النظام السياسي والسلطة الحالية بتأزيم الوضع، من خلال استمراريتها وعدم تنازلها وتوافقها مع المعارضة، فعبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم يعالج الأزمة بضرورة توفير ثلاث قيم وهي الحريات والانتقال الديمقراطي السياسي وتنويع الاقتصاد الذي يشمل تطهيره من الفساد، حيث يركز في مختلف تدخلاته وتجمعاته أكثر على غياب وتغييب العمل الديمقراطي، والتضييق على الحريات في قراءته للأزمة.

فعشية المؤتمر الثاني للمعارضة انتقد زعيم حمس وسائل الإعلام التي قارنت بين التجمعين (الموالاة والمعارضة) وقلّل من شأن التغيير الذي سيحدث مباشرة بعد تلاوة بيان المؤتمر، كما حذَّر في كلمته من «المستقبل المجهول للوطن» ولمَّح إلى عمل جهات تسعى بتسليم الوطن إلى الدول الأجنبية والاستمرار على ديمومة ذلك، متهما النظام السياسي في سياق ذلك.

ومنذ أيام قليلة فقط، واصل المرشح السابق للرئاسيات علي بن فليس تشخيصه لأزمة البلاد من زاويته، والتي يختصرها في شغور السلطة من رئيس حقيقي موجود بالمسؤولية، وقال زعيم حزب طلائع الحريات: «الجزائر تمر بأزمة سياسية لا سابقة لها، ليست عفوية ولا ظرفية ولم تظهر من العدم، وهي ناجمة عن منظومة سياسية لم تعد تواكب محيطها وعصرها»، وتساءل من بسكرة الواقعة بالجنوب «أفلا يحق لكم أن تقلقوا لما تلاحظون بأم العين شغور السلطة؟ والفراغ في أعلى هرم الدولة؟».

مولود حمروش، «زعيم الإصلاحات» كما تسميه وسائل الإعلام الجزائرية، هو الآخر يقدم رؤيته لإصلاح الوضع في البلاد على ضرورة إيجاد توافق وطني جديد، فهو يعتبر أن أجيال ما بعد الاستقلال عاشت عبئًا على حرب التحرير وثروات باطن الأرض، كما يعالج رئيس الحكومة الأسبق حمروش الأزمة من زاوية الحريات، حيث صرح مؤخرًا من سطيف الواقعة شرق الجزائر: «لا حظّ للبلاد في أي تنمية إذا بقيت الحريات الجماعية معطلة، أي أن الأحزاب والمجتمع المدني والجمعيات لا تقوم بدورها الأساسي كشريك للحكم في تنمية البلاد».

كما أصدر المحامي والحقوقي علي يحيى عبد النور كتابًا جديدًا (رسالة مفتوحة إلى النظام السياسي الجزائري)، يوضح فيه بأن الأزمة تشمل النظام، ويجب أن يخضع إلى تغيير كلي وليس إلى إصلاح جزئي، كما ينادي في كتابه الجديد بضرورة تبني مطالب تنسيقية الحريات والانتقال الديموقراطي. ويدعو الحقوقي علي عبد النور إلى ضرورة مقاطعة الانتخابات التشريعية المنتظرة العام المقبل 2017 مشيرًا إلى أن مثل هذه المحطات هي التي تنتج وتجدد حيوية النظام نفسه.

هذه هي الخارطة السياسية للمعارضة بالجزائر

من الصعب جدًا تحديد المعارضة وفق المنطق الأكاديمي في المناخ السياسي للجزائر، ولذلك يخضع تصنيف الأحزاب والشخصيات المعارضة لاعتبارات الخطاب السياسي والممارسة المنتهجة والمتبعة في الفترة الأخيرة، وتتشكل المعارضة في البلاد من تكتلات ومسارات كبرى وهي:

هيئة التشاور والمتابعة: وهي التكتل الأكبر للمعارضة في البلاد، حيث يجمع عشرات الأحزاب والشخصيات التي التحقت به في المؤتمر الأول (يونيو (حزيران) 2014) والمؤتمر الثاني (مارس (آذار) 2016)، وهي بدورها تتشكل من ثلاثة أقطاب تتمثل في:

1. تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي: أحمد بن بيتور (رئيس حكومة أسبق)، حركة مجتمع السلم، التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، جبهة العدالة والتنمية، حركة النهضة وجيل جديد.

2. قطب التغيير: طلائع الحريات، حركة الإصلاح الوطني، اتحاد القوى الديمقراطية الاجتماعية وحب الفجر الجديد، فيما انسحب العدل والبيان من المعارضة تجاه تكتل الموالاة في وقت سابق.

3. أحزاب وشخصيات مستقلة: جبهة التغيير، حركة البناء الوطني، التيار الدمقراطي (قيد التأسيس) ومجموعة من الأكاديميين والمؤرخين والإعلاميين والحقوقيين والناشطين.

أحزاب وشخصيات أخرى: ترددت في الحضور إلى ندوات تكتل هيئة التشاور والمتابعة بعد المؤتمر الأول بمزفران، في حين قامت وحاولت إطلاق مبادرات بالساحة السياسية على غرار جبهة القوى الاشتراكية ورئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش، نختصرها في التالي:

1. شخصيات مترددة ومترقبة للوضع: حيث حضر كل من مولود حمروش، سيد أحمد غزالي ومقداد سيفي المؤتمر الأول للمعارضة بمزفران.

2. مجموعة الـ 19: وهي المبادرة التي أطلقها حزب العمال بمعية مجاهدين وروائيين ومفكرين أغلبهم يحمل الفكر اليساري، قائمة الـ 19 طالبت بلقاء رئيس البلاد بوتفليقة من أجل إطلاعه على الوضع الخطير الذي تمر به البلاد، وقوبلت بالرفض لتزول المبادرة من الساحة السياسية.

3. مبادرة الإجماع الوطني: قادت جبهة القوى الاشتراكية، الحزب العريق في المعارضة مبادرة للإجماع الوطني من أجل إيجاد أرضية توافق بين السلطة والمعارضة، إلا إنَّ الحزب تلقى رفضًا من كلا الطرفين وهو ما أفشل المبادرة من البداية.

4. شخصيات دون مبادرات: صنعت هذه الشخصيات الحدث في الآونة الأخيرة لكنها لم تنضم، ولم تطلق أي مبادرة في الساحة أمثال علي بن حاج الرجل الثاني في الفيس المنحل، أميرة بوراوي التي قادت الحركة الاحتجاجية بركات الرافضة للعهدة الرابعة لبوتفليقة.

ما أهم تحديات المعارضة في المستقبل؟

فجّر تصنيف حزب الله باعتباره تنظيما إرهابيًّا من قبل دول الخليج العربي، اتهامات غير مسبوقة تجاه الأحزاب الاسلامية التي ترفض تدخل إيران أو أذرعها في الشأن العربي، فالمجاهد لخضر بورقعة لم يستسغ ترحيب التيار الإسلامي بتصنيف حزب الله بوصفه تنظيمًا إرهابيًّا، ودافع بقوة على هذا الأخير كحركة مقاومة، ووصف الإسلاميين بالدواعش وخدمة الأجانب وعمالة الخليج، مما دفع بورقعة بالابتعاد باعتباره رمزًا ثوريًّا عن المؤتمر الأخير للمعارضة والسباحة في اتجاه تيار لويزة حنون أمينة حزب العمال.

وتعتبر الانتخابات التشريعية المنتظرة العام القادم 2017 إحدى المحطات التي ستحدث خلافات كبيرة بين أطراف المعارضة، فحزب طلائع الحريات وحركة مجتمع السّلم وحركة النهضة والتجمع من أجل الثقافة والديموقراطية تكون قد حسمت خياراتها في المشاركة بالانتخابات، رغم وجود مطلب أساسي وجوهري لدى المعارضة بإنشاء لجنة مستقلة لمراقبة الانتخابات، وهو ما يعني تناقضا بين الخطاب والممارسة لدى أحزاب المعارضة.

كما شدّت كلمة الحقوقي علي يحيى عبد النور انتباه المشاركين بالمؤتمر الثاني للمعارضة، حيث دعا إلى ضرورة تحرير المرأة، وأضاف: «على المرأة أن تتمتع بالحرية الكاملة على سريرها في مضاجعة أي رجل كان»، وهو ما دفع ببعض قادة الأحزاب الإسلامية للخروج من القاعة وعدم سماع كلمته للنهاية.

فالتنوع الأيديولوجي الذي تزخر به المعارضة وتفخر، قد يدفعها إلى خلافات عميقة، خاصة وأن حزبًا مثل التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية تنازل عن خطابه الراديكالي تجاه النظام في الفترة الأخيرة بعد ترسيم اللغة الأمازيغية، في حين يرى البعض أن التنازل بهدف عدم التشويش على مشاريع وزيرة التربية رمعون بن غبريط، ودفعًا لتعديل قانون الأسرة كذلك، وهي مشاريع وقوانين تتوافق وأيديولوجية هذا الحزب المعارض الذي يجلس جنبًا إلى جنب مع الإسلاميين من أجل انتقال ديموقراطي!

المصادر

تحميل المزيد