ميرفت عوف

6

ميرفت عوف

6

يكاد يقتصر ترفيه غالبية الأسر الفلسطينية في قطاع غزة على التنزه على شاطئ البحر فقط، هناك يجد المصطافون من الفقراء وأصحاب الدخل المحدود والمتوسط غايتهم في الترويح عن أنفسهم هربًا من ضيق المنازل وحرها وانعدام خدمات الكهرباء والمياه فيها.

في هذا الصيف سار الحظ السيئ مع الغزيين حتى وصل معهم شاطئ البحر، فقد أصبح الشاطئ قطعة سوداء برائحة كريهة، وذلك بسبب المياه العادمة التي تصرف إليه دون معالجة، نتائج الفحوصات الأخيرة تؤكد أن معظم شاطئ بحر القطاع ملوث، وبالأرقام فقد وصلت نسبة تلوث مياه شاطئ قطاع غزة إلى 73%.

«محمد السايس».. الموت بتلوث مياه البحر

في يوليو (تموز) الماضي، خرج طفل ذو ملامح جميلة من بيته الكائن في حي الزيتون (شرق غزة) برفقة ذويه، وتوجهوا نحو شاطئ بحر منطقة «الشيخ عجلين» غرب مدينة غزة. لعب «محمد السايس» ذو الخامسة من عمره كثيرًا مع شقيقاته اللواتي دللنه لكونه الشقيق الوحيد بينهن، وبعد يوم طويل قضي على شاطئ البحر عاد «محمد» وأفراد عائلته إلى المنزل، وما أن خلدوا لأخذ قسط من الراحة حتى بدأت مظاهر الإعياء عليهم، فنقلوا للمستشفى لتلقي العلاج، نقل «محمد» إلى قسم الاستقبال والطوارئ في مستشفى «الدرة» للأطفال مصابًا بحالة تسمم ووضعه حرج جدًا، عانى من تشنجات واضطراب شديد في درجة الوعي، وبعد يوم واحد من استمرارية العلاج تم إعادة التصوير المقطعي للدماغ وبيَّن وجود استسقاء في الدماغ واحتمال وجود ضرر في جذع الدماغ.

الطفل محمد السايس.

«محمد» الذي لم يتمكن من الحصول على تحويلة علاجية بسبب منع وزارة الصحة برام الله للعلاج توفي بعد بضعة أيام من إصابته، وتحديدًا في 29 من يوليو (تموز) الماضي، لكن أول أمس تأكد أن «تلوث البحر» هو سبب وفاة الطفل، فالأطباء كانوا بحاجة لقراءة التحاليل الطبية الخارجية التي تثبت ذلك، أو تثبت حجم الكارثة التي يعاني منها قطاع غزة، خرجت نتائج الفحوصات لتؤكد أن «محمد» هو: «أول حالة وفاة ناتجة عن تلوُّث مياه البحر في قطاع غزة، بعد إصابته بجرثومة في الدماغ أدت إلى تسممه»، حسب ما جاء في التقرير الطبي، الصادر عن مستشفى الدرة للأطفال بمدينة غزة، فقد أصيب الطفل بتسمم مجهول، بالإضافة إلى متلازمة (داء الشيغيلات) المؤدية للتسمم القاتل والتلف الدماغي.

بدائل لا تعوَّض عن «عشق البحر»

يجول بائع ألعاب البحر بأشكالها المتعددة البهية على الشاطئ، ينال الإنهاك والتعب من جسده، لا أحد يشتري منه، رغم زهد ثمنها وإلحاح الأطفال على آبائهم بالشراء، وذلك لكونها ألعابًا تستخدم داخل المياه، والكل في قطاع غزة يدرك الآن مدى الخطورة التي تسببها السباحة في بحر تلوث «المياه العادمة» 72% منه.

أطفال يلهون على البحر (شبكة القدس الإخبارية).

لقد تهامس الجميع بفجع حول تأكيد وفاة الطفل سابق الذكر بسبب هذا التلوث، الحسرة كبيرة في قلوب الأطفال الذين اصطحبهم آباؤهم إلى البحر بعد تحذير واشتراط بالجلوس فقط على الشاطئ وعدم الاقتراب من المياه، تقول إحدى الأمهات: «لا يستوعبون حقيقة أن البحر ملوّث، يلحون علينا بالنزول إلى المياه، رغم اشتمامهم رائحة المجاري، لذلك علينا العودة مبكرًا إلى المنزل».

ورغم اختيار العائلة السابقة للعودة في محاولة للنجاة من إلحاح أطفالها، اختار الحاج فهد السرسك، أن يصنع بركة سباحة صغيرة على الشاطئ ويضع فيها مياهًا نظيفة، كي تتمكن حفيدته «أروى» من السباحة تجنبًا لمياه البحر الملوثة، فعل ذلك وجلس يستمتع بلهو وفرح الطفلة، يقول الرجل: «البحر متنفسنا الأول والأخير، وإذا كان ملوثًا فعلى الجميع التحرك لتنقيته، وإلا فأهل غزة سيسبحون فيه مهما كان؛ لأنه وجهتهم الأولى والأخيرة للتنفيس عن مشاكل الحياة وأزماتها».

صورة أقمار صناعية تظهر حجم التلوث في بحر غزة.

أما الفلسطيني «عبد الرحمن شكري»، فقرر اتخاذ قرار بالذهاب مع عائلته إلى أحد المنتجعات السياحية، للسباحة في برك المياه النظيفة التي توفرها تلك المنتجعات، فرغم الوضع الاقتصادي السيئ إلا أن الركود الاقتصادي الذي تسبب في انخفاض أسعار المنتجعات والشاليهات المغلقة دفع ميسوري الحال للاستعاضة بها عن الذهاب للبحر، يقول شكري «ما يهمني منح أبنائي فرصة استجمام آمنة، دون مخاطر أو أمراض، وهذا بات شبه مستحيل في الشاطئ الملوث، لذلك مجبر على البحث عن غايتي في أماكن أخرى».

أزمة الكهرباء وراء تحول الشاطئ لمستنقع ملوث

دكن لون البحر الأبيض المتوسط المار بطول أكثر من 40 كيلومترًا في قطاع غزة، وتحول اللون من الأزرق السماوي، إلى الأخضر الداكن القريب إلى السواد، فقد أصبح مجمل الشاطئ مستنقعًا آسنًا وملوثًا بفعل مياه الصرف الصحي غير المعالجة، وبكميات تفوق قدرة أمواج البحر على تجديد المياه وتنقيتها.

صورة تظهر تدفق المياه العادمة إلى بحر غزة.

يعود أصل الأزمة إلى يوم تفاقمت فيه مشكلة الكهرباء بغزة قبل حوالي ثلاثة شهور، حين أصبحت حصة القطاع أربع ساعات يومية من الكهرباء، اضطرت البلديات، وتحديدًا محطات المعالجة، لضخ 110 ألف لتر مكعب يوميًا من «المجاري» في البحر دون معالجة، فعدم توفر التيار الكهربائي ونقص الوقود والذي سبقه منع دخول المضخات وقطع الغيار للقطاع، أسباب أدت لعجز محطات المعالجة في بلديات قطاع غزة عن العمل، فهي في حال انقطاع التيار الكهربائي تحتاج إلى ما يقارب 400 ألف لتر شهريًا من الوقود، ليصبح الحل الوحيد هو التخلص من مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر، وفي مسافات تلامس الشاطئ أو لا تبتعد عنه إلا عدة أمتار.

يقول مدير عام المياه والصرف الصحي في بلدية غزة المهندس ماهر سالم: «شاطئ بحر غزة يواجه مشكلة كارثية في ظل تواصل ضخ كميات هائلة يوميًا من مياه الصرف إلى البحر بشكل مباشر دون معالجة حيث إن قرابة 60% من مياه بحر غزة تعتبر ملوثة بشكل كامل وغير صالحة للسباحة والنزول إليها نتيجة تراكم الأوساخ».

لوحة تحذر من السباحة والصيد.

وقد تناولت دراسة متخصصة صدرت عام 2016م التأثير السلبي لضخ مياه الصرف الصحي في البحر على جودة مياه الشاطئ، وأكدت الدراسة – قبل الأزمة الأخيرة – أن هذا التلوث يؤدي «إلى إصابة المصطافين بالأمراض سببها البكتيريا والفيروسات والطفيليات المعدية، وقد تتراوح حدة الأمراض من خفيفة مثل التهابات الجلد إلى متوسطة مثل التهابات الأذن والعين إلى قاتلة مثل التهاب السحايا»، وتظهر الدراسة وجود مُمْرِضات في مياه بحر غزة مثل المكورات المعوية المقاومة للفانكوميسين والمكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين، والزائفة الجنزارية المقاومة للكاربابينيم والمعويات ذات المقاومة المتعددة.

السمك أيضًا ملوّث

يحرم سكان قطاع غزة المغرمون بأكل السمك أو على الأقل لا يأكلون بـ«نفس مطمئنة» 145 نوعًا من السمك يمنحهم إياه بحر القطاع، إذ إن الصيادين ممنوعون من الوصول للمناطق العميقة في البحر والتي تكثر فيها الأسماك التي تبعد عن تلوث الشاطئ.

صيادون على شاطئ بحر غزة.

لذلك هم مضطرون للصيد في مياه البحر المليئة بالصرف الصحي والتي تشكل خطرًا على الثروة السمكية، يقول أستاذ العلوم البيئية في الجامعة الإسلامية «عبد الفتاح عبد ربه» إن: «المياه الملوثة تكون محملة بمواد مُمرضة مكونة من بكتيريا وميكروبات تتسبب بالأمراض لكافة أنواع الأسماك الموجودة في بحر القطاع، وتعتبر المياه العادمة مأوى للملوثات الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية، وهذه المواد تسبب مشاكل صحية للبيئة البحرية التي تنتقل بعد ذلك للإنسان وتمرضه».
ويضيف «عبد ربه» أن: «المياه العادمة مياه غير نقية، تحمل أتربة وأغبرة تدخل في خياشيم الأسماك فتعيق تنفسها وتسبب مشاكل، بالإضافة إلى الكيماويات، وخاصة إذا كانت مواد سامة، حيث تتركز وتتراكم وتنتقل السموم عبر السلسلة الغذائية للأسماك وتؤثر على صحتها».

«مجاري» غزة تغرق إسرائيل

«رصاصة في الساق.. قرف غزة ينتقل إلينا»، هكذا عنون المحلل العسكري «أليكس فيشمان»، مقاله المنشور في صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبرية، بعد أن اضطرت سلطات الاحتلال لإغلاق شاطئ مدينة عسقلان أمام المصطافين اليهود بسبب وصول مجاري غزة إليها.

شاطئ عسقلان.

ويضيف «فيشمان»: «عندما تقترب في ساعات معينة من معبر إيريز، تكون عرضة لموجات من الروائح الكريهة الصادرة عن القطاع. فالمجاري تغرق غزة وتضخ إلى البحر بكميات هائلة. هذا القرف يرمز أكثر من أي شيء آخر إلى الموقف الإسرائيلي من غزة: لا توجد سياسة، لا توجد تفاهمات، لا توجد مخططات للمستقبل، باستثناء مخططات الحرب. الأمر الأساس الوحيد الذي تفعله إسرائيل تجاه غزة هو أن تطلق النار على ساقها المرة تلو الأخرى».

أما النشطاء الفلسطينيون، فقد عجلوا بالسخرية من قرار السلطات الإسرائيلية إغلاق شواطئها قبالة سواحل منطقتي زيكيم وعسقلان المجاورتين لقطاع غزة، وأطلقوا هاشتاج «حرب المجاري»، «غزوة مجارٍ»، و«نغزوهم ولا يغزوننا».

ونقلت صحيفة «هآرتس» العبرية عن علماء من معهد بحوث المسطحات المائية وعلوم المحيطات في إسرائيل، القول إنهم: «حللوا صورًا التقطتها الأقمار الصناعية الشهر الماضي، بينت وجود نسب عالية من الكلوروفيل، موجودة في أنواع معينة من الطحالب، ويدلل وجودها بكثرة على تركيزات عالية من مياه المجاري»، وحسب الباحثين الإسرائيليين فإن: «المستويات العالية جدًا من الكلوروفيل في بعض الصور، تمتد من الحدود الجنوبية لقطاع غزة حتى المرسى الشمالي في مدنية عسقلان المحتلة».