اجتهدت الأجهزة الأمنية المصرية في السيطرة على القاهرة تمامًا خلال السنوات الثلاث المنصرمة، لإخلائها من أي مظهر يشير إلى أن ثورة عارمة كانت قد اجتاحت هذه العاصمة العتيقة منذ خمس سنوات فقط، حيث لم يعد هناك أثر لمسيرات أو هتافات أو تجمعات ثقافية لشباب غاضبين، أو مهرجانات موسيقية مقامة في الميادين بحرية، كما كان الحال في العامين الأولين من عمر ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، ولا أثر حتى لرسوم «الجرافيتي»، التي رسمُت في ميادين وشوارع القاهرة خلال أحداث الثورة المتتالية تخليدًا لشهدائها، وتعبيرًا عن روحها ووجدان شبابها.

لو أنك من سكان تلك العاصمة، التي يحكم السياسةَ والفنَّ والاجتماعات الشبابية فيها قبضةٌ أمنيةٌ مشددة، واستقللتَ سيارة أجرة خاصة (تاكسي)، أو «توك توكًا»، لتقضي حاجاتك اليومية، خلال الشهرين الماضي، فعلى الأرجح تحدث معك السائق عن تظاهرات 11/11، وعن سوء الأوضاع الاقتصادية في ظل حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

و11 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، أو 11/11 كما يُشار إليه رمزًا، هو اليوم الذي تحشد له جهة ظهرت فجأة تدعى «حركة الغلابة»، تحت اسم «ثورة الغلابة»، تهدف إلى إسقاط النظام الحاكم في مصر، كما تقول عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

ولم يعلن أي فصيل سياسي معروف في مصر تبنيه تلك الدعوة، أو الانضمام إليها، وقد وصفها العديد من المراقبين بأنها «مجهولة النسب».

اللافت في الأمر، أن فئة سائقي التاكسي التي تقول العديد من الشهادات إنها المروج الأساسي لتظاهرات 11/11؛ كانت منذ اندلاع ثورة يناير محسوبة بدرجة كبيرة على الكتلة غير المتعاطفة مع الثورة، ولم يكن مُعتادًا في القاهرة خلال الأعوام القليلة الماضية أن يُبشر سائقو التاكسي تحديدًا بأي حراك معارض.

والمثير للاهتمام، أن تأتي دعواتهم ومحاولات حشدهم الجريئة لتظاهرات 11/11، بعد أن انقطع أي حراك معارض في الشارع المصري منذ أبريل (نيسان) الماضي، على خلفية القمع الأمني.

صورة من القاهرة (مصدر الصورة: العاصمة نيوز)

وكانت آخر الحركات الاحتجاجية السياسية التي شهدتها مصر، في أبريل (نيسان) الماضي، ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، قد واجهتها أجهزة الأمن بقوة مُفرطة، حتى إنها اعتقلت عددًا من الشباب من على المقاهي في منطقة وسط البلد بالقاهرة، قبلها بيوم.

ورغم أن الإعلام المصري يروج لكون جماعة الإخوان المسلمين هي من تمول وتدفع بهذه الدعوات؛ تقول الشهادات المتواترة – والتي سنستعرض بعضها في هذا التقرير – أمرًا آخر، وهو أن معظم المروجين لتظاهرات 11/11، وتحديدًا من فئة سائقي «التاكسي»، يمجدون في زمن الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، لا في زمن حكم الإخوان والرئيس المعزول محمد مرسي، ويُروجون لكون أن الأوضاع ساءت منذ ثورة 25 يناير 2011.

هل يحق لنا أن نؤمن بنظرية المؤامرة؟

«أيام الصراع على الديمقراطية بين عبد الناصر وسلاح الفرسان، كنت بأجر ناس ينزلوا الشوارع في مظاهرات علشان يقولوا تسقط الديمقراطية وتسقط الحرية، وتسقط الحقوق والحريات»، يبتسم ابتسامة كبيرة ترفض أن تتحول إلى ضحكة، ثم يضيف: «طب ده أحيانًا كنا بنقعد في المخابرات نكتب منشورات سياسية ضد الديمقراطية، ونوزعها في الشوارع»، يكمل ابتسامته للنهاية، ويقول مستلهمًا لهجة تسويغ: «هي دي السياسة وهي دي قواعد لعبتها». هكذا حكى عبد الرحمن فريد، وهو مسؤول سابق في المخابرات المصرية بعد حركة الجيش في 1952، عن ذكريات عمله، في فيلم وثائقي على قناة «BBC»، بعنوان «فراعنة مصر المعاصرون: ناصر».

وفي تشيلي، وقبل انقلاب بينوشيه الشهير على سيلفادور أليندي عام 1973، بتخطيط من الولايات المتحدة الأمريكية، شهدت تشيلي إضرابات واسعة وضخمة لمالكي شاحنات النقل، شلّت الاقتصاد التشيلي، فضلًا عن مظاهرات ضخمة لربات البيوت، وحملات إعلامية قاسية روجت لقصص خيالية عن نظام أليندي، قادتها صحيفة «إلميركوريو»، وقد تبين فيما بعد أن كل شرارة أشعلت مظهرًا من هذه المظاهر الاحتجاجية، كان مخططًا لها.

ولنذكر مثالًا أقرب، ومن الوقت الحاضر، حيث تتجه الأنظار الآن إلى انتخابات الرئاسة الأمريكية، وربما تابع المهتمون عن كثب في الأيام الماضية قرار مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي آي)، بإعادة فتح التحقيقات في قضية البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون، وكان ذلك بعد شهور من كشف مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية عن أن الولايات المتحدة قد دعمت بعض الجماعات المتمردة في ليبيا عام 2011، وشاركت في قصف قوات القذافي، ليس لنصرة الثورة الليبية والقيم التي نادت بها، وإنما لقمع محاولة القذافي المتعلقة بصناعة عملة للنقد يكون غطاؤها البنكي من الذهب في أنحاء القارة الأفريقية، وهي الخطة النقدية التي هدَدَّت بشكل مباشر سيطرة فرنسا والفرنك الفرنسي على أفريقيا، وشكّلت تهديدًا أيضًا للدولار الذي لم يعد له غطاء بنكي من الذهب، منذ أكثر من عقدين.

هذه الحوادث وغيرها، تؤكد أنه رغم السمعة السيئة لنظرية المؤامرة، لكنها في بعض الأحيان تتمتع بقدر من الواقعية، وربما قدرة على التفسير، إذا دعمتها الأدلة وتطابق المشاهدات، من ثَمّ فليس غريبًا أن نتساءل عن تظاهرات 11/11، وهل هي دعوة تلقائية، أم مؤامرة مدبرة؟ والمقصود بالمؤامرة هنا، توافق أكثر من مؤسسة، بمصالح مشتركة، في لحظة محددة، على هدف مشترك.

هل هي ثورة رجال الأعمال؟

«اضطرار السلطة السياسية إلى منح بعض الأفراد والهيئات الخاصة الحقَّ في المُساهمة في أعمال المنفعة العامة، أو مساعدة الجماعة في وقت الأزمات، يحمل معه مخاطر تبلور مراكز مستقلة من النفوذ السياسي، لأن الإنفاق يؤدي بالضرورة إلى خلق أتباع مُخلصين، والسيطرة على هذه المسألة تصبح أكثر صعوبة كلما زاد هذا الدور الاجتماعي». – المفكر الاقتصادي الراحل سامر سليمان.

في ورقة بحثية منشورة على مركز كارنيجي للشرق الأوسط، في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، بعنوان مستقبل رأس المال الكبير في مصر السيسي، ذكر الباحث الاقتصادي عمرو عادلي، أن رجال الأعمال الممثلين لرأس المال الكبير في مصر، كانوا دعامة أساسية وقوية لنظام السيسي منذ البداية.

ورصدت الورقة كيف أن نظام السيسي شكل ضغطًا على قطاع من رجال الأعمال بعد ذلك، حيث واجه رأس المال الكبير في مصر تحديات جديدة، من قبيل الضرائب الجديدة، وخفض الدعم الحكومي.

كما وسّع الجيش من دوره الاقتصادي بفضل المنح الخليجية، ودخل قطاعات جديدة في الاقتصاد المصري، واستحوذ على مشروعات اقتصادية ضخمة في مجالات طالما احتكرها حضور رأس المال المدني الكبير.

وأشارت الورقة آنذاك، إلى أن شبكات المحسوبية العتيقة التي تشكلت بين رأس المال الكبير والدولة، في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك يعاد تشكيلها، وأن ثمة لاعبين جددًا بدؤوا يظهرون على الساحة، قد يستحوذون على المعاملة التفضيلية من الدولة، وتهدم بذلك شبكات المحسوبية القديمة.

ولم تكن تلك الورقة البحثية الوحيدة التي تناولت أمر التوتر بين قطاعات من رجال الأعمال والسلطة المصرية، كما أن رجل الأعمال المصري الشهير، نجيب ساويرس؛ كان قد صرح بوضوح في لقاء تليفزيوني، في سبتمبر (أيلول) 2014، قائلًا إن «الجيش له مهام أخرى غير المشروعات، وهي حماية البلاد، والالتفات إلى المصائب التي تحدث في ليبيا والعراق».

وعبّر ساويرس عن غضبه آنذاك من منافسة الجيش للقطاع الخاص، بقوله إن الجيش لديه ميزة ليست لدى رجال الأعمال، وهي أنه «لما بينزل مش مهم التصاريح، ولا بيدفع رشوة، وبيقدر يتخطى المشاكل اللي إحنا عايزين نتخطاها كلنا».

لكن ورقة كارنيجي عادت وأكدت بعد ذلك حينها، أن تلك التحولات في التعامل مع رأس المال الكبير ستكون مؤقتة، وتم اتخاذها بدافع الضرورات الآنية لضبط الاقتصاد، بدرجة تسمح باستقرار الوضع السياسي واستقرار النظام الجديد، لكن لا يمكن للسلطة أن تتخلى عن رأس المال الكبير بوصفه عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد المصري على المدى الطويل، مع العلم أنه ما زال يسيطر على السياحة والاتصالات والإسكان والتجارة والصناعات التحويلية، وكلها قطاعات لا غنى عنها في الانتعاش الاقتصادي المرجوّ.

هذا بالإضافة إلى أن المستثمرين الأجانب، الذين ترغب الدولة في جذبهم لمصر، يفضلون دائمًا الشراكة مع القطاع الخاص، لا مع المؤسسات العسكرية.

ونظرًا لطبيعة العلاقة بين السلطة وبين رأس المال الكبير في مصر، وما تشتمل عليه من شد وجذب في الفترة الأخيرة، ربما يشك البعض في أن من يقف وراء الدعوات لتظاهرات 11/11، هم قطاع من رجال الأعمال الذين يشعرون بأن البساط يُسحب من تحت أقدامهم.

تواصَلَ «ساسة بوست» مع الباحث الاقتصادي أشرف إبراهيم، وطرحَ عليه السؤال، حول ما إذا كان هناك قطاع من رجال الأعمال يشعر بأن النظام يهمشه، ويسعى للانتقام، فأجاب: «تعتبر هذه الفترة من أكثر فترات الوئام بين السلطة ومجموعة رجال الأعمال، فالأشهر الأخيرة تحديدًا أثبتت احتياج كليهما للآخر».

وأكد إبراهيم على أن تراجع الأوضاع الاقتصادية، مع المشاكل الملحة التي تواجه النظام، دفعته إلى انتهاج سياسة التبرعات والمنح والعطايا من قبل رجال الأعمال.

«دعوات التبرع تلك قابلها البعض بالترحاب، والبعض الآخر بالتذمر غير المُعلن، ولكن في النهاية اتفق الجميع على تلبية النداء، فالنظام هو البوابة الوحيدة لتيسير وتسهيل الأعمال داخل مصر»، يقول إبراهيم.

وأوضح الباحث الاقتصادي، أن ما أسماها «نقطة التماس»، التي قد تجعل العلاقات متوترة بين الطرفين، هي «استحواذ المؤسسة العسكرية – المنافس الذي لا يخضع لمعايير المنافسة العادلة – على العديد من الأنشطة الاقتصادية في مصر، وهو ما يقلق معظم الأطراف داخل جماعة رجال الأعمال، ما دفع بعضهم لاقتحام المنطقة المحرمة والحديث عن ذلك بشكل مباشر، مثل رجل الأعمال نجيب ساويرس في أكثر من مناسبة».

وجدير بالذكر هنا، أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد تراجع عن قانون البورصة في عام 2015، بعد أقل من عام على إصداره، رغم احتفاء وسائل الإعلام بالقانون باعتباره «سيفكُّ النحس» عن الاقتصاد المصري، وسيخفض العجز في الموازنة. وكان القانون يقضي بفرض ضريبة 10% على الأرباح الرأسمالية المحققة في البورصة المحلية، وعلى التوزيعات النقدية والأرباح التي تنتج من الاستثمار في الأوراق المالية في الخارج.

وبدا أن تراجع السيسي حينها كان بسبب ضغوط المستثمرين في البورصة، بالإضافة إلى تهديدات المؤسسات الدولية من قبيل مورجان ستانلي. ويُشار إلى أن المستثمرين في البورصة كانوا من الرابحين من قرار تعويم الجنيه الذي اتخذته الحكومة في مطلع هذا الشهر.

يُشار كذلك إلى أنه رغم حديث معظم الخبراء الاقتصاديين حول ضرورة تقييد حرية استيراد السلع الكمالية والترفيهية بعد قرار تعويم الجنيه، إلا أن الدولة لم تقف للقطاع الخاص بالمرصاد، ولم تقيّد هذا النوع من الاستيراد، وإنما اكتفت بتوجيه النصائح للقطاع الخاص بتقليل استيراد هذا النوع من السلع.

هل هو صراع أجهزة النظام؟

صراع الأجهزة هو مفهوم ظهر على السطح في مصر، في أعقاب أحداث الثالث من يوليو (تموز) 2013، ويُقصد به أن النظام بمؤسساته ليس كتلة واحدة متجانسة، رغم ما قد يبدو اتفاقًا على مصالح ومبادئ أساسية، وأنها تختلف فيما بينها، وربما تتصارع على النفوذ.

أخذ هذا المفهوم شرعية أكبر بعد أن تحدثت صحيفة «التايمز» الأمريكية عن أن تعذيب وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في مصر جاء نتيجة لصراع الأجهزة في البلاد. وكانت الإعلامية المصرية لميس الحديدي، المؤيدة للنظام المصري والمقربة منه، قد صرحت بوضوح قائلة إن «الصراع بين الأجهزة في مصر لا يجب أن يكون على جثة هذا البلد».

وفي مارس (آذار) الماضي، كتب الصحافي والمحلل المصري، المقرب من دوائر صنع القرار، عبد الله السناوي، في مقال
بصحيفة الشروق المصرية الخاصة، أن «مصر تشهد أسوأ أنواع صراعات النفوذ، بالقياس لأية مرحلة أخرى في التاريخ المصري الحديث».

واعتقد البعض أيضًا منذ أن انطلقت دعوات تظاهرات 11/11 مجهولة المصدر، أن تلك الدعوات صنيعة صراع المؤسسات الأمنية في الدولة، التي تتنافس سرًا فيما بينها.

وئام مختار، قابلت خلال الفترة الماضية ظاهرة تبشير سائقي التاكسي بتظاهرات 11/11، ثلاث مرات على الأقل، منهم مرتان في يوم واحد، كما تقول.

وتكشف تجربة وئام مختار، باعتبارها مواطنة، وكاتبة وباحثة، ودارسة للاقتصاد والعلوم السياسية؛ عن جوانب هامة في تلك الدعوات.

تخبرنا وئام أن السائقين الثلاثة أثناء حديثهم معها حول 11/11، كانوا يلمحون إلى أن الحياة قبل ثورة 25 يناير 2011، في عصر مبارك، كانت أفضل، وأن اقتصاد البلاد كان مزدهرًا، بعكس أيام حكم السيسي ونظامه.

ما أثار اهتمام وئام أن ساقي التاكسي الثلاثة كانوا يتحدثون في الاقتصاد وكأنهم خبراء فيه، «فهم يمتلكون معلومات تفصيلية في قضايا صعبة، ربما يصعب على دارس الاقتصاد نفسه أن يفهمها»، بل إن أحدهم قدم لها ورقة كتبها بنفسه تحتوي على شرح لتأثير قرار القيمة المضافة على حساب الضرائب في مصر، وكأنها تجلس مع باحث قدير في الاقتصاد السياسي.

كان السائقون يخرجون من تحليلهم الاقتصادي الوافي مع وئام، لينطلقوا من ذلك مباشرة للتبشير بثورة «الجياع والغلابة»، كما يُسمونها، مؤكدين لها أن كل أبناء الأحياء الشعبية سيخرجون في هذا اليوم، وأن عدد المتظاهرين في 11/11 سيدهشها.

وتُشير وئام إلى أنّ حديث سائقي التاكسي معها كان يتضمّن تذمّرًا وذمًا شديدًا، قد يصل لدرجة السباب، في السيسي، كما أنهم وجهوا السب والانتقادات الحادة للنظام، على أنه يبيع الطبقات الفقيرة لصالح التجار ورجال الأعمال الفاسدين، على حد تعبيرهم.

عندما سألنا وئام إن كانت ترى الدعوات للنزول في تظاهرات 11/11 ترتبط بالقرارات الاقتصادية الأخيرة لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وآخرها تعويم الجنيه، أجابت بالنفي، كون الدعوات قد ظهرت بالفعل قبل أن تحدث أية قرارات اقتصادية جذرية كالأخيرة.

وأعربت وئام عن اعتقادها بأن الدعوات لتظاهرات 11/11 تبدو غير تلقائية وغير أصيلة، وأن الانطباع الأول الذي يرد إلى الأذهان حول تلك الدعوات أنها ربما تكون دعوات «إخوانية»، وقد تزامنت تلك الدعوات مع مقطع فيديو «خريج التوك توك» الشهير، ثُم ساد ظن بأن جهازًا سياديًّا هو من يقف خلفها بغية كسب النفوذ، عبر إقناع الرئيس بأن ثمة مؤامرة كانت تدبر ضده لكن هذا الجهاز تصدًّى لها. لكن بمرور الوقت، بدأت الصورة تتضح لوئام أكثر فأكثر، حتى بات مُرجحًا بالنسبة لها – خصوصًا بعد صدور القرارات الاقتصادية الأخيرة – أنّ الدولة تقف خلف تلك الدعوات، عبر أحد أجهزتها الأمنية.

وترجح أن الغرض من الأمر هو «تسويق الرعب من أي تحرك حقيقي على الأرض، يهدف لمعارضة قرار التعويم أو رفع الدعم عن البنزين، بالآليات التي تم بها الأمران».

وأضافت: «فوبيا 11/11 فرصة سانحة للدولة للقبض على أي حد يمشي في الشارع بشكل عشوائي، ومن ثم ننغمس في دوامة جديدة من البحث عن المختفين قسريًا، أو المقبوض عليهم، أو الممنوعين من السفر، وتتجاوز الحكومة رد الفعل وخلاص»، على حد تعبيرها.

وأكّدت وئام على أن العديد من أصدقائها قد تعرضوا لنفس موقف سائقي التاكسي، الذي تعرضت له ثلاث مرات. وقالت: «لو بحثت على فيسبوك بـ«11 نوفمبر»، أو «سواقين التاكسي»، ستجد الكثير يتحدثون عن أنهم لم يعرفوا شيئًا عن 11/11 ولم يسمعوا بها إلا عبر سائقي التاكسي، وستجد عبارات من قبيل (الثورة اللي ما حدش يعرف عنها حاجة غير سواقين التاكسي)».

وما قد يدعم فرضية وئام الخاصة بوقوف الدولة والنظام الحاكم خلف دعوات 11/11، أن الحكومة لم تُؤجل قراراتها الاقتصادية، وبخاصة قرار التعويم، إلى ما بعد 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، لامتصاص الغضب، وإنما استبقت الاحتجاجات المزمعة بقرارات اقتصادية جذرية، يرى العديد من خبراء الاقتصاد أن لها أثرًا سلبيًا على الطبقات الكادحة، على الأقل، على المدى القصير.

«ساسة بوست» يقتحم نوافذ سائقي التاكسي

تحدّث «ساسة بوست» مع اثنين من سائقي التاكسي المُبشرّين بتظاهرات 11/11. كلاهما كان يتحدث بغضب عن سوء الأوضاع المعيشية في الوقت الحالي، والتأكيد على أن الأعداد التي ستشارك في التظاهرات المنتظرة ستكون ضخمة.

واجهنا أحدهما بالشكوك المثارة حول الثورية المفاجئة لسائقي التاكسي، ليُجيبنا بأنه على عكس ما يتوقعه الناس، فإن المظاهرات «بتكون فيها لقمة عيش حلوة للسواقين». شدد السائق أيضًا على أن الأنظمة التي تعاقبت على حكم مصر جميعها «سيئة»، لكن نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك كان أفضل بعض الشيء، كما قال.

وأوضح السائق أن السبب في كل هذا الغضب الآن هو أن الأزمة وصلت إلى «لقمة العيش»، وكما يقول، فإنه «لما تيجي عند لقمة العيش، يبقى أنت خلاص بتموتني»، على حد تعبيره.

المثير في الأمر، أن كلا السائقين، وبعد أن اشتبكنا معهم في الحديث أكثر فأكثر، تركوا الشأن السياسي والاقتصادي، وبدؤوا في الحديث عن الحب والأزمات العاطفية!

أحدهما قال في النهاية إن أزمته العاطفية بسبب حبيبته السابقة، التي اكتشف أنها كانت متعددة العلاقات، هي الدافع الحقيقي لرغبته في المشاركة بتظاهرات 11/11: «علشان كده أنا نازل. أنا عايز أنتحر أصلًا، فخليني أموت شهيد».

هذا الأمر المثير للاهتمام يُذكر بورقة بحثية، أعدها باحث الأنثروبولجيا الألماني ستيفن شترومنجر، حين جاء إلى مصر عام 2014، بصحبة باحثين آخرين لدراسة الحُب والعلاقات العاطفية فيها، وكتب آنذاك: «الشيء المدهش بالنسبة للزائر الغربي لمصر أنه لا يكاد يرى أثرًا للحب، فهو لا يرى تقاربًا جسديًا إلا في القليل النادر، ناهيك عن تبادل القبل على قارعة الطريق. إنك تتحدث مع الناس عن الطماطم التي ارتفعت أسعارها، أو عن السياسة، ثم تكتشف مندهشًا أن ما يشغلهم بحق هو الحب».

عرض التعليقات
تحميل المزيد