«ماذا تعرفون أنتم عن الفقر والجوع والظلم، حتى تتحدثوا عن الحلال والحرام والصح والخطأ؟!» هكذا يبدأ عبد القوي الرجل الأربعيني حكايته وتجربته مع التنقيب عن الآثار، والتجارة فيها بمحافظة أسوان. يسكن عبد القوي في أحد النجوع المحيطة بمدينة إدفو. يقول: «لقد دهستنا الحياة من البدء وحتى المنتهى، وأنتم تتسلون بنا في المسلسلات وتطلقون علينا النكات، أغلب ناس بحري -يقصد سكان القاهرة والوجه البحري- ده اللي يعرفوه عننا».

في البلدة الصغيرة الهادئة التي تقبع جنوب العاصمة بكل صخبها وضجيجها على بعد أكثر من 900 كيلومتر، وتحت شمس أسوان الحارقة التي تُشرق يوميًّا على منازل بعضها بلا سقف منه إلى السماء، والبعض الآخر قرر أصحابه سقفه بالقليل من الجريد وجذوع النخل، في مدينة إدفو التي يعاني نسبة كبيرة من أبنائها، ومن أبناء القرى والنجوع المحيطة بها من الفقر الشديد والجوع، يداعب حلم «الكنز» جفون الجميع وقلوبهم.

يقول شريف محمد -بائع-: «كثيرون من أهل بلدتنا يحترمون من يكونون ثروتهم من بيع الآثار، ناس لقيت كنز في الأرض محدش يعرف عنه حاجة وباعته، وكفت حاجتها وحاجة أسرها، واغتنت وأصبحت من أصحاب التجارة، وشغلت الشباب، كيف لا يكونوا محترمين؟! ناس ربنا فتح عليهم، مش أحسن من اللي بيشتغلوا في المخدرات ولا السلاح، ولا بيتعاملوا مع الشيعة وبياخدوا منهم فلوس؟!».

هنا في الجنوب حيث ينتشر التصوف، تكون إحدى الأسباب التي يُرجع الناس حالات الثراء السريع إليها إما تجارة الآثار أو التعامل مع الشيعة بالخارج، وإن كانت الأولى أهون في نظرهم من الثانية، ويضيف شريف: «الناس هنا بتلاقي الآثار في أماكن محددة، تلاقيهم بيحفروا على طول في الجبانة -يقصد المقابر- وفي مناطق الشرف والبربة».

في يناير (كانون الثاني) من عام ،2015 تمكنت شرطة السياحة والآثار بأسوان من إحباط محاولتي تنقيب عن الآثار داخل منزلين في مدينة أسوان، كما ألقت قوات الأمن بالدقهلية القبض على تسعة أشخاص أثناء قيامهم بالتنقيب عن الآثار بإحدى قرى المحافظة التابعة، حيث اتخذوا منزلاً وقاموا بالحفر بحثًا عن آثار، وتمكنت مباحث السياحة والآثار بالأقصر، بالتنسيق مع مديرية أمن قنا، من ضبط واقعة حفر وتنقيب عن الآثار بمركز أبو تشت.

حفاة على جسر الذهب

نشأ عبد القوي وسط أربعة إخوة، أبوهم مزارع في أرض يمتلكها وإخوته، كان يعمل بها ويوزعون دخلها عليهم، وهو ما كان يكفي الصغار بالكاد لكنه على الأقل يكفيهم شر قسوة الجوع، عندما توفي الأب استولى الأعمام على الأرض، ورفضوا أن يأخذ الصغار وأمهم نصيب أبيهم، وبقوا بلا مصدر رزق يتكسبون منه قوتهم «كنّا فعليًّا نربط الأحزمة على بطوننا لتخفف علينا قسوة الجوع»، ظل عبد القوي هكذا لسنوات إلى أن كبر وملأت رأسه أحلام الثراء والكنوز المدفونة في الأرض التي يمشون عليها.

انطلق الحلم في رأس عبد القوي كما انطلق في رأس يحيى، فقد كانت أسرة يحيى لا تملك من الدنيا سوى عربة خضراوات صغيرة متنقلة، كانت تمثل لهم الستر والرزق، ويبقي الحلم اليومي أن يغطي عائدها المادي نفقات العلاج من الأمراض التي تنتاب الصغار، بلا مراعاة لفقر والدهم وقلة حيلته، والجوع الذي يقرص الجميع على حد سواء، فلا يفرق ولا يخفف جرعته قليلًا على الصغير فقط لأن تألمه من الجوع يذيب كبد الكبار ويفتت قلوبهم.

هكذا كان حال سليمان، الرجل الستيني، والد يحيى، الذي يخرج يوميًّا بجلباب مهترئ وحذاء ذائب بفعل سخونة الطرقات والأسفلت الذي يسير عليه طوال النهار، تحت شمس الجنوب الحارقة، في مدينة إدفو بمحافظة أسوان نشأ أولاد سليمان، كبروا ليجدوا والدهم المسن لا يشتري الناس منه لأنهم يحتاجون خضراواته القليلة، وإنما يشترون في أحيان كُثر شفقة عليه وعليهم.

لم يحتمل يحيى -الابن الأكبر- كثيرًا، قرر أن عليه التحرك، ولا تحرك أمامه بالتعليم الضئيل الذي حصل عليه، عرف أن الأرض التي يقف عليها والتي يؤذيه حرها الشديد، وشمسها التي لا ترحم مليئة بالكنوز أيضًا، فلو وجد قطعة واحدة منها فستتغير حياته هو وأسرته للأبد، فلن يبقي أباه حافيًا، ولا إخوته جوعى، أما القطعة التي يعنيها فهي تلك الآثار، التي يقولون في بلدته الصغيرة إن الأرض تعج بها، مدفونة في الصحاري وأسفل المقابر والمنازل القديمة.

حين تلتقي بالكنز وجهًا لوجه

ظل الحلم حيًّا يقظًا يملأ القلب حماسًا وتأهبًا في نفس يحيى وعبد القوي، لكن كلًّا منهما قد اتخذ طريقًا مختلفًا عن الآخر، فقد سار عبد القوي وراء المشايخ الذين يحددون بقدراتهم الروحية -المزعومة- الأماكن التي يجب أن يتم حفرها للحصول على الكنز، ويحددون أيضًا العمق الذي يجب أن يحفر الحفارون عليه، وظل منتظرًا «اللقيّة»، لكنه لم يجد شيئًا طوال سنوات طويلة من الجري والحفر والأمل والحلم.

أما يحيى فقد اختار أن تكون رحلته مع الحفارين، والحفارون هم مجموعة متعارف عليها في بلدته، كل مهنتهم متمثلة في الحفر، البعض منهم انتهج طريقًا رأوه شرعيًّا بدفن الموتى وكسب العيش من الصدقات، والبعض الآخر قرر أن يكون طريقه هو الحفر بحثًا عن الآثار والكنوز، والبعض الثالث سلك الطريقين، أحدهما في الظاهر والآخر في الباطن، وكان يحيى من الفريق الثاني، سار وراء الحفارين والمشايخ بحثًا عن الآثار والكنوز.

كانت العائلات التي تشك أن في أرضها «كنزًا» مدفونًا، تتفق مبدئيًّا مع «شيخ» لكي يحدد لها «بقدراته الخاصة» مكان الكنز على وجه التحديد، ثم تأتي بمجموعة من الحفارين لكي يحفروا ويقوموا باستخراج الكنز، وهو ما حدث تمامًا مع يحيى، فبعد أن اتفقت معهم العائلة الراغبة في استخراج كنزها بدأ مع زملائه في العمل الدؤوب، حتى وجد أمام عينيه «اللقيّة» التي لم يكن يحلم أن يراها أمام ناظريه يومًا ما، استغل يحيى انشغال المجموعة وانصراف البعض منها، وجمع كل ما وصلت إليه يديه، استولى على الكنز وفرّ هاربًا واختفى.

تزداد الحياة تعقيدًا حينما يقرر عبد القوي أن يعبر خط السكة الحديد، فينغلق القضبان على قدمه أثناء عبوره، ويمر القطار آخذًا معه قدم عبد القوي بلا رجعة، ويصبح الفتى في عشريناته من أصحاب الاحتياجات الخاصة، وسائرًا بساق صناعية بعد أن قرر الأطباء بتر ساقه، «يقولون إن الدكاترة عالجوني غلط، وأن ما كان عليهم بتر ساقي كاملة، لكن حال الدكاترة هنا مش زي بحري، الدكاترة عندهم نقص في الخبرة والإمكانيات، وأحيانًا كتير بيوصفوا علاج يموت الناس بدل ما يعالجوهم، وخدمات الحكومة عندنا زي ما أنتم شايفين، ناس كتير بيوتها من غير سقف، ولا صرف صحي، وساعات المياه كمان مابتوصلش، وعندما نبحث عن الكنوز المدفونة في الأرض، لكي ننقذ نفسنا وأهالينا من العيشة الصعبة المكتوبة علينا، تأتون لتقولون غلط وحرام».

لم يجد عبد القوي أملًا في أن يحصل على قطعة آثار تعوضه عن كل الألم الذي مرّ عليه بحياته، لكنه اتجه للبحث عن الذهب، ففي بعض المناطق بمحافظته كبلدة العدوة، وفي الصحاري يجدون سبائك الذهب في الصحراء، ملقاة على الرمال ويحفرون قليلًا فيجدون أكثر، وجد عبد القوي بغيته هذه المرة، لكن ما وجده لم يتعد نصيبه منه الثلاثمائة جنيهًا بعدما وزعت أنصبة عشرين حفارًا، ولم يسعفه الحظ بأن يجد شيئًا آخر.

أما العائلة التي سرق يحيى -ما ترى أنه كنزها- وهرب فلم تقف مكتوفة الأيدي، أتت بيحيى وأذاقته كل أشكال العذاب والمهانة لكي يقول أين خبأ كنزهم، لكنه ظل رابطًا على لسانه وقلبه، محتملًا ما يتعرض له من شديد الامتهان والعذاب، فقط لأن ما حصل عليه سيبقيه فوق الرؤوس للأبد، ويمكنه أن يموت في سبيله، يئست العائلة من الحصول على أي شيء من يحيى فتركته، ليعود لسيرته الأولى كبائع خضراوات على عربة والده الذي توفي دون أن يتمكن يحيى من تعويضه عن الأيام القاسية التي عاناها.

الحج يحيى.. أما الناس فينسون!

ظل يحيى على عربة الخضراوات لشهور طويلة، حتى يمحي من أذهان الناس ما وصل إليها، ثم اختفى ولا يعلم عنه أحد شيئًا، عاد يحيى بعد ما يزيد على الثلاثة أعوام ومعه الكثير من المال، بدأ يشتري متاجر ومحلات صغيرة وكبيرة يتجاوز سعرها المائة ألف جنيه، ويُملكها لإخوته واحدًا بعد الآخر، لكي يكون المال ملكًا لمجموعة فيقلل من نسبة الشبهات حوله، ولا أحد يسأل من أين أتى بكل هذا وحده،  لأن القصة التي لم يمر عليها زمن طويل كي تُمحى يعرفها الجميع.

في البلدة الصغيرة لا ينادي أحد يحيى بغير «الحج» ورغم أن العقول قد عرفت القصة، ووعتها جيدًا الصدور، إلا أن الرجل في هذه اللحظة يملك الملايين، ويقوم بتشغيل العشرات من شباب البلدة في محلاته وتجارته، ويقيهم شر البطالة والحاجة، وهذا كفيل بأن يدفن القصة كاملة في سراديب الذاكرة، حتى وإن ظلت الألسنة تحكيها همسًا.

في سبتمبر عام 2016، أعلنت وزارة الداخلية أن الإدارة العامة لشرطة السياحة والآثار تمكنت من ضبط أحد الأشخاص، بمحافظة أسيوط، لقيامه بالتنقيب عن الآثار، وبحوزته مجموعة من التماثيل والعملات النقدية الأثرية، وتبين أن المضبوطات عبارة عن خمسة تماثيل من الفخار مختلفة الأحجام والأشكال، وخمسة تماثيل من الفيانس زرقاء اللون مختلفة الأحجام والأشكال، وثلاثة مسارج من الفخار ذات فتحتين من الأعلى مختلفة الأحجام والأشكال، وتمثال من الحجر الجيرى أزرق اللون، وتمثال من البازلت بطول عشرة سم منقوش عليها رسومات بارزة، وتمثال من البازلت الأسود يجلس على قاعدة بطول سبعة سم، وجزء من تمثال من الفخار، ورأس وتاج لأحد التماثيل من الفخار، ونصف علوي من تابوت غير مكتمل الرأس بطول قرابة عشرين سم.

في مسلسل المال والبنون كانت عقدة المسلسل بأكمله متمثلة في أن سلامة فراويلة، والذي قام بدوره يوسف شعبان، وعباس الضو، والذي قام بدوره عبد الله غيث، وجدا نفسيهما أمام كنز من الآثار، قبله فراويلة ورفضه الضو، معلنًا طوال المسلسل المكون من جزأين، على مدار 55 حلقة، أن هذا حرام.

حاول محمد جلال عبد القوي مؤلف المسلسل أن يوضح من خلال عمله الفني، أن الآثار ليست كنزًا من حق من يجده، وإنما هي مال عام، ومن حق الجميع، وأن من يستولي عليها فقد سرق الجميع، وظل عبد القوي يسرد طوال المسلسل في النكبات والمصائب التي تلقي بنفسها على رأس من يقبل هذا المال، بدءًا من فراويلة وأسرته وصولًا إلى كل من يطمع في هذا المال ويمد يده عليه.

لكن أهل خان يوسف عندما كان فرويلة يعطيهم ويتصدق عليهم كانوا يغنون له، وعندما عاد (السُحت)، الذي قام بدوره الفنان الراحل أحمد راتب، والذي كان بينهم حافيًا جائعًا، محملًا بالملايين، استبقوا جميعًا على معرفته والتقرب منه، رغم اشتباه الجميع في مصدر ثروته الفاحشة التي عاد بها بعد سنوات قليلة من الاختفاء، وهو نفس ما حدث مع الحج يحيى.

خيار الحياة: كنز المال أو كنز الصداقة

هنا في أحد النجوع المحيطة بمدينة إدفو تجد أربعة شباب لا يفترقون أبدًا، لا يتجاوز عمر أكبرهم 24 عامًا، أصدقاء وجيران منذ سنوات طفولتهم المبكرة، تربوا في منازل يقف الفقر وراء جدرانها الأربعة، ويطل عليهم من السقف غير الموجود بالأساس، أربعة شباب لأربعة آباء من المزارعين في أراضي الجنوب، يزيد من وطأة الجوع عليهم تأوهات إخوتهم الصغار المطالبين بالطعام، ويزيد من قسوة البرد ارتجاف الأجساد الصغيرة بجانبهم، والذين يقفون هم موقف المسؤول عنهم.

أنهوا تعليمهم المتوسط، وأنهوا خدمتهم العسكرية ليجدوا أن لا شيء آخر أمامهم ليفعلونه، وبدأوا يشكلون فريقًا من الحفارين، هم فقط أفراده، ولا أحد بينهم من خارجهم، كل هدف فريقهم هو أن يصل إلى قطعة آثار واحدة، طال العمل والوقت والجهد المبذول، ومع كل ليلة تمر يطول الأمل أيضًا.

حصل الشباب الأربعة في النهاية على ما يطمحون فيه، وجدوا أخيرًا قطعة الآثار المأمولة، بل وجدوا أكثر من واحدة تغطي أحلامهم وتزيد، وزعوا العائد الذي نالوه على بعضهم البعض، فظهرت عليهم علامات الثراء السريع، ويظهر أحدهم ببلدته الصغيرة التي لا يخفي فيها خبر ولا حدث، بسيارة جديدة تصل قيمتها لمئات الآلاف، ثم يشاهد الناس الأصدقاء يختلفون، يتشاجرون حول تقسيم الغنيمة وينفصلون، ويبدؤون في معاداة بعضهم البعض، إلى الحد الذي يجعل السيارة التي نظر إليها المئات مشدوهين، تُحرق ولا يبقى منها إلا الحطام دون معرفة الفاعل، يفر كل من الشباب الأربعة بأسرته من الثلاث الباقين، يتركون بلدتهم ويتركون وراءهم أيضًا شعورًا لدى كل منهم أن الآخر قد خانه ونصب عليه في «اللقيّة» التي وجدوها.

في أغسطس (آب) عام 2016، أُعدت حملة أمنية للإيقاع بأمين شرطة استغل عمله بوزارة الداخلية للتنقيب عن الآثار بسوهاج، إذ اتفق مع مجموعة من العمال على التنقيب عن الآثار، وأكد لهم أنه سيوفر الحماية اللازمة لهم بحكم طبيعة عمله في الشرطة، إلا أن الحملة أوقعت بالعصابة، وتمكنت من ضبطهم أثناء التنقيب عن الآثار.

قصص الشيوخ مع الكنوز المخبأة

هنا في أقصى الجنوب، يلتجئ الكثيرون لساحات الشيوخ من الصوفية لطلب تفريج الهم، وسعيًا وراء راحة البال، ونبذ الدنيا لو جاز هذا، هنا حيث التصوف هو المنهاج الأقرب للقلب، وآل البيت النبوي الشريف هم الرموز التي يُسعى إليها دومًا، وتسمى المحلات بأسمائهم تيمنًا، وتسمى المواليد بأسمائهم تبركًا، تجد في جانب آخر من هذا بعض الشيوخ الذين يدّعون القدرات الروحية التي تمكنهم من إيجاد الكنوز المخبئة والمدفونة في الأرض، والتي يسعى البعض «الكثير» للحصول عليها.

في مسلسل خاتم سليمان بطولة خالد الصاوي، قدم محمد الحناوي مؤلف المسلسل شخصية سعد البواب، الشخصية القروية الساذجة، والتي كانت تسير وراء من يدعون «المشيخة» و«القدرات الروحية» للتنقيب عن الآثار والبحث عن الكنوز، أملًا في الحصول على الثراء السريع، والبحث المحموم عن الكنوز المفقودة، الشخصية التي تطورت بها أحداث المسلسل لتجد أن لديها مقدرة إجرامية تصل إلى حد القتل، لكنك لا تجد مع ذلك إلا فضولًا يستغرقك لاستكشاف عالم المشايخ هذا الذي سار وراءه سعد كأبله، لا تستطيع تخيل أن هناك مثله في الواقع، لكن الحقيقة أن هناك الكثير منه في الواقع.

يقول محمود -أحد مريدين ساحات المشايخ الصوفية في محافظة أسوان- أن شيخه كان يُحرم تجارة الآثار قطعًا ونهائيًّا، ولا يجيزها أبدًا في أي وقت ولا مع أي حالة إنسانية، لأنها مال عام، «كان شيخنا يقول دومًا أنك لو جدت كنزًا أثريًّا قُدرت قيمته بـ90 مليون جنيهًا فعليك أن تمر على 90 مليون مواطن لتعطي لكل منهم جنيهًا، ثم تأخذ أنت الجنيه الذي يخصك، وإذا لم توف الـ90 مليون حقوقهم فإن جنيهك وإن لم تمد يدك على أكثر منه، مال حرام تمامًا وبلا ريب، ومع تعذر واستحالة أن يمر شخص على كل هذه الملايين أو أن يصل إليهم أساسًا في البلدان المتفرقة، فبالتبعية تكون تجارة الآثار محرمة جملةً وتفصيلًا».

يشرح محمود أن شيخه كان يحاول تقريب المعني للأذهان البسيطة، التي يُحدثها، والتي ربما لم يحظ الكثير منها بأي قدر من التعليم، ربما لن يستطيعوا فهمه لو شرح لهم أن هذا تاريخ، وحق ملايين البشر التي عاشت على هذه الأرض منذ آلاف السنين، وأن هذا تاريخ، وحق الملايين التي حتى لم تولد بعد.

ويشرح محروس -أحد الحفارين- مهام الشيوخ في التنقيب عن الآثار، قائلًا: «الشيخ هو أهم حلقة في منظومة التنقيب، وهو الذي يتولى الأمر من بدايته لنهايته، فهو أساس المصالحة مع الجان اللي بيحافظوا على الآثار، وحماية أرواح الناس اللي بتنقب واللي موجودة في المكان، وتفادي العكوسات اللي ممكن تحصل أثناء عملية التنقيب».

ويوضح قائلًا: «هناك نوعان من الشيوخ: «شيخ روحاني»، «وشيخ علمي» الشيخ العلمي ده بيكون غالبًا دكتور في إحدى البعثات اللي جاية تنقب عن الآثار، ودول بيبقوا أجانب، والناس هنا بتقول عليهم شيوخ، أما الشيخ الروحاني فدول بيبقوا معروفين عندنا بالاسم، وممكن يبقى الشيخ الروحاني مسلم أو مسيحي، ولكل منهم طقوس معينة للقيام بمهمته».

«الشيخ» -في نظر المنقبين من العائلات والحفارين- هو الحلقة الأهم لتلافي «لعنة الفراعنة» التي عرفها المصريون على مدار مئات السنين، والتي فسروا بها كل تلك العقبات والنكبات التي تواجه الباحثين عن الكنوز المخبأة.

ومن أشهر القصص التي تناقلتها بعض الصحف حول تلك اللعنة كانت قصة مفتش الآثار المصري محمد إبراهيم مهدي، الذي طلب منه المسئولون في مصر عام 1970 أن يرسل بعضًا من كنوز الفراعنة إلى باريس لتعرض في المتاحف لفترة بسيطة، ثم تعود إلى القاهرة، إلا أن المفتش توسل إليهم ألا يجبروه على فعل هذا، فقد كان يسمع كثيرًا عن لعنة الفراعنة، وحاول أن يمنع عملية انتقال الآثار للخارج إلا أنه فشل، وفي اليوم التالي الذي وقع فيه عقد المعرض والسماح لـ50 قطعة من آثار توت عنخ آمون للسفر للولايات المتحدة الأمريكية، ولندن دهسته سيارة، ومات.

وعن الطقوس التي يسلكها الشيخ الروحاني (المسلم أو المسيحي) فهي -بحسب كلام الحفارين- تكون بقراءة بعض الآيات من القرآن الكريم، وبعض الأدعية، فيبدأ البعض بقراءة سورة يس عددًا من المرات، و«القسم البرهتي» وهم قسم مكون من قصار السور بالقرآن الكريم، والتي تُقرأ بعدد معين، فقط ليقيم الشيخ علاقة طيبة مع الجان في المكان، وليبدأ في معرفة المعلومات منهم حول العمق الذي عليه الكنز ليقوم الحفارون بالحفر للوصول إليه.

في إحصائية لشرطة السياحة والآثار عن أكثر المحافظات في عدد حوادث التنقيب عن الآثار، تأتي محافظة قنا في المركز الأول، تليها محافظة المنيا وأسوان، ثم الجيزة، فالشرقية، وأخيرًا الوادي الجديد، وهذه الإحصائية تكشف مدى شغف المصريين حتى الآن بالبحث والتنقيب عن الآثار، وفي دراسة بحثية قام بها الدكتور أحمد وهدان مستشار المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ذكر أن هناك 15 ألف قضية تنقيب واتجار في الآثار خلال خمس سنوات، بما يعادل 3000 قضية كل عام.

أما عبد الله، هو أحد الشيوخ بمحافظة أسوان، ليس شيخًا بالمعنى المتداول، فهو شاب صغير السن، يعمل في إحدى الشركات الخاصة، لكنه انتهج التصوف منهاجًا له، تعامل عبد الله مع عدد من الشيوخ الذين يقولون إن لديهم فتح روحاني وقدرات خاصة خارقة، البعض منهم كان يتقي الله، والبعض الآخر لا يصح أبدًا أن يرتدي هذه العباءة، بحسب عبد الله، وقد تعامل عبد الله مع النوعين.

يقول عبد الله: «كنت مع أحد الشيوخ اللي كل عقيدتهم هي القرش والجنيه، اعتبرته شيخي وانخدعت فيه في البدء، إلى أن وجدته يطلب مني أنا واثنين من زملائي أن نأخذ مجموعة من الأوراد والأسماء القهرية، لكي نساعد بعض المنقبين عن الآثار الذين اتفقوا معه سَلفًا، كانت كل وظيفة قراءتنا وأورادنا أن يطلع الكنز من باطن الأرض، وأن يكون على عمق عشرة أمتار فقط بدلًا من مائة متر، في البدء ظننت وزملائي أن هذا الأمر مساعدة للدولة أو لجهة رسمية يعلمها الشيخ، فبدأنا في القراءات، كانت لمدة ثلاثة أيام في أوقات متفرقة من اليوم».

ويضيف قائلًا: «بعد اليوم الثالث ذهب المنقبون للحفر فلم يجدوا أي شيء قد جدّ، وهو ما جعل الشيخ يُعنفنا جدًّا أننا لم نقرأ بكامل طاقتنا، وجدناه يقول إن الناس تتشاجر معه وتطالبه بالمال الذي أخذه منهم، فانكشف الأمر كاملًا، تركناه بماله وما يمت له بصلة، فلسنا جهلاء على أي حال لكي يتم تضليلنا بأن هذا الأمر محلل شرعًا بأي شكل من الأشكال، ولم نمكث وقتًا طويلًا لكي نعرف أن هذا ليس بشيخ متصوف أمين يمكننا أن نسير وراءه».

عرض التعليقات
تحميل المزيد