عندما هبت رياح الربيع العربي على الوطن العربي في عام 2011، خرج قطاع عريض من الشعب اليمني، في احتجاجات شعبية سلمية، كي يُطالب هو الآخر بحقوقه في العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية والإصلاحات السياسية، و«إسقاط النظام» الذي دام ما يزيد عن ثلاثة عقود، ثم توالت الاحتجاجات بدعم طلابي من جامعة صنعاء والقبائل اليمنية التي أيدت ما طالب به المتظاهرون؛ حتى وصلت إلى المطالبة بخلع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، مما أجبر «صالح» في فبراير (شباط) على الإعلان عن عدم ترشحه لفترة رئاسية جديدة، أو نقل الحُكم لابنه من بعده، وذلك قبل أن يرفض المتظاهرون هذه المساومات، ليتطور الأمر ويبدأ الأمن المركزي في استخدام العنف ضد المتظاهرين وقنصهم، برغم تمسك الثوار بضبط النفس، ورفض التخلي عن السلمية؛ الأمر الذي دفع بعض القادة العسكريين وشيوخ القبائل إلى الانضمام إلى مُعسكر الثورة.

تتصاعد الاشتباكات بين القوات الموالية لصالح وعناصر من قبيلة حاشد اليمنية، والتي على إثرها أصيب صالح في هجوم استهدف مسجد القصر الرئاسي، في يونيو (حزيران)، لتُعلن المملكة العربية السعودية (التي سبق وأن استضافت الرئيس التونسي المخلوع إبان الثورة التونسية، زين العابدين بن علي) أن صالح قد قبل عرضها لتلقي العلاج لديها، لكنه وعلى عكس الرئيس التونسي المخلوع، لم يستقر في المملكة، وعاد إلى بلاده بعد إتمام العلاج.

ومع تصاعد الأحداث وعدم تراجع الثوار عن مطالبهم؛ ومن أجل الوقوف على حل لهذه الأزمة السياسية، أُطلقت مبادرة خليجية، في نوفمبر (نشرين الثاني)،  رضخ لها صالح، وعُطِّل بموجبها الدستور، وأصبحت مرجعية دستورية لإدارة البلاد، وتسلم عبد ربه منصور هادي بموجبها رئاسة اليمن، في فبراير 2012.

الموالون للرئيس السابق علي عبد الله صالح في المصالح الحكومية هم من سمحوا للحوثيين بالسيطرة على مراكز الإدارة الحكومية في البلاد، لتسقط صنعاء في النهاية بين أيديهم. *جزء من شهادة الصحافية المستقلة التي عاشت في اليمن سنوات، إيونا كريج.

لكن صالح، الراقص فوق رؤوس الثعابين، كما وصف نفسه هو من قبل، استطاع أن يعود مرة أخرى على الساحة، بعدما قامت قوات من الحرس الجمهوري السابق والتي كان يقودها نجله أحمد، وتدين له بالولاء، بالقتال مع الحوثيين (أعدائه السابقين إبان وجوده في الحكم) ودعمهم بشكل كبير، مما نتج عنه رفْض أوامر القادة العسكريين الموالين للرئيس عبد ربه منصور هادي، الأمر الذي مكّن الحوثيين من إسقاط العاصمة صنعاء، ليهرب الرئيس هادي إلى عدن، ويبدأ التدخل الخليجي بواسطة قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ومشاركة الولايات المتحدة، في مارس (آذار)  2015، بعد طلب الرئيس عبد ربه منصور هادي، التدخل عسكريًا لـ«حماية اليمن وشعبه من عدوان المليشيات الحوثية»، بحسبه.

حرب تكسير العظام هذه، التي لا تزال رحاها دائرة بعد كل هذه السنوات؛ وضعت الشعب اليمني بين «مطرقة» ميليشيات الحوثي و«سندان» قوات التحالف العربي بقيادة المملكة السعودية والإمارات، وتحولت بسببها البلاد من اليمن السعيد إلى اليمن المُخرب، وخلّفت كارثة على المستوى الإنساني، إضافة إلى التدهور الحاد في اقتصاد اليمن، علاوة على تفشي وباء الكوليرا في البلاد.

يحاول التقرير التالي تتبع أصل الحكاية منذ بداية الحرب، ورصد الجرائم المروعة التي ارتكبتها الأطراف المتورطة في الحرب، بحق الشعب اليمني، رغم قلة المصادر المحايدة غير المؤدلجة التي تتحدث في هذا الأمر، فأغلب المصادر كل منها محسوب على تيار بعينه.

طرف الحكاية الأول: جماعة الحوثي وقوات صالح

منذ أن جمعت المصلحة الشتيتيْنِ، بعدما ظنّا كل الظن أن لا تلاقيا، ارتكبت جماعة الحوثي وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، بحق اليمن والمدنيين جرائمَ ضد الإنسانية، ترتقي بعضها إلى جرائم حرب، وانتهى هذا الحِلف بأن قتل الحليف حليفه، بعدما وجد الرئيس صالح ضالته لدى قوات التحالف، أعداء الأمس.

 نحن نزرع الشوك والألغام أيضًا

وفقًا لتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش، المتتابعة منذ عام 2015، وشهادات ناشطين حقوقيين في الداخل اليمني، فإن جماعة الحوثي استخدمت الألغام المضادة للأفراد والمحرمة دوليًا، إذ قامت القوات الحوثية بزراعة الكثير من الألغام الأرضية، بما فيها ألغام محظورة مضادة للأفراد، في العديد من أقاليم اليمن الجنوبية والشرقية؛ والتي من بينها: أبين وعدن ومأرب ولحج وتعز، منذ يوليو (تموز) 2015، الأمر الذي أسفر عن مقتل 23 شخصًا على الأقل وجرح آخرين، بينهم اثنان من العاملين في إزالة الألغام في العام الأول للحرب، وذلك وفقًا لمسؤولي إزالة ألغام ومسعفين وتقارير إعلامية من اليمن، اعتمدت المنظمة على شهادتهم.

فيما قال الناشط الحقوقي اليمني فيصل المجيدي إن الألغام المضادة للأفراد التي يزرعها الحوثيون قد أودت بحياة العشرات، مشيرًا إلى أن مديرية الوازعية الصغيرة في تعز، زُرع فيها وحدها حوالي 200 لغم، وأن الأرقام على أرض الواقع أعلى بكثير من التي ذكرها تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، وتجدر الإشارة إلى أن الألغام الأرضية تُعد كابوسًا مُخيفًا، بسبب ما تُحدثه من عواقب وخيمة، يبقى أثرها بعد انتهاء الحرب، إذ أشار فيصل المجيدي إلى أن اللغم بما يحدثه من قتل وبتر وتشويه أطراف، يكلف حوالي ثلاثة دولارات، بينما يكلف انتزاع لغم أرضي حوالي 300 دولار.

وذكر  أحمد بن شمسي، المتحدث باسم هيومن رايتس ووتش، أن تحريات المنظمة أكدت أن الحوثيين فقط هم الذين استخدموا هذه الألغام، لافتًا إلى أن الألغام التي تعود للثمانينيات؛ تشير إلى كذب نظام علي عبد الله صالح الذي سبق وأن أعلن تخلص اليمن من كل مخزونه من الألغام، مضيفًا أن صالح هو المسؤول الحقيقي عن نقل مخازن الأسلحة للحوثيين.

عملية إزالة لبعض الألغام الحوثية. مصدر الصورة: دويتشه فيله.

وفي تقريرها عن عام 2016، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن خمسة أشخاص أصيبوا بتشوهات بسبب ألغام مضادة للأفراد في تعز، من بينهم يمنيٌّ كان عائدًا إلى منزله مع شقيقه بعد أشهر من النزوح، فيما اعتمدت هيومن رايتس ووتش شهادة منظمة حكومية غير محلية، تقول إن: «الألغام الأرضية قد أدت إلى مقتل 18 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 39 آخرين في مناطق في محافظة تعز حتى أبريل (نيسان) 2016»، فيما قال موظفون طبيون ويمنيون يعملون في إزالة الألغام لـهيومن رايتس ووتش إن العدد الحقيقي لضحايا الألغام الأرضية أعلى من ذلك بكثير، إذ صرح طبيب في شهادته للمنظمة أنه عالج 50 شخصًا بُتر أحد أطرافهم، في تعز خلال النصف الأول من عام 2016.

فيما أكد تقريرها الصادر في 2018، عن الوضع خلال عام 2017، أن الألغام الأرضية التي زرعها الحوثيون تسببت في قتل مئات المدنيين وتشويههم، وكذا أدت إلى تعطيل الحياة المدنية في المناطق المتضررة، ولفت أيضًا إلى أن هذه الألغام ستظل تُشكل – ولفترة طويلة – تهديدًا كبيرًا للمدنيين، بعد انتهاء ويلات الحرب.

السلطة لنا والمدنيون دروع بشرية تذود عنا

أما بخصوص التعرض المباشر للمدنيين، وما لاقوه بعد سيطرة الحوثيين وحلفائهم على صنعاء، فقد أوضحت التقارير الحقوقية أن جماعة الحوثي اتخذوا إجراءات صارمة ضد المعارضة؛ إذ ضُرب المتظاهرون السلميون بالعصي وأعقاب البنادق واعتقل تعسفيًا ما لا يقل عن 46 متظاهرًا، وأن هيومن رايتس ووتش وثقت من بين مئات حالات الاحتجاز القسري التي بلّغت بها منظمات حقوقية يمنية منذ سبتمبر (أيلول) 2014، حالتي وفاة رهن الاحتجاز و11 حالة تعذيب وسوء معاملة، بينها حالة إساءة إلى طفل، وكذا قامت قوات الحوثي وصالح بقمع أفراد المعارضة وإخفائهم قسريًا وإغلاق عشرات المنظمات غير الحكومية، وتعذيب المحتجزين؛ الذين كان بينهم العديد من الناشطين والصحافيين وزعماء القبائل والمعارضين السياسيين وأعضاء الطائفة البهائية.
علاوة على ذلك، قامت قوات الحوثي بمنع ومصادرة المواد الغذائية والإمدادات الطبية، ومنعت وصول المدنيين المحتاجين إليها، وفرضت قيودًا مشددة على العاملين في مجال الإغاثة وتدخلت في إيصال المعونة، مما أدى إلى توقف جماعات تقديم المعونة عن العمل في بعض المناطق، بسبب هذه القيود المعرقلة، الأمر الذي ساهم في تدهور وضع السكان المدنيين بشكل كبير، فيما ذكرت تقارير حقوقية تعرُّض عمال الإغاثة إلى الاختطاف والاحتجاز التعسفي والقتل أثناء مشاركتهم في العمليات الإنسانية في اليمن.

ومنذ بداية الحرب والكر والفر، تواترت أنباء كثيرة، تفيد بقيام جماعة الحوثيين باستخدام مدنيين يمنيين عُزّل بالإضافة إلى سياسيين وصحافيين أسرى لديهم، دروعًا بشرية، وذلك عن طريق نقل هؤلاء الأسرى العُزّل المُختطفين إلى المنشآت العسكرية ونقاط القصف التي تتمركز فيها ميليشيات الحوثي؛ إذ ذكر الناشط والإعلامي اليمني «محمد الضبياني» على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، قصة خطف مليشيات الحوثي لخاله «فايز الضبياني» أحد قيادات الإصلاح الوسطى في محافظة ذمار، ووضْعه في موقع عسكري تابع لهم، لاستخدامه درعًا بشريًا، والذي نجا بأعجوبة كما يقول الناشط اليمني.

وحكى «الضبياني» في عدة تغريدات ما حدث، وكيف قامت ميليشيات الحوثي باختطاف خاله من مدينة ذمار، وإيداعه في بدروم أحد مراكز التدريب التابعة للميليشيات المسلحة، وتعذيبه بالكهرباء، بالإضافة إلى سماعه صرخات المختطفين الآخرين من الزنازين الأخرى، والذين يقول «الضبياني» إن جميعهم كانوا من أعضاء قيادات وأعضاء حزب الإصلاح.

ولفت الضبياني أيضًا في شهادته إلى أن الزنازين الانفرادية التي وُضِع فيها المختطفون، توضح أن هذا المبنى قد أُعد مسبقًا من أجل استخدامه في إخفاء المختطفين قسرًا؛ وغرّد الصحافي اليمني المهتم بالشأن السياسي، «عبد الله السامعي» آنذاك، مؤكدًا استخدام الحوثيين لقيادات حزب الإصلاح دروعًا بشرية؛ ونشر الصحافي والناشط اليمني «مجاهد السلالي» أيضًا حينئذ، أسماء من قال إنهم حرضوا على اختطاف المدنيين العزّل وحبسهم في مخازن السلاح من أجل استخدامهم دروعًا بشرية عند الحاجة، لافتًا إلى أن بشاعة هذه الجريمة تغطي عما عداها من جرائم ارتكبها الحوثي، بحسب قوله.

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، نعى الإعلامي اليمني محمد الضبياني، أخاه أمين الضبياني، الذي لقي حتفه بعد أن استخدمته جماعة الحوثي مع غيره دروعًا بشرية، بعد وضعهم في معكسر للشرطة العسكرية.

من الجبل للعرش.. دليلك المختصر لمعرفة رحلة الحوثيين في اليمن

نيران الحرب المستعرة.. للأطفال نصيب منها

الضرر الهائل والجرائم المرتكبة، كان للأطفال أيضًا نصيب فيها، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ فبداية من عام 2015، زادت عملية تجنيد الأطفال وتدريبهم ونشرهم في المواقع القتالية، بواسطة الحوثيين وجماعات مسلحة أخرى، منها ميليشيات قبلية وإسلامية، إذ جندت هذه الجماعات بحسب اليونيسف 377 طفلًا بحلول أغسطس (آب) 2015؛ أي أكثر من ضعف العدد الذي كانت عليه في عام 2014؛ بينما ذكر التقرير ذاته أن حوالي 398 طفلًا على الأقل قد قُتلوا، وأصيب 605 آخرين بين أواخر مارس وأغسطس نتيجة القتال الدائر في البلاد.

وفقًا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فقد دُمرت حوالي 140 مدرسة، وتضررت 390 أخرى من أعمال القتال حتى 18 سبتمبر. فيما قدّرت اليونيسف أن 3600 مدرسة على الأقل قد أُغلقت، مما يؤثر على تعليم 1.8 مليون طفل.

الجانب الآخر من الحكاية.. عاصفة الحزم الشعواء لم تحصد عِنبًا

لم يكن انقلاب الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، على المملكة العربية السعودية التي آوته وعالجته من إصاباته القاتلة، هو السبب الوحيد الذي دفع المملكة وحليفتها المفضلة في المنطقة العربية الإمارات، لشن هذه الحرب الشعواء التي ارتكبوا فيها بحسب التقارير الموثقة جرائم مروعة ترقى إلى جرائم حرب تمامًا مثل الحوثيين، بل تكاثرت الأسباب التي أدت إلى تورط السعودية وصديقتها الصدوق ومن معهما من دول التحالف، في مستنقع زلق، فلا نصرًا حصدوا ولا مكاسب سياسية جمعوا، بحسب العديد من المحللين، ويومًا بعد يوم، تزداد فاتورة الحرب التي يرى أهل اليمن أن ليس لها من دون الله كاشفة.

رحلة دعم الشرعية: تدمير التجمعات المدنية والمنشآت الصناعية

في مارس 2015، وبعد أن تقدم الحوثيون وحلفاؤهم جنوبًا وباتوا يُهددون مدينة عدن الساحلية، قررت المملكة العربية السعودية ولفيف من الدول الصديقة، شن حرب على الحوثيين وصالح بدعوى دعم شرعية الرئيس هادي، لتبدأ هذه الحرب التي شاركت فيها الولايات المتحدة الأمريكية، بقصف جوي؛ إذ هاجمت طائراتُ التحالف الحوثيين في العاصمة صنعاء والعديد من المواقع الأخرى، هذه الغارات التي استمرت طوال عام 2015 والأعوام التي تليه، علاوة  على المعارك الأرضية في شتى أنحاء البلاد؛ استخدمت فيها قوات التحالف – وفقًا لتقارير دولية – ذخائر  ثقيلة، وفّرتها لها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرها من الدول الأجنبية.

وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقارير متتالية منذ العام 2015، أن عشرات الضربات الجوية التي قامت بها طائرات التحالف كانت عشوائية، وانتهكت قوانين الحرب، وتسببت في سقوط آلاف القتلى والجرحى من المدنيين، واستخدم التحالف أيضًا قنابل عنقودية محظورة بموجب المعاهدات الدولية.

في عام  2015، وثقت هيومن رايتس ووتش العشرات من الغارات الجوية العشوائية التي قام بها التحالف، وتسببت في سقوط ضحايا مدنيين؛ قد يرتقي بعضها إلى جرائم حرب، من بينها: غارة على مخيم للنازحين بالقرب من الحدود اليمنية السعودية، وقع ضحيتها ما لا يقل عن 29 مدنيًا، وأخرى على مصنع ألبان خارج الحديدة راح ضحيتها حوالي 31 مدنيًا على الأقل، وغارة على سوق ومناطق مجاورة لبستان ليمون في مدينة زبيد جنوب الحديدة، قُتل فيها 60 مدنيًا؛ وأخرى  على سوق قروي في مثلث عاهم، جنوب الحدود السعودية قُتل فيها ما لا يقل عن 65 مدنيًا؛ وغارة على منزل في مدينة ميناء المخا وقع ضحيتها حوالي 65 مدنيًا آخرين.

فيما عاينت هيومن رايتس ووتش، في معقل الحوثيين الشمالي، آثار 12 غارة جوية للتحالف، دمرت أو ألحقت أضرارًا بمنازل، وخمسة أسواق، ومدرسة، ومحطة وقود، دون أن يتواجد في هذه الأهداف أي أثر أو دليل على وجود أهداف عسكرية؛ وأسفر هذا القصف عن مقتل 59 مدنيًا، بينهم 35 طفلًا على الأقل.

وذكر تقرير 2016 أن هذه الغارات قد ارتفعت إلى 61 غارة جوية غير قانونية، وتسببت في مقتل ما لا يقل عن 900 مدني، واستهدفت منازل وأسواقًا ومستشفيات ومدارس وشركات مدنية ومساجد؛ من بينها ضربات جوية استهدفت سوقًا مكتظة في شمال اليمن، وقتلت 97 مدنيًا، منهم 25 طفلًا، وأخرى استهدفت مجلس عزاء في صنعاء، سقط فيه 100 مدني علاوة على مئات الجرحي.

وأعربت المنظمة عن قلقها الشديد من أن غارات التحالف المتكررة على المصانع والمنشآت المدنية الاقتصادية الأخرى، تُثير الشك في كون التحالف يتعمد الإضرار بقدرة اليمن الإنتاجية المحدودة؛ إذ حققت هيومن رايتس ووتش في 18 غارة على 14 موقعًا اقتصاديًا، استخدم فيها أسلحة وفرتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وتسببت في مقتل 130 مدنيًا وإصابة 173 آخرين، وأدت إلى توقف الإنتاج في العديد من المصانع.

وبالرغم من تعهد السعودية بتقليص الأضرار المدنية الناتجة عن هجمات التحالف، إلا أن  ھیومن رایتس ووتش، وثقت ستَّ هجمات لقوات التحالف، أسفرت عن مقتل 55 مدنیًا، بینھم 33 طفلًا؛ فيما أسقطت هجمة أخرى 14 شخصًا من نفس العائلة، وفي سبتمبر 2017، أعلن مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (المفوضية السامية) أن الغارات الجوية التي تشنها قوات التحالف تُعد «السبب الرئيس في سقوط ضحايا في صفوف المدنيين».

فيما وثقت هيومن رايتس ووتش على مدار السنوات الثلاث الماضية، استخدام التحالف بقيادة السعودية ستة أنواع من القنابل العنقودية المحظورة على نطاق واسع، في هجمات استهدفت مناطق مأهولة بالسكان، أسفرت عن مقتل وجرح العشرات، وبعد الانتقاد الدولي؛ أعلن التحالف أنه سيتوقف عن استخدام هذه القنابل العنقودية، لكنه لم يلتزم بهذا الإعلان، إذ وقع في مطلع هذا العام هجوم بالقنابل العنقودية، قرب مدرستين محليتين شمال اليمن، تسبب في مصرع مدنيين بينهم طفل.

اليمن في زمن الكوليرا.. حصار وتجويع

بسبب هذا الصراع المسلح، يعاني اليمن من أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم، إذ يوجد ما لا يقل عن 8 ملايين شخص على حافة المجاعة وحوالي مليون شخص مشتبه في إصابتهم بوباء الكوليرا؛ فالقيود التي فرضتها قوات التحالف بقيادة السعودية على الواردات أدت إلى تفاقم الحالة الإنسانية الصعبة؛ إذ قام التحالف بتأخير دخول ناقلات الوقود وإغلاق المواني الهامة، وكذا منع البضائع من الدخول إلى المواني البحرية التي يسيطر عليها الحوثيون؛ بالإضافة إلى منع دخول الوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء في المستشفيات، ومنع ضخ المياه إلى المساكن المدنية، فيما علقت قوات التحالف منذ أغسطس 2016، جميع الرحلات التجارية إلى صنعاء، الأمر الذي تسبب بحسبب الأمم المتحدة في انعكاسات خطيرة على المرضى المحتاجين لعلاج طبي عاجل في الخارج، وتجدر الإشارة إلى أن التحالف قد منع منذ مايو (أيار) 2017، المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها هيومن رايتس ووتش، من السفر إلى مناطق اليمن الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.

مسالخ التعذيب الإماراتية في اليمن: سجون سرية وبرامج تعذيب وانتهاكات جنسية

لقد عذبوني دون أن يتهموني بأي شيء. في بعض الأحيان، أتمنى أن يعطوني تهمة حتى أتمكن من الاعتراف بها لإنهاء هذا الألم. *شهادة أحد المعتقلين في السجون الإماراتية في اليمن.

نشرت شبكة «أسوشيتد برس» الأمريكية، في يونيو (حزيران) عام 2017؛ تحقيقًا مصورًا وثّقت من خلاله وجود 18 سجنًا على الأقل في جنوب اليمن، تدار بواسطة قوات إماراتية بشكل مباشر، أو بواسطة قوات يمنية تلقت تدريبًا إماراتيًا، وتقع هذه السجون في قواعد عسكرية وموانٍ وبعض المطارات والفيلات، وحتى في ملهى ليلي، ممّا يوضح مدى تمدد النفوذ الإماراتي داخل اليمن إلى ما هو أكثر من مُجرد نفوذ سياسي وعسكري؛ فالقوات الإماراتية التي تقول إنها تقاتل نيابة عن الحكومة اليمنية على مساحات واسعة من الأراضي والبلدات والمدن في الجنوب، قد اعتقلت مئات الرجال في شبكة تضم ما لا يقل عن 18 سجنًا سريًا، وعذبتهم – بحسب الروايات التي سردها تقرير الشبكة الأمريكية – بدعوى الاشتباه في أنهم من مقاتلي تنظيم القاعدة أو تنظيم «الدولة الإسلامية»، وقاموا أيضًا باحتجاز العديد من السجناء دون اتهامات أو محاكمات.

وبحسب روايات أدلى بها محتجزون سابقون وأسر سجناء، ومحامون حقوقيون، ومسؤولون عسكريون إلى شبكة أسوشيتد برس، فالسجناء يتواجدون داخل مقار الاحتجاز والسجون السرية التي أسّستها الإمارات في جنوب اليمن، وهُم معصوبو العينين، بأعداد كبيرة، إذ يتم نقلهم في حاويات شحن، جرى تلطيخ جدرانها لأسابيع بنفايات بشرية، قبل أن يتم نقلهم لهذه السجون، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب البدني الوحشي مثل الانتهاك الجنسي، والتعرض للضرب، والربط على آلة للشواء.

كنّا نسمع الصراخ. المكان كله يخيّم عليه الخوف، الجميع تقريبًا مريض، والباقي أقرب إلى الموت، أي فرد يشتكي يتم سوقه مباشرة إلى غرفة التعذيب. *شهادة أحد المعتقلين لوكالة أسوشيتد برس.

فيما ذكرت شهادات أخرى أن أماكن الاحتجاز غير الرسمية والسجون السرية التي تتبع الإمارات، تتواجد في عدن وحضرموت، ويُدار بعضها بواسطة قوات إماراتية، فيما يُدير البعض الآخر قوات أمنية يمنية مدعومة من الإمارات. وكذا ذكرت التقارير الصحافية أن الولايات المتحدة لم تغب عما تفعله الإمارات على الأراضي اليمينة؛ إذ كانت القوات الأمريكية دليلًا للعناصر الإماراتية في استرشاد بعض الطرق لانتزاع الاعترافات من المُتهمين، وذلك عبر قيامها بإرسال عدد من الأسئلة إلى القوات الإماراتية من أجل مواجهة المعتقلين بها، ثم قيام العناصر الإماراتية بإعادة إرسال ملفات ومقاطع الفيديو مرفقة بإجابات للمسؤولين الأمريكيين لفحصها.

ونقل التقرير عن شهود أن الحراس اليمنيين العاملين تحت إشراف ضباط إماراتيين، استخدموا أساليب مختلفة للتعذيب والإذلال الجنسي؛ إذ قاموا باغتصاب معتقلين بينما قام حراس آخرون بتصوير هذه الاعتداءات، وكذلك قاموا بصعق أعضاء السجناء التناسلية، وهتكوا أعراض السجناء بأعمدة خشبية وفولاذية.

فيما أعربت منظمات حقوقية عن مخاوفهم من أن تؤدي مثل هذه الممارسات الوحشية إلى دفع العديد من المدنيين نحو أحضان المتطرفين، الذين ترفع القوات الإماراتية شعار محاربتهم، وكان قائد يمني حالي في الرياض اشترط على أسوشيتد برس إخفاء هويته خوفًا من  انتقام الإماراتيين قد صرح للشبكة الأمريكية قائلًا: «في السجون، يرتكبون أكثر الجرائم وحشية. أصبح الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة طريقة للانتقام من جميع الانتهاكات الجنسية واللواط، إنهم يصنعون داعش في السجون».

المصادر

تحميل المزيد