وقعت تشيلي تحت الحكم العسكري بقيادة الجنرال أوجستو بينوشيه في الفترة بين 1973 وحتى 1990، بعد انقلابه على الرئيس اليساري سلفادور أليندي وحكومته. ورغم أن أصابع الاتهام في تدبير الانقلاب ودعمه تشير إلى الولايات المتحدة، وجهازها الاستخباراتي – «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)» – ضمن خطته للتخلّص من أية حكومة غير حليفة للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، فإن قصتنا ليست عن هذه الخطط الأمريكية، ولكنها عن الجنرال بينوشيه وجرائمه، وعلاقته ببابا الفاتيكان – في ذلك الوقت – جون بول الثاني.

حكايات جرائم الجنرال بينوشيه

ارتكب أوجستو بينوشيه العديد من الجرائم خلال فترة حكمه، فمثلًا تخلص من المعارضين بالنفي خارج البلاد، مثل ما حدث مع حوالي 200 ألف مواطن تشيلي، وهؤلاء محظوظون بنفيهم مقارنةً بنظرائهم ممن اعتُقلوا، وعُذّبوا، وقُتلوا، ومن أشهر جرائم نظام بينوشيه استخدام رجاله للاستاد الوطني – والموجود في العاصمة سانتياجو – كمخيم اعتقال.

وفي مقال منشور بصحيفة «نيويورك تايمز» يروي التشيلي ريني كاسترو قصته؛ إذ ظل معتقلًا في الاستاد لفترة طويلة، ويفسّر لماذا توقف رجال بينوشيه عن استخدام الاستاد كسجن عملاق؛ ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 1973 بدأ المسؤولون في التحضير لمباراة تشيلي المُؤهِّلة لكأس العالم ضد الاتحاد السوفيتي، وكان الفريقان قد تعادلا بدون أهداف في مباراة الذهاب بموسكو، واشتكى السوفيت من موقع مباراة الإياب، قائلين إن الملعب مليءٌ بالدماء؛ فقرر «الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)» التحقيقَ في الأمر.

أُخِذ معظم السجناء، بمن فيهم كاسترو، وأُودعوا قبو الاستاد في اليوم الذي وصل فيه مسؤولو الفيفا، وأُخذوا إلى غرف تبديل الملابس تحت الاستاد؛ حيث لا تُمكن رؤيتهم من الملعب. ويوضح كاسترو أنهم طُلب منهم التزام الصمت، وأنه تُرك سجناء آخرون بالمدرجات في ذلك اليوم، وتذكروا مشاهدة رجال (الفيفا) وهم يقومون بالتفتيش.

«أردنا أن نصرخ ونقول نحن هنا انظروا إلينا!» – يحكي معتقل آخر – و«لكنهم لم يكونوا مهتمين بأمرنا، لقد كانوا مهتمين فقط بحالة أرضية الملعب»، ويسرد المُعتقل قصته في الاستاد: غُطيت عيناه، وتعرَّض لضرب مبرِّح بشكل دوري، وصُعق كهربائيًا «بكميات مهولة»؛ فقط لأنه كان عضوًا في حزب سياسي صغير ضمن تحالف الرئيس المُنقلَب عليه.

Embed from Getty Images

صورة للمقاعد القديمة التي استخدمت في عصر بينوشيه ورُبط بها المعتقلون

وتروي ليليا بيريز – مواطنة تشيلية – قصة اعتقالها لمنظمة العفو الدولية، وتشرح كيف اعتُقلت هي و10 من زملائها في المدرسة ورُحّلوا إلى الاستاد، وهناك قُيدوا في المدرجات، والأسلحة موجهة نحوهم، وتقول ليليا «تفقد الشعور بالوقت سريعًا؛ فالأضواء مضاءة باستمرار، والطريقة الوحيدة التي نعرف بها ما إذا كان الوقت نهارًا أم ليلًا من الطعام الذي يأكله الحراس».

قضت ليليا خمسة أيام من التعذيب والتخويف، وفي الليلة الخامسة ألقيت خارج الاستاد، دون أي تفسير لأخذها أو تركها. «أجبرونا على ارتداء ملابس أشخاص رأيناهم يُقتلون أمام أعيننا.. دخلت الملعب في عمر 16 عامًا، وخرجت وعمري 60 عامًا».

لم يكن الاستاد مخيمَ الاعتقال الوحيد؛ سانتياجو وحدها ضمّت 80 مخيم اعتقال، وأصبح «اختفاء» من اعتبرهم النظام أعداءً له أمرًا اعتياديًا، وبلغت حالات الاعتقال أقصاها في نظام ديكتاتوري عانى منه الشعب التشيلي. ولكن لم تنته قصة ليليا بعد الاستاد؛ إذ دخلت مخيم اعتقال آخر باسم «فيلا جريمالدي»، أحد أشهر معاقل التعذيب للشرطة السرية.

وفي هذه المرة اعتقلت ليليا بعد دخولها الجامعة، واقتحمت الشرطة السرية بيتها هي وحبيبها، وألقت القبض عليهما، وغطوا أعينهما بشريط لاصق كي لا يعرفا المكان، وألبسوهما نظارتي شمس حتى لا يرى المارة في الشارع الشريط على أعينهما، وتحكي ليليا «أخذونا إلى غرفة الاستجواب، وكان فيها سرير معدني بطابقين، وكان هناك معتقل آخر على القمة، وشريكي مقيد بجانب السرير» وتقول: إن الاستجواب كان جماعيًا للثلاثة معًا في نفس الوقت، مع التناوب على صعقهم بالكهرباء، «واستمرت جلسة الاستجواب طوال الليل حتى صباح اليوم التالي».

فيلا جريمالدي كانت من أبشع مخيمات الاعتقال التي أنشئت في عهد بينوشيه؛ تعرض فيها المعتقلون لشتى أنواع العذاب: الصعق بالكهرباء، والتغطيس في الماء، والخنق بالأكياس، والتعليق من الأقدام والأيدي، والضرب المبرِّح، ووصلَ الأمر إلى إجبار المعتقلين على وضع رؤوسهم في دلاء من الفضلات البشرية، واغتصبت العديد من النساء، وقُتل العديد من المعتقلين، ويوضِّح موقع منظمة العفو الدولية أن التقديرات تشير أن حوالي 4500 شخص عبروا أبواب فيلا جريمالدي، ولم يخرج الكثير منهم، وما زال المئات منهم في عداد المفقودين.

هذه هي تشيلي في عصر بينوشيه، وفي مشهد واضح يبدو أنه من السهل فيه اتخاذ القرار الصحيح، يبدو أن البابا جون بول الثاني اختار دعمَ الفريق الخطأ.

البابا يزور الجنرال

تعجب البعض في البداية من زيارة بابا الفاتيكان إلى تشيلي عام 1987، بل استنكروها، على الرغم من أن بعض الحكايات تروي أن هذه الزيارة كانت السبب في أن يقرر بينوشيه إجراء استفتاء لتمديد فترة رئاسته حتى 1990، والذي رفضه الشعب، وأنهى به الحكم الديكتاتوري للبلاد.

وتذكر مصادر مُنحازة للبابا أنه أثناء اجتماعه مع الجنرال سأله بينوشيه لماذا تدعم الكنيسةُ الديمقراطيةَ بما أن أشكال الحكم كلها واحدة؟ فأخبره البابا أن «للناس الحق في حريتهم، حتى لو ارتكبوا الأخطاء أثناء ممارستهم هذه الحرية»، هذه الإجابة دفعت بينوشيه إلى مراجعة نفسه والقيام بالاستفتاء، ولكن للحكاية وجه آخر؛ فوفقًا لـ«بي بي سي»، رفض بينوشيه النتيجة بعد إجراء الاستفتاء، وطلب مساندة حلفائه في القيادة العسكرية ليظلّ في السلطة، لكنهم رفضوا طلبه ولم يدعموه، وهذه المعلومات بحسب تقرير من «أرشيف الأمن القومي الأمريكي».

وهنا لا بدّ عن توضيح أن بينوشيه، وعلى الرغم من حكمه الديكتاتوري، لم يستطع أن يحكم البلاد دون دعم حلفائه في المؤسسة العسكرية، سواء في الجيش أو القوات الجوية، ولذا لم يستطع رفضَ نتيجة الاستفتاء، وقبل بالأمر الواقع، وبالطبع هذا يقلل من أهمية محادثته التي رققت قلبه مع البابا، ولكن فقدانه لدعم المؤسسة العسكرية هو ما اضطره إلى قبول النتيجة، وما زالت العديد من المعلومات تتكشف عن بينوشيه وحكمه العسكري؛ فالتقرير الخاص بأرشيف الأمن القومي لم يصبح متاحًا للعامة إلا في 2013، على الرغم من وفاة بينوشيه نفسه عام 2006.

وعلى الرغم من أن الكلمات التي قالها البابا تحمل معنىً قويًا، فإن الرسالة التي أوصلتها صورتهُ مع بينوشيه كانت أقوى، واقفًا إلى جانب الديكتاتور مُطلين من شرفة القصر. وما كان أقوى من الرسالتين السابقتين هي الرسالة التي أرسلها البابا إلى مجلس اللوردات في إنجلترا ليطلب الشفاعة لبينوشيه.

مقطع مصوّر يُظهر بابا الفاتيكان، جون بول الثاني، مع الديكتاتور التشيلي أوجستو بينوشيه، في القصر الرئاسي التشيلي بالعاصمة سانتياجو. ويظهر في المقطع خروجهما من شرفة القصر معًا

فبعد الاستفتاء عامَ 1988 تركَ بينوشيه كرسي الرئاسة، ولكن تمسك بكرسي القيادة العامة للجيش حتى عام 1998، ثم ترك البلاد وذهب إلى بريطانيا، حيث ألقي القبض عليه بلندن في العام نفسه بناءً على طلب الحكومة الإسبانية، وذلك لتسليمه إلى المحاكمة لارتكابه «جرائم الإبادة الجماعية والإرهاب»، والتي كان من ضمن ضحاياها مواطنون إسبان، وتسبّبت هذه الحادثة في توتر العلاقات بين تشيلي وبريطانيا، وطالبت تشيلي بتسليم بينوشيه ليُحاكم في بلده.

ومع انتظار بينوشيه لقرار مجلس اللوردات البريطاني إذا ما كان سيُرحّل إلى إسبانيا أم لا، تفاجأ التشيليون بخطابٍ من الفاتيكان موجه إلى مجلس اللوردات، يطلبُ فيه البابا عدم ترحيل بينوشيه إلى إسبانيا «لأسباب إنسانية»، وحتى لا تؤثّر محاكمته على «عملية المصالحة الوطنية» في تشيلي، مع تأكيد أخير على أن محاكمته مسألة «تخص السيادة التشيلية». وأوضح المتحدث باسم الفاتيكان في ذلك الوقت أن «الكرسي الرسولي يدعم المصالحة الوطنية في كل مكان، بما في ذلك تشيلي»، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الكثير من التشيليين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

الصورة لأهالي المختفين يحملون صور المخطوفين من نظام بينوشيه. المصدر: ويكي

في تشيلي ردّت منظمة تمثل أهالي «المختفين» في خطابٍ موجه إلى البابا، يقول «لا يمكن للكنيسة الكاثوليكية أن تُعلّم أن قتل وإخفاء وتعذيب آلاف المعارضين يمكن أن يكون جريمةً تُترك بدون عقوبة»، وفي الأرجنيتن، التي عانت هي الأخرى من ويلات الحكم العسكري الديكتاتوري، أرسلت منظمة «أمهات بلازا دي مايو»، وهي المنظمة الأشهر لأهالي عشرات الآلاف من ضحايا النظام، رسالةً إلى البابا تقول فيها «نخاطبك كمواطن عاديّ؛ لأنّا نرى أنه من الضلال أن تقرر باسم المسيح طلبَ الرأفة بقاتلٍ، من عرش البابوية في الفاتيكان، دونَ أن تعرف أو تعاني بنفسك الوخز بالكهرباء، والتشوهات الجسدية، والاغتصاب».

انتهت قصة بينوشيه بإرساله إلى تشيلي بعد فترة بسبب سوء حالته الصحية، بعد أن كان في الإقامة الجبرية بلندن، وفي البداية قررت محكمة الاستئناف في تشيلي تجريد بينوشيه من الحصانة لملاحقته قضائيًا، وأمرت بمحاكمته، ولكن في 2001 صوَّتت محكمة الاستئناف في سانتياجو لصالح تعليق الإجراءات ضده، على أساس أنه غير لائق عقليًا للمثول أمام المحكمة، وفي عام 2002 قضت المحكمة التشيلية العليا بتعليق الإجراءات ضده نهائيًا.

ومع ذلك عامَ 2004 جردته محكمة الاستئناف من الحصانة؛ ما مهَّد الطريق إلى محاكمته بتهم متعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة حكمه، وعلى الرغم من سقوط حصانته، لم يقف بينوشيه يومًا ليحاسب على ما فعله من جرائم؛ إذ تدهورت حالته الصحية، ولم تجده المحكمة في حالة تسمح له بالوقوف أمامها؛ ليموت ديكتاتور تشيلي الشهير الجنرال أوجستو بينوشيه في ديسمبر (كانون الأول) 2006 وهو «غير مذنب»، على الأقل في أعين القضاء، وربما في عين بابا الفاتيكان.

علوم الثورة

منذ سنتين
قصة «أمهات المختفين» اللاتي قهرن الحكم العسكري في الأرجنتين!

المصادر

تحميل المزيد