وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. – سفر أعمال الرسل 4:32

مفارقة بدت مثيرةً للدهشة، تحدث أمامنا الآن، لم يلاحظها الكثير، فمنذ أكثر من نصف قرن، أثناء الحرب الباردة بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، أعلن رئيس وزراء بريطانيا السابق، ونستون تشرشل، أمام الآلاف من الجماهير المحتشدة، في إحدى الجامعات الأمريكية، وبرفقة قادة العالم الغربي، أنه «في كل مكان بالعالم رسخ الطابور الخامس من الشيوعيين أقدامهم، وباتوا يشكلون خطرًا وتحديًا حقيقيًّا على الحضارة المسيحية».

المفارقة أنه بعد ربع قرن من سقوط جدار برلين، وإعلان العديد من المفكرين الليبراليين عن نهاية التاريخ، وأن الشيوعية ماتت إلى غير رجعة، ولن يبقى في العالم سوى اقتصاديات السوق الحر، بات الرجل -ربما الأهم في العالم المسيحي- البابا فرنسيس بابا الفاتيكان، وهو رأس الكنيسة الكاثوليكية التي يتبعها 1.2 مليار مسيحي في العالم، متهمًا بأنه شيوعي.

وفي يوم الجمعة الماضي، السادس من مايو (أيار) 2016، أحرج هذا البابا قادة الاتحاد الأوروبي، الذين حضروا إلى الفاتيكان؛ حيث دعاهم إلى تغيير النظام الاقتصادي الذي يسود العالم، والذي وصفه البابا بأنه «نظام غير منصف».

بعد كل هذه الأعوام من اتهام الشيوعية بأنها العدو الأكبر للديانة المسيحية، اليوم صار البابا الذي تسخر منه بعض الصحف اليمينية، وتطلق عليه لقب «آية الله فرنسيس»، سخريةً من أحاديثه حول حقوق المستضعفين في العالم، والتشابه بين هذا الحديث وأحاديث آية الله الخميني؛ متهمًا بأنه هو نفسه شيوعي؛ يعزف كلماته على الترانيم الماركسية.

لم يقف الأمر عند هذا فحسب، فقد أعلن الرئيس البوليفي الماركسي إيفوموراليس، في وقتٍ سابق، أنه قلق للغاية على حياة البابا فرنسيس، نظرًا لمواقفه المعادية للرأسمالية والإمبريالية، التي يعلن عنها في قلب العالم الرأسمالي نفسه.

في الواقع كان المبرر الأساسي، أثناء الحرب الباردة، لاعتبار الشيوعية مهددة للعالم المسيحي، هو أنها بحسب قادة الغرب آنذاك، أيديولوجيا إلحادية، لكن حتى فيما يخص الإلحاد، فللبابا المثير للجدل رأيٌّ آخر.

لكن الملحدين يدخلون الجنة!

«البابا فرنسيس من أكثر الرموز الدينية انفتاحًا»، هكذا صرحت النجمة العالمية مادونا، التي تعرضت عام 1989 لهجوم شرس من الكنيسة الكاثوليكية، نتيجة إظهارها المسيح على هيئة رجل أسود في أغنيتها «Like a Prayer».

للبابا موقفه الذاتي جدًّا، والذي يقوم على إيمانه بفكرة وجود الإله؛ موقفه لا يحتقر العلم ولا يؤلهه، فهو يقول: «يجب أن نسمع ما يقوله العلماء، لكن من دون أن ننسى كون الخالق أكبر بكثير من معارفنا. الأمر المؤكد هو أن الكون الذي نعيش فيه، ليس وليد صدفة أو فوضى، بل هو انعكاس لذكاء إله أحبّنا وخلقنا، وأراد وجودنا ولن يتركنا وحدنا مطلقًا».

 

وعلى طريقة الصوفيين القدماء، الذين قالوا: «الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق»، يرى فرنسيس أيضًا، أنه حتى الإلحاد، من الممكن أن يكون طريقًا إلى الله، يصل به الإنسان إلى رضا ربه مثله مثل الإيمان.

بالنسبة للبابا، فإن المسيح كان فداءً لكل البشرية عندما صُلب، ولم يفتد الكاثوليك فقط بل افتدى كل الناس، بما فيهم الملحدون أيضًا.

في يوم 11 سبتمبر (أيلول) من عام 2013، عبّر البابا عن رأيه هذا بجرأة، في إطار يساري، فقد وجه خطابًا يجيب فيه عن أسئلة رئيس تحرير جريدة «لا ريبابليكا»، أوجينو سكالفاري، وهي جريدة يسارية معروفة بانتقاداتها اللاذعة للكنيسة.

قال البابا لسكالفاري: «لقد سألتني إذا كان رب المسيحيين يعفو عن هؤلاء الذين لم يؤمنوا، والذين لا يسعون للإيمان، وأبدأ بالقول وهذا هو الشيء الأساسي، إن رحمة الرب لا حدود لها، لو لجأت إليه بقلبٍ صادقٍ وتائبٍ، والقضية بالنسبة لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالله هي طاعة ضمائرهم. إن الخطيئة عند هؤلاء الذين لا يؤمنون تتواجد حين يخالفون ضمائرهم».

ببساطة كان رأي البابا بالنسبة لليساريين حول العالم، رأيًّا شديد التقدمية، وقد استشهد على رأيه الجريء هذا، بنص من الكتاب المقدس، قلّما يُذكر، وهو: «فأجابه يوحنا، قائلًا: يا معلم رأينا واحدًا يخرج شياطين باسمك، وهو ليس يتبعنا، فمنعناه؛ لأنه ليس يتبعنا، فقال يسوع: لا تمنعوه».

هل البابا ماركسيًّا حقًّا؟

ليس سؤالًا من فراغ، ففي مقال صحافي بعنوان «من المحزن.. كم هو مخطئ البابا»، قال الإعلامي الأمريكي، ليمبوه، إن «قداسة البابا، لا يدري عما يتحدث عنه، عندما يتعلق الأمر بالرأسمالية والاشتراكية؛ ولأن ما يتفوه به قداسته نظريات ماركسية بحتة، وكأنه مانيفستو ماركسي جديد، عمن ينبغي أن يسيطر على الأسواق المالية، فهو يقول إن الاقتصاد العالمي بحاجة لسيطرة الحكومة».

بابا الفاتيكان

صورة ساخرة تظهر البابا فرنسيس بصحبة ماركس وإنجلز (مصدر الصورة: kingsblood)


كان هذا الهجوم على البابا واتهامه بالماركسية، قد جاء في أعقاب عظة له، هاجم فيها إعفاء الأغنياء من الضرائب، مؤكدًا أنه «من السخف والسذاجة، أن نثق فيمن يسيطرون على القوى الاقتصادية».

الوجه الشيوعي الأول للبابا: الحزن

بين الحزن واللامبالاة سأختار الحزن! –المفكر الإسلامي، ورئيس البوسنة السابق علي عزت بيجوفتش

في إحدى عظاته كان البابا فرنسيس يقول، إن «دموع يسوع قد بللت العديد من اللاهوتيين عبر العصور، ولكنها غسلت العديد من النفوس، وبلسَمَت العديد من الجراح. فيسوع أيضًا قد اختبر في شخصه خوف الألم والموت، وخيبة الأمل واليأس، بسبب خيانة يهوذا وبطرس، والألم بسبب موت صديقه لعازر. إن يسوع لا يترك الذين يُحبهم؛ وإن كان الله قد بكى، فيمكنني أن أبكي أنا أيضًا، عالِمًا أنّه يفهمني. دموع يسوع هي الترياق ضدّ اللامبالاة».

في الواقع مفهوم اللامبالاة، هو مفهوم أساسي في فكر فرنسيس المتهم بالشيوعية. وعلى كل حال، من المؤكد أن فرنسيس يرفض دائمًا جعل حديثه مقصورًا على الأمور الهامشية، التي تريد البرجوازية الأوروبية، أن يقتصر الجدل الديني عليها، وبقرار واعٍ من فرنسيس، يتحدث فيما يريده هو، وفيما يعتقد أنه الأهم، ولا يتحدث فيما يطلبه منه المستمعون. في عالم اللامبالاة بالمشاكل الكبرى، والاهتمام بكل ما هو فرعي، قرر فرنسيس بوضوح أن يهتم دائمًا بما هو جوهري.

وفي مقابلة معه مع دورية «كاتوليكا»، في سبتمبر (أيلول) 2013، عبر البابا عن قراره هذا بوضوح، إذ قال، إنه «لا يمكننا التركيز فقط على المسائل المتعلقة بقضايا الإجهاض، وزواج المثليين، واستخدام وسائل منع الحمل، فهذا غير ممكن؛ فأنا لم أتحدث كثيرًا عن هذه الأمور، وتم توبيخي من أجل ذلك».

يشدد فرنسيس على أنه يحارب دائمًا ما أسماه بـ«عولمة اللامبالاة»، التي تدلل كظاهرة، على أن الديمقراطية الغربية قد تم اختطافها. ويرى أن ظاهرة عولمة اللامبالاة هذه، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنظام الاقتصادي السائد، المتركز حول المال، «الذي يستغل الطبيعة من أجل الحفاظ على الإيقاع السريع للاستهلاك».

يقول الزعيم الكوبي الشيوعي، راؤول كاسترو: «إذا واصل البابا طريقه، فسأعود لأصلي، وسأعود إلى الكنيسة.. أنا لا أمزح».

الوجه الثاني: الحدود

«أحلم بأوروبا، لا يُعتبر فيه كون المرء مُهاجرًا، جريمة»، هكذا قال البابا فرنسيس، معربًا عن أسفه من إغلاق أوروبا لحدودها في وجه اللاجئين من جنوب العالم.

فيما يخص قضية اللاجئين تحديدًا، يبدو بابا الفاتيكان، يساريًّا لأقصى درجة، ففي 24 مارس (آذار) 2016، أقدم البابا خلال قداس يوم الخميس، على غسل وتقبيل أقدام 11 لاجئًا مسلمًا ومسيحيًّا وهندوسيًّا.

وبعد أن انتهى من طقس الغسل، شن هجومًا لاذعًا على الرأسمالية «الجامحة المتعطشة للحروب»، مشيرًا إلى «المتعطشين للدماء، وصناعة الأسلحة».

بشكلٍ عام، حين يتحدث البابا عن اللاجئين، وعن سخطه من رغبة أوروبا في إغلاق الحدود بوجه اللاجئين، تكون لهجته أشبه بلهجة الماركسيين حين يتحدثون عن نفس الفكرة، بقولهم إن مشروع العولمة الجديدة، الذي يشدد على حرية تنقل السلع ورؤوس الأموال، هو نفسه الذي يحارب حرية انتقال البشر بين الحدود بشدة، وينفق المليارات سنويًّا؛ كي يمنع تسلل ما يسميهم بالمهاجرين غير الشرعيين.

وفي فبراير (شباط) 2016، حدث هجوم متبادل، بين البابا والمرشح المحتمل للرئاسة الأمريكية، دونالد ترامب، بسبب نفس الأمر.

يقدم ترامب نفسه باعتباره مرشحًا مسيحيًّا مُحافظًا، رغم أنه لا يتمكن، حين يلقي كلمته أمام الجموع، من ترديد آيات الإنجيل بشكلٍ صحيح.

وكان ترامب، ملياردير العقارات، قد قال إنه في حالة فوزه، سيشيد جدارًا بطول الحدود الأمريكية المكسيكية، لمنع المكسيكيين من الهجرة غير الشرعية للولايات المتحدة، كما طالب أيضًا بترحيل 11 مليون مهاجر غير شرعي، من الولايات المتحدة.

وكان رد البابا على ترامب قاسيًا، إذ قال، إن «ترامب رغم كل ما يقوله، لا يمكن أن يكون مسيحيًّا، فمن يتحدث عن بناء الجدران بدل الجسور لا يمكن أن يدعي كونه مسيحيًّا».

بدوره رد ترامب عليه، قائلًا إن البابا «مُسيس للغاية»، كناية عن يساريته الظاهرة في أحاديثه دائمًا. وقال ترامب أيضًا، إن «البابا سيتمنى لو كنت أنا بأفكاري رئيس أمريكا، حين يكتشف في يوم أن داعش، باتت على أبواب الفاتيكان».

كان السجال بين فرنسيس وترامب، أشبه ما يكون بسجال بين رجل يميني محافظ، ورجل يساري راديكالي.

وجوه غير ماركسية للبابا

في حوار أجري معه، في ديسمبر (كانون الأول) 2013، قال البابا فرانسيس: «الأيديولوجيا الماركسية ليست على صواب، لكن في حياتي، عرفت العديد من الماركسيين الذين هم أهل الخير؛ لذلك أنا لا أشعر بالإهانة، عندما يتم دعوتي بالماركسي».

رغم نقده للرأسمالية.. ليس ماركسيًّا في الاقتصاد

اعتاد فرنسيس طيلة حياته، على التنقل بالمواصلات العامة، ولم يطلب يومًا الحصول على سائق خاص، وحين كان يعيش في بيونس آيرس؛ كان يحفظ شوارعها عن ظهر قلب، حيث كان يسير فيها لساعاتٍ بمفرده، ويلقي التحية يوميًّا على الجميع.

لا يعلم الكثير من الناس أن البابا المتهم بالشيوعية، كان قبل التحاقه بالكنيسة، وحتى حين التحق بها، يشارك في المظاهرات بالأرجنتين، ضد الانصياع لوصفات صندوق النقد الدولي، وضد الوصفات النيوليبرالية للاقتصاد الأرجنتيني.

بابا الفاتيكان

صورة ساخرة تظهر البابا على هيئة تشي جيفارا (مصدر الصورة: BBC)


في حوار أُجري معه سابقًا، قال البابا فرنسيس إن «الفقر في القلب من الإنجيل»، وأضاف ضاحكًا، أن «الشيوعيين قد سرقوا رايتنا، لأن راية المسيحية هي الفقر والفقراء»، مُتابعًا بضحكته: «بالنظر لكون المسيحية أقدم قطعًا من كارل ماركس، فإننا يمكن أن ننظر لماركس والماركسيين، باعتبارهم مسيحيين يرفعون شعارات المسيحية».

وكان ستيفن مور، كبير الاقتصاديين في مؤسسة هيرتيدج، قد أعرب عن اعتقاده، بأن «البابا يحمل على نحوٍ واضح قدرًا من التعاليم الماركسية؛ مما لا شك فيه أن لديه انتقادات واضحة بشأن الرأسمالية والتجارة الحرة، وأنا أرى في ذلك مشكلة كبيرة».

في الواقع فإن أغلب الاتهامات التي توجه للبابا بكونه ماركسيًّا، من الليبراليين في الغرب، متعلقة بانتقاداته اللاذعة للرأسمالية الجامحة. فقد شن البابا هجومًا حادًا على ما أسماه «الاستعمار الجديد»، الذي قال، إن «المؤسسات الاقتصادية الدولية، تمارسه بحق الفقراء»، مُطالبًا فقراء العالم، بأن يثوروا ضد النظام الاقتصادي العالمي، وأن «ينتزعوا حقوقهم المقدسة في السكن والعمل وتملك الأراضي».

ووجه البابا انتقادات لاذعة في أكثر من مرة للمضاربات ونظام المنفعة، والنظام الاقتصادي الذي يسود العالم، ولا يخدم سوى قلة قليلة جدًّا من سكانه. لكن رغم كل هذه الاتهامات، فإن البابا، وبالأخص من الناحية الاقتصادية ليس ماركسيًّا!

في عام 2015، صرح البابا في أحد حواراته قائلًا إن «الرأسمالية ليست شيطانية ما لم نؤلهها، وما دامت تبقى مجرد أدوات. لكن إذا طغى الطموح المطلق لكسب المال، وإذا أصبحت المصلحة العامة وكرامة البشر في المرتبة الثانية أو الثالثة، وإذا بدأت الأموال والأرباح تستعبدنا، وإذا كان الجشع ركيزةً لنظامنا الاجتماعي والاقتصادي، يعني ذلك أن مجتمعاتنا تتجه إلى الانهيار»، مُضيفًا: «يجب ألا يصبح الإنسان والخليقة جمعاء في خدمة المال: عواقب ما يحصل أصبحت على مرأى من الجميع».

يبدو واضحًا من هذا الكلام، أن نقد فرانسيس للرأسمالية، نقد أخلاقي بامتياز، وليس نقدًا ماركسيًّا أصيلًا. والواقع أن البابا في شبابه بالأرجنتين، تأثر تأثرًا شديدًا بثقافة قومية أرجنتينية، شديدة الصلة بالطبقة العاملة والنقابات العمالية، كما يقول كاتب سيرة حياته، أوستين إيفيريه، لكن تلك الأفكار لم تكن تنتمي بشكل واضح وقاطع لليمين أو اليسار، ومع تطوره الفكري صار البابا أقرب إلى أفكار المنظر الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي.

اقرأ أيضًا: نبوءة 2016.. على الأرجح لن تصبح غنيًا

وعلى ما يبدو، يستمد البابا نظرته الاقتصادية، من التعاليم الاجتماعية الكاثوليكية، التي أُثقلت في القرنين 19 و20، وفي كل انتقاداته اللاذعة للرأسمالية، يدعو إلى كبح جماح الرأسمالية، للعودة إلى المكتسبات الاجتماعية التي شهدها العالم، مع تطبيق الوصفات الكينزية في الاقتصاد، والتي تسمح بتدخل أكبر للدولة في الاقتصاد، لتحمي بشكل ما مصالح الفقراء والمهمشين.

على هذا إذًا، لا تبدو آراء البابا سوى تجديد لنفس التقليد في النظرة الاقتصادية من الزاوية الكاثوليكية، وهذا التقليد هو في واقعه يمزج بين اليسار واليمين، وقد ظهر منذ بدايات الطعن الكاثوليكي في الشيوعية، وهو طعن كان يمتلك في نفس الوقت، انتقادات لاذعة تجاه الرأسمالية الجامحة.

وبحسب موريس جالسمان، الاقتصادي البريطاني الذي درس التعاليم الاجتماعية الكاثوليكية وتطورها، فإن هذا التقليد الكاثوليكي في رؤية الاقتصاد، «يعارض الفكرة القائمة على أن هناك فقط إما دولة وإما سوق، ويعتقد أنه في المجتمع النشط، يمكن مقاومة هيمنة الأغنياء على الفقراء، من خلال النقابات العمالية والاتحادات المهنية، أو باختصار عبر فكرة (لا مركزية السلطة)». لكن هذا التقليد الكاثوليكي في نفس الوقت يؤيد الملكية الخاصة، وهي العمود الفقري للنظام الرأسمالي.

باختصار يبدو البابا ماركسيًّا، لأنه كان جريئًا في عرض التقليد الكاثوليكي في النظر للاقتصاد، وبكل تأكيد هو يبدو كذلك أيضًا، لأنه أكثر تشددًا وتبنيًا لهذا التقليد من أي رجل دين سبقه في منصبه، فهو البابا الذي يُخبر قساوسته دائمًا بوجوب النظر للعالم من خلال عيون الفقراء، لا عيون الأثرياء.

وقد لخص البابا هذا الأمر برمته حين قال: «حين أتحدث في الاقتصاد، لا أتحدث كأخصائي، وإنما أتحدث وفق العقيدة الاجتماعية للكنيسة، وهذا لا يعني أن أكون ماركسيًّا».

فيما يتعلق بفلسطين ليس بإمكانك أن تكون يساريًّا!

فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لا يبدو فرنسيس يساريًّا على الإطلاق، ورغم إيمانه بحقوق المستضعفين في العالم، لا يولي فرنسيس المظلومية التاريخية للمستضعفين الفلسطينيين، أي عناية تذكر.

في مايو (أيار) 2014، زار البابا إسرائيل، بصحبة عدد من الأساقفة العرب، لكن المهم في هذه الرحلة لإسرائيل، كان زيارته لقبر مؤسس الصهيونية، تيودور هيرتزل، ووضع إكليل من الزهور عليه، بالإضافة لزيارته للنصب التذكاري بالقدس الغربية، للإسرائيليين الذين قتلوا في عمليات قام بها فلسطينيون.

كانت الزيارة في نظر الكثيرين، زيارة سياسية، لا دينية، جرى فيها الاعتراف من الفاتيكان الذي تأخر 110 أعوام، بالحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية، منذ أن حاول تيودور هيرتزل الحصول على مباركة البابا بيوس العاشر آنذاك، للحركة الصهيونية، وهو ما لم يحصل عليه وقتها.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد