شهد العراق احتجاجات واسعة النطاق، بدأت في شهر أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، وعلى ما يبدو أنها لم تنته تمامًا إلى الآن. فقد دارت العديد من الأحداث الدامية في تلك الاحتجاجات المناهضة للحكومة، والتي قادها قطاع كبير من الشباب الذي أعلن تمرده على الفساد والمحسوبية، وسيطرة الأحزاب السياسية التي لم ير غيرها منذ الغزو الأمريكي على العراق في عام 2003.

على التوازي، كان هناك مشهد مسيطر على تلك الاحتجاجات؛ وهو حرق المتظاهرين الغاضبين لعدد من مقرات الفصائل المسلحة شبه العسكرية، والتي يعمل بعضها تحت مظلة «الحشد الشعبي» العراقي، خاصة في المدن الجنوبية من العراق.

سبب قيام المتظاهرين بإشعال النيران بتلك المقرات يبدو معروفًا للمتابعين، فقد تورطت تلك الفصائل في قمع الحركة الاحتجاجية. مشهد إحراق المقرات الذي يبدو عفويًا، يوضح وضع الحشد الشعبي العراقي حاليًا، ووضعه السابق في السنوات الماضية، وبالتحديد في صيف عام 2014.

يقول أحد مقاتلي «عصائب أهل الحق»، (فصيل مسلح شبه عسكري تابع للحشد الشعبي العراقي)، في حديثه إلى «ساسة بوست»، «كنت وما زلت أشعر بالفخر لانتمائي إلى الحشد الشعبي، ولكن لا أعلم لماذا وصلت الأمور إلى تلك النقطة، بعد أن كان يستقبلنا أهالي مدينتي بالزغاريد والفرح».

في هذا التقرير نحاول أن نقتفي أثر «الحشد الشعبي» العراقي، بدءًا من الشعبية الساحقة التي حظي بها في خلال قتاله ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، إلى اللحظة التي أصابت مقاتل عصائب أهل الحق بالحيرة، وهو يشاهد مقرات فصيله تحترق من قبل أهالي مدينته.

ما قبل البداية

فى يونيو (حزيران) 2014، أعلن تنظيم «داعش» عن نفسه بقوة في العراق، وسيطر على ثلث الأراضي العراقية، بسقوط مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق في يده، مهددًا باقترابه من السيطرة على العاصمة العراقية بغداد.

في تلك اللحظة، ظهرت ميليشيا «الحشد الشعبي» العراقي علانية، لكن قبل هذا الظهور العلني بعدة سنوات، كانت نواة الفصيل المسلح موجودة بالفعل، وتعمل مع رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي في العديد من الملفات.

فمنذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق عام 2003، شهد القطاع الأمني العراقي العديد من المشاكل على إثر الانهيار الوشيك للدولة في ذلك الوقت، وبدأت الفصائل المسلحة شبه العسكرية في الظهور في العديد من المناسبات، على سبيل المثال، كان هناك «جيش المهدي»، التابع لرجل الدين الشيعي والسياسي البارز مقتدى الصدر، والذي قاد هجمات كبيرة ضد القوات الأمريكية في العراق، وتورط في الحرب الأهلية ما بين عامي 2006 إلى 2008.

كما كانت الجماعات المسلحة فصيل رئيسي لعدد من الأحزاب السياسية الشيعية، المعارضة لنظام صدام حسين، على سبيل المثال، «منظمة بدر» جناح حزب «المجلس الأعلى الإسلامي» العسكري في العراق، وشاركت الجانب الإيراني القتال ضد الجيش العراقي، في الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات.

المالكي يرفض التعامل مع الفصائل المسلحة

عندما تولى نوري المالكي مقاليد السلطة عام 2006، رئيسًا للوزراء، وهو المنتمي إلى «حزب الدعوة»، (أكبر حزب سياسي شيعي في البلاد)، والحزب الذي سيطر على منصب رئيس الوزراء لسنوات عديدة، رفض فكرة التعامل مع الفصائل المسلحة شبه العسكرية، بحسب حديث بعض المقربين منه الذين طلبوا عدم ذكر أسمائهم، لـ«ساسة بوست».

لكن كان على الجانب الآخر، كان لا زال لدى نوري المالكي بعض الفصائل المسلحة التي يجب التخلص منها، لجعل كافة أنواع القوة العسكرية في يد الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية الرسمية.

فى فترته الأولى من الحكم (2006 إلى 2010)، كان المالكي يسعى إلى عدم التبعية إلى أي قوة أجنبية في العراق، صحيح أن الولايات المتحدة هي من أتت به إلى سدة الحكم، وصحيح أيضًا أنه كان يميل إليها في بعض الأحيان، إلا أنه كان يرغب في عدم الانصياع إلى الجمهورية الإسلامية، التي لجأ إليها في فترة هروبه من العراق بسبب بطش صدام حسين.

حينها واجه المالكي جيش المهدي الفصيل المسلح الشيعي، بقيادة مقتدى الصدر، الذي لا يتمتع بعلاقة طيبة مع المالكي (إلى الآن) ومن جهة، ومن ناحية أخرى، كان هناك «تنظيم القاعدة»، والفصيل المسلح بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، وفلول حزب «البعث».

«تواصل هادي العامري مع المالكي في ذلك الوقت، ليعرض عليه المساعدة في التخلص من كل تلك المشاكل الأمنية خاصة في الأماكن ذات الغالبية السنية»، * تصريح سياسي عراقي شيعي بارز لـ«ساسة بوست».

وجدير بالذكر أن هادي العامري هو رئيس «منظمة بدر» السابق ذكرها، والتي تعتبر واحدة من أقدم وأكبر الفصائل المسلحة شبه العسكرية في العراق. وبحسب السياسي العراقي، رفض نوري المالكي طلب العامري في ذلك الوقت.

الرفض يتحول إلى تعاون سري

تأثرًا بالربيع العربي، ونتيجة لضغط السياسات الطائفية التي اتبعها نوري المالكي في العراق، حاول العراقيون في المحافظات ذات الأغلبية السنية، الاحتجاج على سياسات المالكي، بداية من عدم التمثيل البرلماني الكافي، والإقصاء السياسي المتعنت، إلى المعاملة الأمنية العنيفة التي كانت نتيجة سياسة اجتثاث حزب البعث والتي تهدف إلى تتبع فلول حزب البعث والقضاء عليهم.

مظاهرات المناطق السنية ضد المالكي:

فى الوقت نفسه، كان الجيش العراقي لا يزال في أضعف أوقاته، ولم يتمكن المالكي من بناء مؤسسات أمنية قوية، تستطيع مواجهة الاحتجاجات السنية، وتنظيم «القاعدة» وتحالفه مع فلول حزب «البعث».

شعر المالكي وقتها بحسب مقربين منه تحدثوا إلى «ساسة بوست»، بأنه محاط بالخطر من كل اتجاه، ولا مفر من التعامل مع الفصائل المسلحة شبه العسكرية. ويقول مصدر مقرب من نوري المالكي لـ«ساسة بوست»: «فى فترة المالكي الثانية، بدأ في الاقتناع بالتعاون مع الفصائل المسلحة، وهو من طلب الاجتماع مع هادي العامري، بعد الاحتجاجات في المناطق السنية».

بدأت الأمور تسير نحو الجدية أكثر وأكثر في التعامل بين الفصائل المسلحة ونوري المالكي في بداية عام 2013، عندما اجتمع مع كبار قادة خمس من تلك الفصائل للتنسيق الكامل لمواجهة بدايات تنظيم «داعش» في العراق.

يقول أحد قادة تلك الفصائل لـ«ساسة بوست» طالبًا عدم ذكر اسمه: «كنا نعمل مع المالكي بشكل سري، لمساعدة الحكومة في السيطرة على نشاط الإرهابيين».

بجانب رغبة المالكي في التعاون مع الفصائل المسلحة شبه العسكرية للقضاء على الإرهاب، لا يمكن إغفال الضغط الإيراني على المالكي للتعاون مع تلك الجماعات الموالية للجمهورية الإسلامية في إيران، والمقربة من الحرس الثوري الإيراني، الذي ساعد في تشكيلها منذ البداية.

الفصائل المسلحة الخمس التي تعاون معها نوري المالكي بشكل سري، لمواجهة الاضطرابات الداخلية والسيطرة على التحركات الإرهابية في العراق، كانت النواة التي ستشكل الحشد الشعبي العراقي فيما بعد.

نقطة البداية: الخروج من السر إلى العلن

فى يونيو 2014، سقطت مدينة الموصل العراقية في يد تنظيم «داعش»، الذي أعلن عن سيطرته على ثلث الأراضي العراقية، ولم يتمكن الجيش العراقي الوهن من الوقوف أمام مقاتلي التنظيم.

انهيار الجيش العراقي وفتوى السيستاني

لم يستطع الجيش العراقي المفكك، الصمود أمام تنظيم «داعش»، فانهار تمامًا، وأدرك المالكي وقتها أنه لا يمكنه الاعتماد على الجيش فقط، فلا بد من العمل مع الجماعات المسلحة بشكل أكبر لصد هجوم «داعش»، ومنع سقوط بغداد في أيدي التنظيم المسلح.

كان على المالكي في ذلك الوقت، الخروج بالجماعات المسلحة التي كان يتعامل معها قبل عام 2014، من الظلام إلى النور، ويعترف بها رسميًا بشكل علني، لمحاربة «داعش».

ومن حسن حظ المالكي في ذلك الوقت، أصدر آية الله العظمى علي السيستاني، أكبر سلطة دينية شيعية في العراق، فتوى «الجهاد الكفائي»، تلك الفتوى التي دعا فيها السيستاني جميع العراقيين القادرين، للتطوع وحمل السلاح لمحاربة تنظيم «داعش»، وحماية الأراضي العراقية.

فتوى السيستاني:

كانت فتوى السيستاني بمثابة هدية ثمينة إلى المالكي، فعلي الفور أصدر مرسوما حكوميا بتشكيل «هيئة الحشد الشعبي»، بمخالفة المادة التاسعة من الدستور العراقي، التي تحظر تشكيل أي فصيل شبه عسكري خارج إطار القوات المسلحة العراقية.

ومن هنا أصبح للحشد الشعبي العراقي شرعية دينية وحكومية، يستطيع من خلالها مطالبة العراقيين للتطوع والتجنيد لقتال الدولة الإسلامية، بشكل رسمي.

«الحشد الشعبي»: شرعية دينية أم سوء فهم؟

عندما أعلن الشيخ عبدالمهدي الكربلائي أحد أكبر ممثلى آية الله العظمى السيستاني، عن نص فتوى الأخير لدعوة العراقيين إلى التطوع لقتال «داعش»، طالب العراقيين أيضًا بالتطوع داخل القوات المسلحة الحكومية والأمنية العراقية، لكن ما حدث كان عكس ذلك.

فبمجرد صدور الفتوى، بدأت مكاتب الأحزاب السياسية الشيعية، مقرات الفصائل المسلحة الموجودة بالأساس إلى فتح أبوابها لتسجيل المتطوعين من العراقيين، للانضمام إلى «هيئة الحشد الشعبي»، وليس الجيش العراقي.

شعر مكتب السيستاني وممثلوه، بأن الفتوى قد تم تفسيرها بشكل خاطئ، فأصدر مكتب السيستاني في النجف بيانا يؤكد فيه على أن فتوى آية الله العظمى، كانت تدعو للتطوع وفقًا للقانون وتحت إشراف قوات الجيش والشرطة العراقية، تجنبًا للفوضى والعنف.

يقول مصدر مقرب من مكتب السيستاني في النجف لـ«ساسة بوست»: «تعمد المالكي وحلفاؤه من قادة الفصائل المسلحة، إساءة استخدام فتوى السيستاني، لتحقيق أهدافهم» على حد قوله.

لكن لماذا لم يفسر السيستاني الفتوى الصادرة عنه بشكل أكثر وضوحًا، ويسيطر على الأمور في بدايتها؟ رفض المصدر المقرب من مكتب السيستاني الاجابة على هذا التساؤل واكتفى بقول «لقد فات الاوان، وكان الأهم في تلك المرحلة، محاربة تنظيم الدولة الإسلامية».

لماذا فضل العراقيون الانضمام إلى الحشد الشعبي.. بدلًا من الجيش العراقي؟

«عندما فُتحت المقرات لتلقي طلبات التطوع، لم نتخيل هذا العدد الهائل من العراقيين الراغبين في الانضمام إلى الحشد الشعبي»، بتلك الكلمات وصف أحد القادة البارزين في منظمة بدر لـ«ساسة بوست»، حجم الإقبال من جانب العراقيين على الانضمام إلى قوات الحشد الشعبي.

بعد صدور فتوى السيستاني سارع العراقيون للانضمام إلى قوات الحشد الشعبي، تاركين الجيش وراءهم، وبحسب سياسي عراقي بازر، فـ«حتى لو كان السيستاني أصر على تفسير وتوضيح فتواه، فلن يذهب العراقيون للتطوع في الجيش العراقي، وسيذهبون إلى الحشد».

ينطبق ذلك مع تصريح أحد المقاتلين التابعين للحشد الشعبي، والذي انضم له بعد فتوى السيستاني، لـ«ساسة بوست»، والذي قال فيه: «أخي ظابط بالجيش العراقي، لكنى بعد الفتوى، قررت الانضمام إلى الحشد، فهو أفضل من الجيش ألف مرة، ولو عاد الزمن بي، لفعلتها مرة ثانية».

الحديث السابق لمقاتل الحشد الشعبي، ليس نابعًا من كراهية للجيش العراقي، فالأمور أكثر تعقيدًا من ذلك، وهناك أسباب كثيرة كانت وراء رفض العراقيين الانضمام إلى الجيش، وتفضيل الحشد بدلا عنه، في ذلك الوقت. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم اتهام الجيش العراقي بالفساد الكبير في تلك الفترة، ومن ضمن قصص الفساد المشهورة، والمعروفة عن الجيش، قضية «الجنود الأشباح»، عندما سيطر تنظيم داعش على الموصل.

ففي مواجهة انهيار الجيش العراقي، حاول المسئولون العسكريون إعادة النظر وهيكلة وزارة الدفاع، للعمل على تقوية الجيش، فاكتشف البعض وجود حوالي 50 ألف جندي عراقي تابع للجيش على قوائم الرواتب التي كانت تشكل 25% من ميزانية الدفاع السنوية، لكنهم في حقيقة الأمر جنود أشباح لا وجود لهم، تصرف لهم الرواتب وتذهب إلى المنتفعين. علاوة على عشرات من قصص الفساد المشابهة لتلك القصة، مثل تأخير رواتب الجنود، ودفع الضباط العراقيون الرشاوى لتلقي التدريبات اللازمة.

أحد القادة العسكريون الذي كان يشغل منصبا في وزارة الدفاع في ذلك الوقت، قال في حديثه مع «ساسة بوست»: «سبب فساد وانهيار الجيش كان في المقام الأول نوري المالكي، ووزير الدفاع خالد العبيدي في ذلك الوقت». إذ سيطر نوري المالكي بشكل كبير على وزارة الدفاع التي ربطها بمكتبه مباشرة، مما قوض من استقلالية الوزارة.

حاولت وزارة الدفاع القيام بالعديد من الحملات لترغيب العراقيين في التطوع لدى الجيش بدلا من قوات الحشد، لكن لم تتغير الأمور، بل زاد التطوع لدى الحشد الشعبي، نظرا لما يملكه من موارد مالية وأسلحة، فعلى سبيل المثال هناك فصائل مسلحة مثل منظمة بدر، وكتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، تحصل على تمويل مالى من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومن الناحية العسكرية تتمتع بقوة وكفاءة عالية، مما يجعلها مجموعات جذابة للعراقيين.

يقول أحد السياسين العراقيين، لـ«ساسة بوست»: «حاولت وزارة الدفاع بشتى الطرق جذب العراقيين للانضمام إلى الجيش، وأسفرت تلك الحملة عن لا شيء، وانضم أكثر من 80% من الرجال في المحافظات الشيعية إلى الحشد الشعبي بدلا من الجيش».

تلبية دعوة المرجعية لحمل السلاح:

ساهم أيضا السياسيون ورجال الدين في جذب العراقيين إلى الانضمام إلى الحشد الشعبي، فكانت المقرات التابعة للأحزاب السياسية في مختلف المحافظات العراقية وبالأخص المحافظات الجنوبية، تقود حملة كبيرة تشجيع العراقيين على التطوع والعمل تحت مظلة الحشد الشعبي، هذا بجانب تشجيع فتوى السيستاني، على إقبال الشيعة للانضمام إلى الحشد للدفاع عن الأضرحة المقدسة.

أحد مقاتلي الحشد الشعبي يقول لـ«ساسة بوست»: «ضمن لي الحشد راتبًا شهريًا كبيرًا، بجانب اهتمام القادة بعائلتنا في حالة استشهادنا، كانت مزايا الانضمام إلى الحشد أكثر بكثير من الانضمام إلى الجيش المنهار».

ويقول مقاتل آخر «هل يعقل، أن أذهب للانضمام إلى جيش انهار في لحظة أمام عدد أقل منه من المسلحين، وأترك قوات منظمة ومسلحة بشكل جيد».

بشكل عام أصبحت قوات الحشد الشعبي أقوى من قوات الأمن العراقية الرسمية، وهذا ما خلق المنافسة الكبيرة لدى وزارة الدفاع في محاولاتها اليائسة لتجنيد المواطنين، خاصة بعد تحقيق قوات الحشد الشعبي فيما بعد انتصارات كبيرة على تنظيم الدولة الإسلامية.

التيارات المختلفة داخل الحشد الشعبي

قبل الخوض في تفاصيل تحول الحشد الشعبي من مجرد قوات شبه عسكرية، إلى لاعب أساسي في الساحة السياسية العراقية؛ يجب الإشارة إلى أن الحشد لا يسير بأكلمه في اتجاه واحد، أو تعمل جميع فصائله ضمن مبادئ وأسس واحدة، لكنه ينقسم إلى ثلاثة تيارات، لكل منها ولاءات وانتماءات مختلفة عن الأخرى.

1. التيار الموالي للسيستاني

يشمل هذا التيار جميع الفصائل المسلحة التي تعمل تحت مظلة الحشد الشعبي، وتدين بالولاء لآية الله العظمى علي السيستاني، أو ما يعرف باسم قوات الأضرحة أو الضريح، لأنها تشكلت في الأساس لحماية الأضرحة والأماكن المقدسة لدى المسلمين الشيعة في العراق، من هجمات «داعش». لكن هذا لا يعني اقتصار عملها على حماية الأضرحة، فهي أيضًا تقاتل التنظيم في أماكن عديدة من العراق.

يضم هذا التيار فصائل: «فرقة العباس القتالية، فرقة الأمام علي، فرقة أنصار المرجعية، لواء على الأكبر، سرايا العتبة العباسية، سرايا العتبة الحسينية، سرايا العتبة العلوية».

وقد أعلنت الفصائل المسلحة التابعة لهذا التيار، أن لا دخل لها بالسياسة، ومن الممكن أن تقوم بتفكيك نفسها على الفور، بعد أن يتمكن الحشد الشعبي من هزيمة تنظيم «داعش»، أو الانضمام إلى القوات المسلحة العراقية الرسمية، إذا طلبت الحكومة هذا الأمر.

2. التيار الموالي للزعيم الأعلى الإيراني

يضم هذا التيار، جميع الفصائل المسلحة التي تكونت بدعم من إيران، والفصائل التي تعاون معها نوري المالكي في البداية. تؤمن تلك الفصائل بمبدأ الولي الفقيه، وتدين بالولاء إلى الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، وتعمل وفقًا لتوجيهاته وفتواه، وغير ملزمين باتباع القوانين العراقية.

يتكون هذا التيار من فصائل «كتائب حزب الله، عصائب أهل الحق، منظمة بدر، سرايا الخراساني»، التي تعرف بأنها من أقوى الفصائل في الحشد الشعبي، من حيث الأسلحة والموارد المالية.

3. التيار الموالي لمقتدى الصدر

بالرغم من تفكيك مقتدى الصدر لجيش المهدي، بعد تورطه في الحرب الأهلية العراقية، ومغادرته إلى إيران لاستكمال دراسته الدينية، إلا أنه بمجرد اجتياح «داعش» للعراق، أعلن عن انشاء سرايا السلام، والتي يقال أنها تضم أيضًا فلول جيش المهدي.

تختلف تلك التيارات الثلاث في العديد من النقاط الرئيسية، فعلى سبيل المثال، أعلنت الفصائل الموالية للنجف أو السيستاني أنها لن تذهب إلى القتال في سوريا، وقد طلب السيستاني من قادة تلك الفصائل عدم الاجتماع بأي عسكري غير عراقي، في الإشارة بالتحديد إلى الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وعلى عكس ذلك كانت الفصائل الموالية لإيران، فأرسلت العديد من مقاتليها للقتال بجانب بشار الأسد في سوريا.

نقطة خلاف بينهما تجدر الإشارة إليها؛ إذ أعلنت الفصائل المسلحة الموالية للسيستاني، والموالية للصدر، الموافقة على الانضمام إلى الدولة العراقية، لكن ما زالت إلى يومنا هذا الفصائل المدعومة من إيران ترفض هذا الأمر.

محاولات الحكومة للسيطرة على الحشد الشعبي

بينما أعطى رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، الشرعية الدستورية لوجود الحشد الشعبي، وساهم في تشكيله وإحكام سيطرة الفصائل المدعومة من إيران على هيئة الحشد الشعبي، حاول خليفته حيدر العبادي، السيطرة على تلك القوة المتنامية للقوات شبه العسكرية.

Embed from Getty Images

يقول سياسي عراقي لـ«ساسة بوست»: «كان العبادي ضد فكرة وجود جماعات شبه عسكرية تعمل بشكل رسمي مع الدولة، ومنذ اليوم الأول لتوليه منصبه، حاول بشتى الطرق السيطرة على هذا الأمر».

تولى العبادي منصب رئيس الوزراء في عام 2014، وعمل منذ اليوم الأول على دمج قوات الحشد الشعبي، داخل القوات المسلحة العراقية، وإخضاعها لسلطة القانون. لكنه كان يواجه «داعش»، وضعف القوات الأمنية العراقية، فاضطر إلى تأجيل الأمر قليلًا.

بعد تحقيق الانتصارات المتتالية على تنظيم «داعش» بفضل قوات الحشد الشعبي، أصدر العبادي مرسومًا في عام 2016، ينص على أن الحشد سيكون تشكيل عسكري «مستقلا»، داخل القوات المسلحة العراقية، ومرتبطا بالقائد الأعلى للقوات المسلحة.

لكن هذا المرسوم الذي ينطوي على العديد من النقاط الغامضة، لكون وصف الحشد الشعبي بأنه كيان مستقل، لكنه في الوقت نفسه منتم للقوات الحكومية؛ لم يحقق هدف العبادي في السيطرة على الحشد الشعبي.

فقد حاول حيدر العبادي، أيضا السيطرة على هيئة الحشد الإدارية، فعين فالح الفياض رئيسا للحشد الشعبي، باعتباره مقربا من إبراهيم الجعفري (أول رئيس وزراء منتخب في العراق)، والمنافس الشرس لنوري المالكي في السنوات الماضية. وبهذا الأمر يضمن من جهة عدم ولاء الفياض للمالكي، الذي كان يحاول سحب البساط من العبادي. ومن جهة أخرى، أن لا تقع إدارة الحشد الشعبي في يد أحد القادة الموالين لإيران.

لكن في الوقت نفسه كان أبو مهدي المهندس، رجل إيران الأول في العراق، نائبًا لرئيس هيئة الحشد الشعبي، والرجل الأكثر نفوذًا في الحشد الشعبي، لذلك لم تثمر محاولة العبادي عن أي شيء.

حاول العبادي مع الفصائل الموالية للنجف من أجل السيطرة على نفوذ القادة الموالين لإيران داخل الحشد الشعبي، وفي خطوة أخيرة في مارس (آذار) 2018، أصدر العبادي مرسومًا آخر يأمر باعادة هيكلة قوات الحشد الشعبي، والتسريع من دمجها داخل القوات المسلحة الرسمية، لكن قادة الفصائل المدعومة من إيران تجاهلت الأمر تمامًا، ولم تنصع إلى المرسوم الحكومي.

يقول أحد القادة الموالين للسيستاني لـ«ساسة بوست»: «منذ عام 2016، والمهندس يتحكم في كافة الموارد البشرية والمالية للحشد، حتى إنه يتحكم في رواتبنا من الحكومة العراقية، ويقطعها عنا في كثير من الأحيان»، موضحًا: «حاولنا مرارا وتكرارا مع العبادي العمل على الحد من نفوذ المهندس والقادة المدعومين من إيران، لكن فشلنا».

يحصل الحشد الشعبي، الذي يقدر عدد أعضائه بحوالي 150 ألف مقاتل، و50 فصيلًا مسلحًا، على رواتبه من الحكومة العراقية، هناك بعض الفصائل مثل تلك الموالية لإيران، بجانب راتبها من الحكومة العراقية، تحصل على دعم مالي كبير من طهران.

وقد بلغت ميزانية الحشد الشعبي في عام 2016، حوالي تريليون و160 مليار دينار عراقي، وزادت إلى أكثر من تريليوني دينار عراقي في ميزانية عام 2019، مع طلب من هيئة الحشد لمساواة رواتبهم بالقوات المسلحة. 

محاولات عادل عبد المهدي الذي تولى رئاسة الوزراء في أكتوبر 2018، لم تختلف كثيرًا عن المحاولات الفاشلة لسلفه حيدر العبادي، وعلى الرغم من الأخير الذي كان كارها لوجود مجموعات شبه عسكرية، وسيطرة إيران على معظمها في العراق؛ كان عبد المهدي خاضعًا تمامًا للقادة الكبار في الحشد الشعبي، بحسب مصدر مقرب من الأخير.

جل ما فعله عبد المهدي، كان إصدار مرسوم آخر في يوليو (تموز) 2019، يأمر بإعادة هيكلة الحشد الشعبي، وإلغاء العديد من المناصب داخل الحشد، بما في ذلك منصب أبو مهدي المهندس.

يقول المصدر المقرب من رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، لـ«ساسة بوست»: «كان إلغاء منصب المهندس، أمرًا شكليًا فقط، فحتى آخر لحظة في حياة المهندس، كان هو من يدير الحشد الشعبي، لأن إزاحته من المشهد كانت صعبة للغاية من الناحية اللوجستية والفنية».

دخول الحشد الشعبي الساحة السياسية

بعد أن تمكنت قوات الحشد الشعبي، بمختلف فصائله وتياراته، من هزيمة «داعش» في العراق، والنجاح في كسب أكبر المعارك، كان قد حان الوقت بحسب وجهة نظر قادة الفصائل المسلحة الموالية لإيران، للدخول إلى عالم السياسية، ففي الاحتفال بالذكرى الثالثة لتأسيس الحشد الشعبي، في يونيو 2017، قال قيس الخزعلي الذي كان من أهم قيادات جيش المهدي، قبل أن ينشق عن مقتدى الصدر، ويأسس فصيله المسلح المعروف باسم عصائب أهل الحق، ويعلنها صراحة «النصر العسكري بدون نصر سياسي لا معنى، ولا قيمة له».

وعلى الفور، أعلنت الفصائل المسلحة داخل الحشد الشعبي، المدعومة من إيران، (منظمة بدر، كتائب حزب الله، كتائب سيد الشهداء، وعصائب أهل الحق)، عن اتفاق مبدئي من أجل العمل على قائمة موحدة للترشح في الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2018.

عربي

منذ 8 شهور
بعد قتل المتظاهرين في العراق.. هل ترفع العشائر سلاحها في وجه قتلة أبنائها؟

حينها كانت الظروف المحيطة بالحشد الشعبي، والانتصارات التي حققها، والشعبية التي حظي بها في أغلب أنحاء العراق، تلعب دورًا مهمًا في إصرار قادة بعض الفصائل على الخوض في عالم السياسية، لتحقيق أكبر المكاسب. فعلى سبيل المثال وفقًا لاستطلاع رأي أجراه «المعهد الديمقراطي الوطني» في عام 2017، وافق 97% من العراقيين في المحافظات الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية على الحشد الشعبي.

بل في مقارنة بين شعبية رئيس منظمة بدر، هادي العامري، ورئيس الوزراء حينها حيدري العبادي، حصل الأول على نسبة 66%، مقابل 52 % للعبادي، بحسب الاستطلاع؟

يقول سياسي عراقي في حزب الدعوة لـ«ساسة بوست»، «في ذلك الوقت، كان من المتوقع أن يصبح هادي العامري رئيسا للوزراء، خلفا للعبادي، وكان العامري يفكر بجدية في هذا الأمر».

لكن يبقى السؤال الأهم، وفقا للمرسوم الذي أصدره حيدر العبادي في 2016، بكون الحشد الشعبي كيان عسكري مستقل داخل القوات المسلحة العراقية، وفي الوقت نفسه يحظر الدستور العراقي، القوات المسلحة وأفرادها بمن فيهم الأفراد العسكريون العاملون في وزارة الدفاع، أو أي إدارة تابعة للوزارة، المشاركة في الحياة السياسية، والترشح في الانتخابات المحلية والبرلمانية.

لكن أحد القادة داخل الحشد الشعبي، قال في حديثه مع «ساسة بوست»، فيما يخص هذا الأمر، «أن أغلب القادة الكبار داخل الحشد الشعبي، هم سياسيون بالأساس، وليسوا عسكريين، ويحق لهم الترشح، ولا يوجد أي شيء دستوري يمنع هذا الأمر».

يبرهن القائد في حديثه، على خوض هادي العامري، على سبيل المثال، للانتخابات البرلمانية لعام 2014، وحصول قائمته على 22 مقعدًا في البرلمان العراقي، مضيفًا: «بعد الانتصار على داعش، لا بد لنا من مواصلة الطريق السياسي، لضمان استقرار العراق».

برلمان 2018.. الفصائل المسلحة تحصل على ما تريد

خاضت أغلب الفصائل المسلحة الموالية لإيران، داخل الحشد الشعبي، الانتخابات البرلمانية لعام 2018، باسم «تحالف فتح» الذي يقوده هادي العامري. حقق التحالف مراده، واستنادًا على شعبيتها في الأوساط العراقية، والشرعية الدينية والقانونية التي منحت له من قبل، حصل التحالف على 47 مقعدًا، من أصل 239 مقعدًا، ليأتي التحالف في المركز الثاني، بعد تحالف «سائرون» بقيادة مقتدى الصدر، والذي حصل على 54 مقعدًا.

داخل البرلمان العراقي، تكون التحالفات التي حصلت على أكبر عدد من المقاعد، مثل فتح وسائرون، هما اللذان يتمتعان باليد العليا في اختيار المناصب الحكومية، وتقسيم الحقب الوزارية، من خلال تشكيل ما يعرف باسم «الكتلة البرلمانية الأكبر»، لذلك فإن المكاسب التي حققتها الفصائل المسلحة في برلمان 2018، كانت كبيرة، ومكنتهم من أن يكونوا لاعبًا أساسيًا في عملية صنع القرار السياسي في العراق.

شعبية الحشد الشعبي تتكسر على صخرة «مظاهرات أكتوبر»

قبل الانتفاضة المناهضة للحكومة التي شهدها العراق في أكتوبر 2019، كان الحشد الشعبي، بدأ في رحلة فقدان شعبيته بالتدريج، بعدما واجه ناشطون وصحفيون عراقيون تهديدات عديدة من مجموعة من الحسابات المجهولة على وسائل التواصل الاجتماعي، وصلت الأمر إلى حد التهديد بالقتل.

يقول صحافي عراقي تعرض لتهديدات من قبل تلك الجيوش الإلكترونية كما يطلق عليها في العراق، لـ«ساسة بوست»: «عندما زادت حدة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، كتبت منشورًا على حسابي على موقع فيسبوك، محذرًا من تورط العراق في تلك الحرب بين البلدين، بعد نشر المنشور بأقل من ساعتين، وصلتني مئات من الرسائل التي تهددني بالقتل».

وصل الأمر إلى نشر قائمة بأسماء عدد من الصحافيين والنشطاء، من قبل صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، واتهامهم بالخيانة والعمالة لإسرائيل، اعتبر البعض الأمر أنه تحريض بالقتل ضد كل من تم ذكر اسمه في تلك القوائم.

عربي

منذ 8 شهور
اغتيالات بالجملة.. الخطر ينال من حياة صحافيي العراق وعائلاتهم!

تواصلنا مع صحافي عراقي يعمل ضمن الهيئة الإعلامية للحشد الشعبي، للاستفسار أكثر عن من يدير تلك الحسابات، خاصة بعد اتهام البعض بأن الفصائل المسلحة داخل الحشد الشعبي الموالية لإيران، هي من تقف وراء كل تلك الأمور، فقال الصحافي في تصريح لـ«ساسة بوست»: «هؤلاء النشطاء والصحافيين، يحرضون الناس ضد الحشد الشعبي، الذي خاطر بنفسه من أجل تحرير البلاد من الإرهاب، بل إنهم أداة في يد بعض السفارات لتنفيذ أجندات أجنبية، هم من بدؤوا المعركة».

فى بداية شهر أكتوبر 2019، خرج العراقيون المناهضون للحكومة للاحتجاج ضد الفساد والبطالة والفقر وانعدام الخدمات العامة، ضمن الكثير من الأمور الأخرى، وعلى الفور قوبلت تلك الاحتجاجات برد فعل عنيف من قبل قوات الأمن العراقية.

قضى الشباب العراقي يوم 6 أكتوبر الماضي، ليلة دامية في الاشتباكات مع قوات الأمن، وفى صباح اليوم التالي، خرج المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية، اللواء سعد معن، ليعلن أن حصيلة أسبوع من الاحتجاج كانت 104 قتيل، و6 آلاف مصاب.

حينها كان المتظاهرون يتحدثون عن أن أغلب القتلى من المحتجين قد وقعوا على إثر إصابات مباشرة في الرأس والقلب من قبل قناصة استهدفت المحتجون، وأكد اللواء معن، رواية المتظاهرين عن وجود قناصة، بقوله إن هناك أيد خبيثة استهدفت المحتجين ورجال الأمن معا. لكن، من هي تلك الأيادي الخبيثة، أو الطرف الثالث، التي استهدفت جموع المتظاهرين في العراق؟

يقول صحافي عراقي، كان يقوم بتغطية المظاهرات، لـ«ساسة بوست»: «شاهد الأهالي والمحتجون في مختلف المحافظات العراقية التي شهدت احتجاجات، وجود قوات ترتدي زيا عسكريا، ملثمين، بدون أي شارة، يعتلون أسطح المنازل».

يؤكد الصحافي العراقي، انه وفقا لروايات الأهالي وشهود عيان، إن تلك القوات كانت تنتمي إلى كتائب حزب الله، وسرايا الخراساني، وهم من الفصائل الموالية لإيران داخل الحشد الشعبي.

زادت حدة الأمور مع مرور الوقت، وزاد استهداف تلك الفصائل للمحتجين والنشطاء، ووصل الأمر إلى قتل وخطف بعضهم، في ذلك الوقت، كان قاسم سليماني يزور العراق بشكل مستمر في محاولة للسيطرة على الاحتجاجات العراقية، بالتعاون مع قادة الحشد الشعبي المدعومين من إيران.

وهو ما أثار غضب العراقيين حينها، وقاموا بإضرام النيران في القنصليات الإيرانية في النجف وكربلاء أكثر من مرة، اعتراضًا منهم على تدخل الجارة الإيرانية في الشؤون الداخلية.

حرق القنصلية الإيرانية في كربلاء:

عمل سليماني قبل اغتياله على يد القوات الأمريكية في يناير (كانون الثاني) 2020، مع حلفائه العراقيين أمثال هادي العامري، ونوري المالكي، على إجهاض تلك الحركة الاحتجاجية، وتثبيت رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي في منصبه، ما ساهم في قطع الطريق أمام المحتجين العراقيين، الذين كانوا يطالبون بإقالة عبد المهدي، وإجراء انتخابات برلمانية جديدة.

اغتيال سليماني والمهندس

في أوائل شهر يناير الماضي، قامت الولايات المتحدة باغتيال الجنرال قاسم سليماني، أهم عسكري في الجمهورية الإسلامية، وقائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري، وبرفقته أبو مهدي المهندس، صديقه المقرب، والرجل المسيطر على هيئة الحشد الشعبي، في غارة جوية بطائرة بدون طيار بالقرب من مطار بغداد الدولي.

وبالرغم من أن الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، أعلن على الفور تعيين اللواء إسماعيل قاآني خليفة لسليماني، إلا أن الأمور لم تكون بتلك السهولة، بالنسبة إلى الفصائل المدعومة من إيران في العراق، والتي كانت تتلقى كل أوامرها وتحركاتها بأمر من سليماني.

فقبل اغتيال سليماني والمهندس، كانت الفصائل الموالية لإيران داخل الحشد الشعبي، بجانب انخفاض شعبيتها في الشارع العراقي، نتيجة تورطها في قتل المتظاهرين، قد شهدت العديد من الخلافات الداخلية فيما بينها.

يقول أحد قادة الفصائل المدعومة من إيران لـ«ساسة بوست»: «فى الفترة الأخيرة، كان المهندس وسليماني، يحاولان السيطرة على النزاعات الداخلية داخل الحشد، والتي أغلبها كان نتيجة صراع على مكاسب مالية وادارية».

زاد اغتيال الرجلين المؤثرين من حدة تلك الصراعات، وفي محاولة من طهران لتهدئة تلك الخلافات، كان لا بد من إيجاد من يقود تلك الفصائل، خاصة وأن الجنرال قاآني لم يكن مقربا من الوكلاء العراقيين بقدر سليماني، فالرجل عمل طوال تاريخه في الحرس الثوري على ملف الوكلاء الأفغان بشكل خاص.

حسن نصر الله: قائد في العراق

لم تجد طهران، أفضل من الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله للسيطرة على الفصائل المسلحة العراقية، لبعض الوقت، ولحين وضع خطة بديلة. فسافر عدد كبير من قادة الفصائل المسلحة الموالية لإيران إلى لبنان، للقاء حسن نصر الله، والتخطيط للمرحلة القادمة بدون سليماني والمهندس.

يقول أحد القادة المطلعين على هذه الاجتماعات لـ«ساسة بوست»: «شهدت اجتماعات بيروت تزايد حدة الاتهامات المتبادلة بين القادة العراقيين، ووصل الأمر إلى تهديد البعض بإعلان الانشقاق، وتشكيل فصائل جديدة».

اغتيال سليماني - اغتيال قاسم سليماني

لكن بحسب المصدر المطلع، فإن نصر الله تمكن من تهدئة الأمور قليلا، حتى يتم الانتهاء من الانتقام والثأر لمقتل سليماني والمهندس. وفى تلك الاجتماعات التي تمت في لبنان، كان الحديث يجري في اتجاه اختيار هادي العامري خليفة للمهندس، ولكن لم يتم التأكيد على هذا الأمر. فكانت طهران تحتاج إلى المزيد من الوقت لترتيب أوراقها بعد الضربة الكبرى التي تلقتها باغتيال سليماني.

أحد القادة في سرايا الخراساني، قال في حديثه لـ«ساسة بوست»: إن «تكليف إيران لنصر الله بتولي أمر الفصائل العراقية، لم يلق استحسانًا لدى بعض القادة».

سافر قادة الفصائل الموالية لإيران، من بيروت إلى طهران للاجتماع بالقادة العسكريين والسياسيين في إيران، لكن اجتماعات طهران، كانت تهدف إلى وضع خطة للتعامل مع القوات الأمريكية في العراق، بعد دعوة الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي إلى طرد القوات الأمريكية من المنطقة بأكملها.

في اجتماعات طهران، وبحسب بعض المطلعين إلى على تلك المناقشات من الجانب الإيراني، كان الحديث يذهب في اتجاه، تقليل احتكاك الفصائل المسلحة العراقية بالقوات الأمريكية.

الفصائل الموالية للسيستاني تعلن تمردها

بعد مرور شهر ونصف على اغتيال سليماني والمهندس، بدأت الفصائل الموالية للسيستاني في النجف، في التحرك بهدف إنهاء سيطرة الفصائل الموالية لإيران على الحشد الشعبي. يقول مصدر مقرب من ممثل السيستاني أحمد الصافي، لـ«ساسة بوست»: «وجد السيستاني وقادة الأضرحة (الفصائل الموالية للسيستاني)، أن الفرصة قد سنحت بإعادة بوصلة الحشد الشعبي لصالح العراق والعراقيين».

وفقًا للمصدر، فإن فصائل الأضرحة، كانت قد اجتمعت برئيس الوزراء العراقي المستقيل، عادل عبد المهدي، في أعقاب تورط الفصائل الموالية لإيران في قتل المتظاهرين العراقيين، لوضع خطة لإصلاح هيكل الحشد الشعبي، لكن المهندس كان رافضًا لكل تلك الخطط من جانب النجف.

يقول أحد قادة الفصائل الموالية للسيستاني، لـ«ساسة بوست»: «حينها، خشينا من اندلاع اقتتال داخلي بين الفصائل المختلفة في الحشد، فلجأنا إلى الصبر، لكن لا يجب تفويت تلك الفرصة الذهبية الآن».

في أعقاب اغتيال سليماني والمهندس، والخلافات الداخلية بين الفصائل الموالية لإيران، خاصة على من سيكون خليفة المهندس، أعلنت الفصائل المسلحة الموالية للسيستاني، قائمة طلباتها الجديدة بشكل صريح، مهددة أنه إذا لم يتم تنفيذها ستقوم بالانسحاب من هيئة الحشد الشعبي، بحسب بعض قادة فصائل الأضرحة، في حديثهم إلى «ساسة بوست».

الربيع العربي

منذ 8 شهور
«مذبحة كربلاء».. قصة المليشيات التي قتلت متظاهري العراق في مدينة الحسين

أبرز مطالب قادة الأضرحة، كانت السيطرة على المناصب الإدارية والعسكرية العليا داخل الحشد الشعبي، لكسر هيمنة إيران على الحشد، وهو ما رفضته بشدة الفصائل الموالية لإيران، وسارعت إلى اختيار أبو الفدك خليفة للمهندس، لكي يتم السيطرة على الفوضى داخل الحشد، ومواجهة تحركات النجف الأخيرة.

أبو الفدك، أو عبد العزيز المحمداوي من أهم قادة كتائب حزب الله، منذ عام 2003، وبحسب المصادر العراقية، فق قاد العديد من العمليات العسكرية في سوريا والعراق. وهو حليف قوي للجمهورية الإسلاميةالإيرانية، مما أثار غضب فصائل الأضرحة.

بعد اختيار أبو الفدك ليحل محل المهندس، من قبل حلفاء إيران في العراق، هددت فصائل الأضرحة بشكل صريح وقوي، بالانسحاب الفوري من هيئة الحشد الشعبي، والانضمام إلى القوات المسلحة العراقية.

يقول سياسي عراقي بارز في حزب الدعوة، لـ«ساسة بوست»، «هذا التهديد أثار مخاوف الفصائل الأخرى داخل الحشد، لأن تلك الخطوة ستكون بمثابة سحب الشرعية الدينية من الحشد الشعبي، وتعرضها للانتقاد والحرج».

بجانب خطر سحب الشرعية الدينية من الحشد الشعبي، خشيت الفصائل الموالية من إيران، من تأثير تلك الخطوة على قاعدتها الجماهيرية، وهي تقترب من الانتخابات البرلمانية لعام 2022.

أما في إيران، فكانت المؤسسة السياسية في طهران، تراقب الأمر عن كثب، مؤكدة على حلفائها في العراق، بضرورة إنهاء تلك التوترات على الفور، لتجنب انهيار الحشد الشعبي.

طريق مسدود!

منذ منتصف شهر فبراير (شباط)، إلى أواخر شهر أبريل، عقدت العديد من الاجتماعات بين قادة فصائل الأضرحة، ورئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، وفالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي، في محاولة لرأب الصدع بين فصائل الحشد المختلفة، لكن لم تثمر تلك الاجتماعات عن أي شيء.

وفي بيان مشترك صدر يوم 23 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت أربعة من الجماعات المسلحة الموالية للسيستاني، أو ما يعرف بقوات الضريح وهم: فرقة العباس القتالية، فرقة الإمام علي، كتائب علي الأكبر، لواء أنصار المرجعية، الانسحاب الكامل من هيئة الحشد الشعبي، والانضمام إلى القوات المسلحة العراقية الرسمية.

بعد هذا البيان، اجتمع على الفور هادي العامري مع قادة قوات الأضرحة، في محاولة أخيرة للتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف، يمنعهم من الانفصال عن الحشد. وبحسب قادة مطلعين على هذا الاجتماع، تحدثوا لـ«ساسة بوست»، فشل العامري في إقناع قادة قوات الأضرحة، بأي شيء، وقال أحدهم لـ«ساسة بوست»: «منذ عدة سنوات، ونحن نعلن عن مظالمنا التي كان مسئولًا عنها بشكل مباشر المهندس، ومنذ عدة سنوات ونحن نحذر من سيطرة إيران على الحشد، وتحويله إلى أداة لقمع العراقيين بدلا من حمايتهم، ولم تقدم الفصائل المدعومة من إيران إلى تسوية مرضية بالنسبة لنا».

على الجهة المقابلة، تتهم الفصائل الموالية لإيران، قوات الأضرحة، بالسعي إلى السيطرة الكاملة على الحشد الشعبي، وإقصائهم بالكامل، يقول مصدر مقرب من العامري، لـ«ساسة بوست»: «لا يمكن إنكار دورنا في المعارك ضد داعش، يريدون إقصاءنا بالكامل، وهذا أمر غير مقبول».

وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، وانفصلت قوات الأضرحة عن هيئة الحشد الشعبي، وبدأت فصلا جديدا في الاندماج مع القوات المسلحة العراقية. لكن هذا الانسحاب وضع الفصائل الموالية لإيران داخل الحشد الشعبي، في مأزق حقيقي، لأنهم بتلك الخطوة، سيفقدون الشريعة الدينية المستمدة من فتوى السيستاني في عام 2014، والتي على أساسها تأسس الحشد الشعبي.

هناك أيضًا مخاوف من ان تفتح الخطوة الأخيرة لقوات الأضرحة، الباب أمام المزيد من الفصائل، مما يهدد منظمة الحشد الشعبي بالتفكك.

الكاظمي والعودة إلى المربع صفر

بعد أن حصلت حكومة رئيس الوزراء العراقي المكلف حديثا مصطفى الكاظمي على ثقة البرلمان، قام بزيارة هيئة الحشد الشعبي، في 16 مايو (أيار) الفائت، في محاولة منه لتحسين الأمور بينهما قليلًا، خاصة وأنه قد قوبل تكليفه بالرفض من قبل عدد من الفصائل المسلحة المدعومة من إيران داخل الحشد الشعبي، وعلى الأخص كتائب حزب الله العراقي.

زيارة الكاظمي لهيئة الحشد الشعبي:

في تلك الزيارة الباردة من كلا الطرفين، أكد الكاظمي مرارا وتكرارا على أهمية الحشد الشعبي، لكن باعتبارها قوات ولاءها الأول والأخير للعراق، قائلا: «الحشد الشعبي مؤسسة عراقية خالصة، تابعة للدولة العراقية، وإن قوات الحشد ملك للعراقيين، وليست لأي أحد آخر».

في هذا الاجتماع، الذي جمع الكاظمي بقادة الفصائل الموالية للسيستاني، والأخرى الموالية لإيران، اختار الكاظمي الميل قليلا تجاه قوات الأضرحة، بالتأكيد على أهمية الدور الذي لعبه آية الله العظمى علي السيستاني في تشكيل الحشد الشعبي منذ البداية.

وعلى ما يبدو أن كلام الكاظمي وزيارته للحشد، لم تجد أي قبول لدى الفصائل المسلحة الموالية لإيران، فبعد زيارته بثلاثة أيام فقط، تم إطلاق صاروخ على مقربة من السفارة البريطانية الواقعة في المنطقة الخضراء، بالعاصمة بغداد.

وعلى خطى رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، يهدف الكاظمي إلى السيطرة على هيئة الحشد الشعبي، وبحسب مصدر في الحكومة العراقية، قال لـ«ساسة بوست»: «الكاظمي وضع الحشد الشعبي مهمة أولى له، فهو يريد أن ينفذ ما فشل فيه العبادي، وعبد المهدي».

وهذا ما أشار إليه الكاظمي في زيارته لهيئة الحشد الشعبي، مشددًا على ضرورة تطبيق قانون الحشد الشعبي، مؤكدًا للقادة الذي اجتمع بهم، أنه الطريقة الوحيدة، والإطار القانوني الوحيد الذي سيقوم بحماية قوات الحشد.

لكن ليس من السهل، أن يتخلى قادة الحشد الشعبي، عن المكاسب الاقتصادية والسياسية، التي حققوها على مدى السنوات الماضية، غير أنهم ليسوا على انسجام مع رئيس الوزراء الجديد، وهذا يعيدنا إلى المربع صفر، مرة أخرى، فيما يخص محاولات الحكومة العراقية للسيطرة على الحشد الشعبي.

عربي

منذ شهر
الكاظمي.. استراتيجية رجل المخابرات العراقي للنجاة من أفخاخ الخصوم والأصدقاء

صحيح، إن الكاظمي اتخذ خطوات تبدو قوية في طريق السيطرة على الحشد، فقام بإغلاق مقر الفصيل المسلح ثأر الله في محافظة البصرة، لتورط قادته في إطلاق النار على المتظاهرين، وأمر قوات الأمن باعتقال ميثم العكيلي، العضو البازر في سرايا الخراساني، التي اتهمها المتظاهرون العراقيون صراحة باستهداف المحتجين والنشطاء.

لكن الأهم من كل ذلك، إظهار القدرة والرغبة الحقيقية، في إخضاع الحشد الشعبي لسلطة القانون، وأن تعمل الدولة العراقية على فرض سيطرتها الكاملة على الهيكل القيادي للحشد، لمنع سيطرة الجانب الإيراني على قوات عراقية شبه عسكرية، كما هو يحدث الآن.

بجانب ذلك، يجب على الحكومة الجديدة والبرلمان أن يعملا على سد الثغرات القانونية التي استغلها قادة الحشد الشعبي من قبل للمشاركة السياسية والاقتصادية في البلاد، على أن تكون آخر خطوة هي عملية الدمج الكامل لتلك القوات داخل القوات المسلحة الرسمية، لتعود للدولة سيطرتها على العنف المشروع.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد