شهد المجتمع الأندلسي تنوعًا كبيرًا في عناصر السكان بحكم التنوع في الأصول البشرية والعقائد والثقافة، فكان يضم إلى جانب العرب الفاتحين، العرب الوافدين، والبربر الذين دخلوا مع طارق بن زياد، أو الذين هاجروا من بلاد المغرب إلى الأندلس؛ بحثًا عن المغانم أو سعيًا للاستقرار، بالإضافة إلى الإسبان الأصليين.

وقد كان لكل تلك العناصر دور كبير في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وكان من الطبيعي أن تتصل هذه العناصر بعضها ببعض، سواء بالمصاهرة أو العشرة أو المجاورة، وأن يأخذ كل منهم عن الآخر ويعطيه، مما كان له أثر في طبيعة الحضارة الأندلسية، كما كان لهذا التنوع دور في سقوط دولة الأندلس. وفي هذا التقرير نستعرض معًا التركيبة السكانية في بلاد الأندلس.

1- البلديون والبربر.. أول من استقروا بعد الفتح

عندما وصل القائد العسكري طارق بن زياد إلى شاطئ إسبانيا في رجب عام 92هـ/ أبريل (نيسان) عام 711م، كان معه جيش مكون من البربر المسلمين بنسبة كبيرة، إلى جانب صفوف قليلة من الجند العربي في منطقة المغرب الأقصى، وقد تولى طارق قيادتهم، بعد أن عهِد إليه القائد العربي موسى بن نصير، بذلك قبل الفتح بنحو عامين، ثم وصل الأخير مع جيش كبير من العرب الموجودين في شمال أفريقيا إلى إسبانيا،  من أجل مساندة ابن زياد.

الفتح الإسلامي للأندلس

الفتح الإسلامي للأندلس

بعدما توغلت الفتوحات إلى شمال شبه الجزيرة الإيبيرية، بعث الخليفة الأموي، الوليد الأول، في دمشق إلى القائدين يطلب منهما العودة، فما كان منهما إلا الاستجابة للأوامر، بينما فضَّل غالبية الجنود البقاء وتأسيس حياتهم الجديدة. وقبل عودته، عيَّن موسى بن نصير ابنه واليًا على الأندلس، بعدما اختار إشبيلية عاصمة لها.

– البلديون

أطلق الجنود العرب الذين آثروا البقاء في الأندلس على أنفسهم اسم «البلديين»، وكانوا يتألفون من عشائر عربية مختلفة. وكانت اليمانية والقيسية من أشهر العشائر العربية التي رافقت حملة موسى بن نصير، وقد استقروا عامةً في سرسقطة، وشذونة، وقرطبة، ومنطقة شارقة، واختار بعضهم مناطق أخرى للاستقرار، كذلك استقر رجال العشائر العربية الأخرى في مناطق متفرقة، بحسب ما ذُكر في كتاب «التكوين العنصري للشعب الأندلسي وأثره على سقوط الأندلس».

– البربر

أما الجنود البربر الذين جاؤوا مع طارق بن زياد، فقد فاقوا الجنود العرب عددًا، ولحق بهم الكثيرون من البربر من شمال أفريقيا إلى الأندلس بعد نجاح الفتح، واستقروا في المناطق التي هجرها السكان المحليون بعد الفتح. وكان غالبية البربر الذين دخلوا الأندلس من قبيلة مصمودة وفروعها، إلى جانب مجموعة أخرى من القبائل مثل هوارة وزناتة.

2- الشاميون.. من ذهبوا للأندلس هربًا من حصار البربر

في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وتحديدًا في عام 741 ميلاديًّا، أرسل الخليفة جيشًا مكونًا من نحو 30 ألف رجل من القبائل العربية التي تسكن بلاد الشام، إلى شمال أفريقيا للقضاء على تمرد البربر.

تمكن البربر من هزيمة الجيش العربي وقتل قائدهم كلثوم بن عياض القشيري، فما كان من الناجين إلا أن توجهوا إلى مدينة سبتة في الشمال الغربي للتحصن فيها، ولكن صاروا تحت حصار البربر حتى أصبحت حياتهم سيئة واضطروا إلى أكل دوابهم.

هنالك، وبحسب ما يذكر كتاب: «تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس»، فكَّر هؤلاء الناجون في العبور إلى بلاد الأندلس، فما كان منهم إلا أن راسلوا واليها عبد الملك بن قطن الفهري، ليلتمسوا منه العبور إلى الأندلس، لكنه امتنع عن منحهم الإذن ورفض طلبهم عدة مرات، خوفًا من سيطرتهم على مقاليد الحكم. ولم يكتفِ الفهري برفض انتقال الناجين، بل منع إرسال أية تموينات إليهم، وعاقب من أرسل إليهم المساعدات.

ولكن، حينما وصل التمرد إلى البربر في الأندلس، ما كان من الفهري إلا أن عقد اتفاقًا مع الناجين على الضفة الأخرى. كان مفاد الاتفاق السماح للناجين بالانتقال إلى الأندلس، على أن يأخذ الفهري رهائن منهم؛ ليضمن مغادرتهم الأندلس خلال عام واحد بعد القضاء على تمرد البربر.

بعد الانتصار على البربر، رفض الشاميون الناجون العودة إلى بلادهم، فنشب خلاف بينهم وبين البلديين، وهو ما استمر حتى تمكن الأمير الجديد، أبو الخطار الحسام بن ضرار الكلبي، من حله، فقد منح الشاميين إقطاعات من الأرض لم يستقر بها البلديون بعد، ومع دخول الشاميين واستقرارهم، بدأ البلديون يفقدون سيادتهم الأولى شيئًا فشيئًا.

3- المسالمة والمولدون.. سكان أصليون اعتنقوا الإسلام

بعد فتح الأندلس، اعتنق الكثير من السكان الأصليين في البلاد؛ من الإسبان والقوط، الديانة الإسلامية، واندمجوا في المجتمع الجديد، وأُطلق عليهم المسالمة، وتحول معظمهم إلى موالي الفاتحين، وخاصة البربر، فكانوا يمثلون أغلبية الفاتحين.

الأندلس

ويُشار إلى أن الفئات الأولى التي اعتنقت الإسلام بعد الفتح كانوا من الطبقات الفقيرة والمضطهدة، ولم يقتصر الأمر عليهم، بل تبعهم طبقات اجتماعية عديدة مثل النبلاء والزراع والحرفيين وغيرهم.

وعندما تزوج المسلمون العرب والبربر من نساء الإسبان، أنجبوا أطفالًا نشأوا على الإسلام، وأُطلق عليهم المولدون، وتمكنوا فيما بعد من المشاركة في الحياة السياسية في البلاد، واشتهر كثير منهم بالقوة والنفوذ والثراء، إلا أنهم لم يحظوا بالامتيازات ذاتها التي ينعم بها العرب والبربر.

4- المستعرَبون.. أهل الذمة من المسيحيين الإسبان

المستعربون هم «المسيحيون الإسبان» الذين آثروا الاحتفاظ بدينهم، فأصبح لهم حقوق وعليهم واجبات، وعاشوا على مبدأ التعايش والاندماج، ولكنهم تأدبوا بآداب اللغة العربية وبعادات العرب. تكلم أولئك المستعربون بلغة العرب الفاتحين، وتفننوا في استخدام الفصحى ونظم الشعر، وقراءة أمهات الكتب.

وبسبب تغلغلهم في اللغة العربية، فقد أهمل الشباب والأطفال دراسة اللاتينية – لغة الدين المسيحي – وهو ما أوصلها إلى درجة كبيرة من التدهور، فأصبح من الضروري ترجمة قوانين الكنيسة الإسبانية القديمة والإنجيل إلى اللغة العربية ليتمكن المستعربون من استخدامها. كذلك، اقتبس المستعربون الكثير من التقاليد الاجتماعية التي لا تتوافق مع المسيحية مثل اتخاذ الجواري.

وقد مارس المستعرَبون أشغالًا عملية مختلفة؛ مما أهلهم ليصبحوا من ذوي النفوذ والأملاك. كما أن معرفة رجال الدين للغتين العربية واللاتينية أهَّلتهم ليقوموا بدور المترجمين والسفراء.

5- الصقالبة.. الرقيق في بلاد الأندلس

كان سكان البلاد المختلفة من بلغاريا العظمى التي امتدت أراضيها من بحر قزوين إلى البحر الأدرياتي، ومن المقاطعات الإسبانية الشمالية، وغيرها من الأماكن، وقد استمدت من كلمة رقيق بالفرنسية.

وكان الصقالبة أشهر أنواع الرقيق الأبيض، ولم يتمكنوا من الاندماج في المجتمع الأندلسي، ولكن كانوا يمثلون العنصر الأوروبي في الأندلس، وكانوا يأملون في القضاء على الدولة الإسلامية في البلاد، فقد استُعبدوا وتحولوا إلى رقيق. وقيل إن تجار النخاسة من اليهود قد جلبوهم أطفالًا وخصوهم، مما زاد الإقبال عليهم، فتلقوا تربية ممتازة، وجعلهم يعتلون أرفع المناصب.

وقد اتخذ منهم الحكم بن هشام الربضي، حرسًا خاصًّا له، واتخذ منهم الخليفة عبد الرحمن الناصر مستشارين وقادة في الجيش والغزو، ومدبري الدولة. وهكذا، تدرج الصقالبة من أدنى المراتب إلى أعلاها، حتى إن نفوذهم قد زاد كثيرًا مع ضعف الخلافة الأموية، وسيطروا على شؤون الحكم، وتدخلوا في تعيين الخلفاء وعزلهم وقتلهم.

6- اليهود.. ساعدوا الفاتحين الجدد

كان اليهود أحد العناصر في المجتمع الأندلسي، وقد حظيت الطوائف اليهودية في الأندلس بثقة العرب المسلمين منذ بداية الفتح، فكان هناك ثقة متبادلة بين الطرفين، فاليهود لم يتعرضوا للقمع والاضطهاد في ظل الحكم الإسلامي، كما أن معاملة القوط السيئة لهم، جعلتهم يقفون مع الفاتحين الجدد من المسلمين، وشاركوا في حماية المدن المفتوحة.

Embed from Getty Images

وقد وُجد اليهود في معظم المدن الأندلسية، ومارسوا معتقداتهم وشعائرهم بحرية كاملة، ونسبت بعض المناطق إليهم نظرًا إلى دورهم البارز فيها؛ مثل غرناطة اليهود، ورُندة اليهود.

مارس اليهود في الأندلس النشاطات التجارية، كما احترفوا الطب والترجمة، وتقلد بعضهم أعلى المناصب، ومن بينهم «حاشداي بن شبرون» الذي حظي بمنصب وزير في ظل الخلافة الأموية في القرن العاشر الميلادي، كما كان طبيب الخليفة الخاص.

7- المدجنون.. مسلمون في مناطق السيطرة المسيحية

أما المدجنون فهم المسلمون الذين بقوا في المناطق المسيحية التي يسيطر عليها الحكم المسيحي بعد حروب الاسترداد المستمرة منذ أوائل القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي. فنتيجة لهذه الحروب، تمكن الإسبان من فرض سيطرتهم على بعض المناطق التي كانت قد فُتحت مسبقًا، واستقر فيها المسلمون.

بعد تحول تلك المناطق للحكم الإسباني من جديد، ظل المسلمون مقيمين فيها، وكان يطلق عليهم المعاهدون أو المداخلة، ولكن بعد زيادة أعدادهم إبان استيلاء الإسبان على المزيد من القواعد، شاع عنهم اسم المدجنين؛ أي الذين سكنوا المكان وأقاموا فيه.

كان المدجنون يحظون بمعاملة جيدة، واحتفظوا بدينهم الإسلامي وثقافتهم العربية الإسلامية، ولم يبدأ التضييق عليهم إلا بعد موقعة الذلَّاقة في عام 479هـ/ 1086م، في نهاية عصر الطوائف.

8- الموريسكيون.. المسلمون بعد سقوط غرناطة

مجتمع

منذ سنتين
من كتاب التاريخ.. كيف مارس الموريسكيون شعائرهم الدينية سرًا في إسبانيا؟

بعد سقوط غرناطة في 1492م، وزوال السلطان السياسي للمسلمين في الأندلس، آثر الكثيرون من السكان البقاء تحت الحكم الجديد، وقد سُمح لهم بالبقاء آمنين وفقًا لما نصت عليه اتفاقية الاستسلام. وأُطلق على هؤلاء مورسكيون «Moriscos» وهي اللفظ الإسباني المقابل لكلمة المتأخرون، أي الذين لم يلحقوا بإخوانهم النازحين.

ولكن، ما لبث أن تعرض أولئك الموريسكيون لخطة إبادة بسبب عقيدتهم الدينية، وخضعوا لأهوال محاكم التفتيش، والتنصير القسري، ولكي يتجنب المسلمون التعذيب والإبادة، أظهروا المسيحية، رغم أنهم ما زالوا مسلمون.

ظلت معتقدات الموريسكيين كما هي، فقد أبطنوا الإسلام في قلوبهم بينما كانوا يظهرون غير ذلك، فقد كانوا يذهبون إلى القداس، ولكن من أجل التملص من دفع الغرامات. كما كانوا إذا عُمِّد أطفالهم، لا يلبثون إلا أن يغسلوهم ليزيلوا آثار ما علق بهم من زيت مقدس سريعًا، وكانوا يؤدون الصلوات الكنسية في مراسم الزواج في الكنيسة، ولكن ما إن يعودوا حتى يقيموا الشعائر الإسلامية.

المصادر

تحميل المزيد