في السابع من الشهر الجاري تم تنصيب الرئيس الأوكراني الجديد بيترو بوروشينكو، في خطاب تنصيبه تعرض الرئيس الأوكراني لعدة قضايا، كان أهمها أزمة شبه جزيرة القرم ـ التي وصفت بأنها لا سابق لها منذ انتهاء الحرب الباردة
ـ حيث أكد أن بلاده “لن تتنازل أبدًا عن شبه جزيرة القرم والانحياز لأوروبا والسعي نحو عضوية الاتحاد الأوروبي”، فيما يلي سنتعرف بالرئيس الجديد وأهم الملفات التي تواجهه.

 

رجل الشوكولا

 

للرئيس الأوكراني الجديد تاريخ سياسي واقتصادي جيد، كان بوروشينكو أحد قادة الثورة البرتقالية عام 2004، وأحد أبرز الداعمين للمظاهرات الشعبية التي خرجت في 2014 ضد الرئيس السابق فيكتور يانكوفيتش.

بدء بوروشينكو حياته متخصصًا في العلاقات الدولية، واعتلى كراسي البرلمان منذ عام 1998، وحتى العام 2007. تنقل بوروشينكو ما بين تياري المعارضة والسلطة، لعب دورًا في تأسيس حزب الأقاليم الموالي للرئيس السابق يانكوفيتش، وقد عين وزيرًا للاقتصاد والتجارة في عهده عام 2012.

الثورة البرتقالية التي كان بوروشينكو قائدًا فيها

فيما كان بوروشينكو أحد قادة الثورة البرتقالية على يانكوفيتش عام 2004، وقد شغل عدة مناصب في حكومات أخرى موالية للغرب، حيث استلم منصب سكرتير مجلس الأمن والدفاع القومي الأوكراني بعد الثورة البرتقالية، وعين وزيرًا للخارجية عام 2009.

بوروشينكو رجل أعمال، ويلقب في أوكرانيا برجل الشوكولا، لأنه يمتلك أكبر شركة تصنيع حلويات في أوكرانيا، إضافة إلي صناعة الشوكولا والحلوى، كما تمتد مصانع وشركات بوروشينكو إلى المواد الغذائية وتجارة السيارات والحافلات، ثم إلى الإعلام حيث يمتلك بوروشينكو القناة الخامسة في التليفزيون الأوكراني وأحد المواقع الإخبارية المشهورة وعددًا من محطات الراديو، صنفته مجلة فوربس عام 2013 في المرتبة الخامسة بين أثرياء أوكرانيا.

وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يقابل زعماء المعارضة الأوكرانية يناير 2014

 

1ـ العلاقة مع روسيا

 

تتسم العلاقات الأوكرانية بروسيا بنوعٍ من الحذر والترقب دومًا، فالدولة التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي يومًا ما ونالت استقلالها على أثر انهياره، ما زالت الدولة الروسية تنظر إليها ـ كما لغيرها من دول الاتحاد السوفيتي السابق ـ بعين الحنين إلي ضمها مرة أخرى، خصوصًا أن أوكرانيا تعتبر بوابة خلفية لروسيا.

 

الرئيس الروسي بوتين

 

في خطاب تنصيبه أكد الرئيس الأوكراني الجديد أنَّ مواطنو أوكرانيا لن ينعموا بالسلام إلا مع ترتيب العلاقات الودية مع روسيا، وأكد أنه قد أبلغ الرئيس الروسي الحالي فلاديميير بوتين بهذه الرسالة، إضافةً إلى عدم تخلي أوكرانيا عن القرم، أثناء مراسم إحياء ذكرى يوم الإنزال في نورماندي بفرنسا منذ أيام.

 

أولاً: شبة جزيرة القرم

 

“اعتبر الرئيس الجديد لأوكرانيا شبه جزيرة القرم تابعة لأوكرانيا، وأعلن أنه لن يتخلى عنها”

 

مع سقوط الرئيس الأوكراني السابق، الموالي لروسيا فيكتور يانكوفيتش، ونجاح الاحتجاجات الشعبية المناهضة له وللنفوذ الروسي في البلاد، وهروبه إلي روسيا، بدأت روسيا اللعب بورقة أخرى في شبه جزيرة القرم، حيث قامت الجماهير بشبة الجزيرة بالتصويت على الانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا أو بقائها تابعة لأوكرانيا. كانت النتيجة بالانفصال عن أوكرانيا، وتمثل شبه الجزيرة أهمية استراتيجة واقتصادية وعسكرية لكلا البلدين نظرًا لموقعها الجغرافي. أصبح الروبل الروسي العملة الرسمية الوحيدة في جمهورية القرم بينما أصبح الغريفن ـ عملة أوكرانيا ـ بمثابة عملة أجنبية.

 

ثانياً: شرق أوكرانيا

 

مع تصاعد حدة الأزمة في أوكرانيا، أعلن انفصاليون في شرق أوكرانيا انفصالهم من جانب واحد، الكيانان اللذان أعلنا انفصالهما هما: جمهورية دونتسيك الشعبية، وجمهورية لوغانسك الشعبية، وبدأت المناوشات العسكرية بين الانفصاليين والجيش الأوكراني، وقد أعلن الانفصاليون في شرق أوكرانيا أن أوكرانيا “دولة مجاورة”، ويعتقد مراقبون أن روسيا أيضًا لها نفوذها في الجمهوريتين المنفصلتين.

قوات الدونتسيك، أبريل 2014

 

2ـ الاتحاد الأوروبي والغرب

 

يعتبر بوروشينكو أحد أهم الداعين لعلاقات قوية مع أوروبا، ورفيقته يوليا تيموشينكو التي كانت أحد قادة الثورة البرتقالية 2004 إلى جانبه تعتبر من نفس تياره، ويجمعهما أن كليهما صاحب أعمال يسعى إلي اقتصاد رأسمالي ويسعى للانضمام للاتحاد الأوروبي. وخلال مناورات عديدة كانت روسيا من ناحية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من ناحية أخرى يتصارعان على النفوذ في أوكرانيا، ويبدو أن الإطاحة بالرئيس السابق، المحسوب على روسيا، قد ضايقت موسكو فاتخذت خطوات أخرى للضغط على أوكرانيا.

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع الرئيس بوتين وبوروشينكو خلال إحياء ذكرى الإنزال في نورماندي بفرنسا

في خطابه الأول أكد الرئيس الأوكراني الجديد أنه طلب جميع أوجه المساعدة من الغرب لتعزيز موقف أوكرانيا في مجالي التنمية والاقتصاد ووحدة الدولة. وقد استطاعت أوكرانيا مواجهة أزمتها الاقتصادية عبر حزمات اقتصادية من قبل الغرب وصندوق النقد الدولي.

 

3ـ مشكلات اقتصادية

 

إخراج البلاد من انكماش شبه متواصل منذ سنتين، إضافة إلى الملفات السابقة التي ينتظر الأوكرانيون من رئيسهم الجديد بوروشينكو حلها فإن هذه أحد أهم الملفات التي سيواجهها رجل الأعمال ـ الرئيس.

أنقذت أوكرانيا من الإفلاس بفضل المساعدات الغربية الكثيفة، لكنها بقيت غارقة في حال انكماش مؤلم جدًا بالنسبة للسكان، ويزيدها تفاقمًا حالة التمرد في قلبها الصناعي (شرق أوكرانيا).

 

ترك يانكوفيتش أوكرانيا في حال اقتصادي صعب

بعد مرور ثلاثة أشهر ونصف على سقوط الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش، مرت البلاد بمشكلات اقتصادية تعافت منها مع إعداد خطة الإنقاذ الغربية (27 بليون دولار) ودفع صندوق النقد 3,2 بليون دولار في مطلع مايو.

 

يُتوقع أن يتجاوز معدل التضخم 10% في الأشهر المقبلة مما سيؤدي إلى تراجع أكبر للقوة الشرائية

 

إضافة إلى صعوبة الوضع وافقت السلطات الأوكرانية على تدابير غير شعبية للحصول على مساعدة صندوق النقد مع تجميد معاشات التقاعد ورفع سعر الغاز. كما يزداد النشاط الاقتصادي تراجعًا، فالإنتاج الصناعي يسجل انخفاضًا نسبته 6% قياسًا إلى السنة الماضية. ويتوقع صندوق النقد انخفاضًا يبلغ 5% لإجمالي الناتج الداخلي على مدى السنة، فيما يعبّر كثيرون من الخبراء عن تشاؤم أكبر.

 

هل عند بوروشينكو القدرة على حل هذه المشكلات؟

 

بناء على المعطيات الحالية، ووفق العديد من المراقبين، لن يستطيع الرئيس الجديد أن يقوم بحل هذه المشكلات الكبيرة، بينما يرى البعض أنَّ الرئيس الحالي وإن لم يستطع أن يحلها جميعًا فعلى الأقل سيستطيع لعب دور مهم في تقليصها.

1ـ العلاقة مع روسيا: يستطيع أن يضمن خروجًا من إقليم شبة جزيرة القرم يحفظ لروسيا هيبتها إذا توصَّل إلي حل مع الدب الروسي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لكنَّ هذا لن يتحقق إلا بحياد تام من قبل بوروشينكو بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، وهو ما لم يعلن عنه الرئيس الجديد، بل بالعكس فقد أعلن أنه ميله إلى أوروبا غير قابل للتفاوض مع روسيا، إضافة إلى أنه محسوب على الغرب في مسيرته السياسية أيضًا.

وتشمل المشكلات العالقة مع روسيا: شبة جزيرة القرم والانفصاليين في الشرق ـ وإن كانت بدرجة بعيدة نسبيًا ـ خصوصًا أن الشرق يحتفظ بالقلب الصناعي لأوكرانيا وخسارته تعني خسارة الكثير لأوكرانيا.

2ـ العلاقة مع الاتحاد الأوروبي: خصوصًا وأن المراقبين يؤكدون أن بوروشينكو سيسعى للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، وفي حال نال عضوية الاتحاد الأوروبي فإن العلاقات مع روسيا ستسوء.

3ـ المشكلات الاقتصادية: التي تطوق أوكرانيا، والتي إذا لم يستطع الرئيس الجديد اتخاذ تدابير لازمة لحلها في وقتٍ قريب فإن شعبيته ستنخفض بسرعة، خصوصًا أنه فاز بنسبة 54% فقط، إضافة إلى سقوط شعبية الرئيس الجديد فإن المشكلات الاقتصادية تعني أن أوكرانيا ستنهار.

 

تواجه الرئيس الجديد مشكلات من الصعب حلها

 

يختلف محللون ومراقبون على الوضع في أوكرانيا، وحول ما إذا كان بوروشينكو قادرًا على العبور بأوكرانيا إلي ضفةٍ أخرى من الأمان والوحدة (عودة القرم وشرق أوكرانيا) والنهضة الاقتصادية بعد الهزة المالية العنيفة التي تعرضت لها خلال الشهور السابقة، لكنَّ رجل الأعمال مشهور بكونه إداريًا ناجحًا، فهل خبرته في إدارة شركته القابضة في أوكرانيا بنجاح، ستؤهله لإدارة أوكرانيا بنفس هذا النجاح؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام.

عرض التعليقات
تحميل المزيد