أضحت العاصمة اللبنانية بيروت مساء الثلاثاء، «مدينة منكوبة» بعد الانفجار غير المسبوق – ربما في تاريخها – والذي هز مرفأها وامتدت آثاره المدمرة في شوارع العاصمة والمناطق المحيطة بالميناء البحرى، حتى سُمع دوي الانفجار في جزيرة قبرص الواقعة على بعد 240 كم من لبنان.

وأعلن الرئيس اللبناني ميشال عون أن 2750 طن من مادة نترات الأمونيوم، كانت مخزنة بشكل غير آمن في مرفأ بيروت، هي التي سببت شدة الانفجار، الذي خلف أضرارًا هائلة في منطقة المرفأ والمناطق المحيطة، فيما ذكر رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري أن حجم خسائر انفجار مرفأ بيروت أكبر من أن توصف؛ وهو الأمر الذي يطرح تساؤلًا حول طبيعة مرفأ بيروت وأهميته الاستراتيجية للاقتصاد اللبناني.

مرفأ بيروت.. شريان لبنان الاقتصادي

افتتح مرفأ بيروت رسميًا خلال عام 1896 تحت إدارة شركة فرنسية الأصل، وذلك قبل أن يُسحب منها الامتياز عام 1960 ويُعطى لشركة تابعة للقطاع العام، وهي شركة إدارة واستثمار مرفأ بيروت، ويعد المرفأ واحدًا من أهم 10 موانئ على ساحل البحر المتوسط؛ فعلى مر العصور حظي المرفأ بأهمية تجارية كبرى بسبب موقعه الاستراتيجي على خليج سان جورج، والذي يجعله آمنًا لجميع السفن في كل الفصول، كما أنه يشكل مركز التقاء قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتبلغ مساحة مرفأ بيروت الإجمالية حوالي مليون و200 ألف متر مربع، فيما تبلغ مساحة المسطح المائي مليون و2000 متر مربع، ويتكون المرفأ من أربعة أحواض يتراوح عمقها بين 20 و24 مترًا ويبلغ عدد الأرصفة بداخله 16 رصيفًا مجهزة جميعها بمنافذ مياه لخدمة السفن، ويملك المرفأ أربعة مستودعات للبضائع العامة وثلاثة مستودعات للسيارات وثلاثة مستودعات أخرى لعمليات التجميع ومستودعًا للبضائع الخطيرة.

ويتعامل مرفأ بيروت مع 300 ميناء عالمي، ويقدر عدد السفن التي ترسو فيه بحوالي 3100 سفينة سنويًّا أما البضائع التي تدخل إليه فتمثل تقريبًا 70% مما يستورده لبنان، وتبلغ إيراداته السنوية 199 مليون دولار، ولكن هذه الإيرادات انخفضت في يناير (كانون الثاني) الماضي بنسبة وصلت إلى 31%، فبلغت إيراداته 12.37 مليون دولار.

بالنسبة لتأثيره في الاقتصاد اللبناني، فيصعب بشدة الاستغناء عن مرفأ بيروت، إذ إن البنية التحتية للمرفأ معدة خصيصًا لتكون مركزًا رئيسيًا وحيويًا للنسبة الأكبر من حركة التبادل الخارجي. كذلك تعتمد شبكة النقل المحلية على نقل البضائع إلى بيروت وجبل لبنان وباقي المناطق من خلال المرفأ، ولذلك فإن البحث عن بديل للمرفأ حاليًا، يعد بمنزلة إمكانية البقاء لدولة بأكملها؛ كانت تعتمد على هذا المكان، باعتباره جزءًا رئيسيًا من القدرة التخزينية لها.

السلع الاستراتيجية التي تضررت في مرفأ بيروت

تعرض المخزون الاستراتيجي من المواد المستوردة في مرفأ بيروت لدمار هائل، وهو الأمر الذي قد يؤثر في الإمدادات الغذائية في لبنان خلال الفترة المقبلة، إذ فقد لبنان حوالي نصف مخزون القمح الذي كان مخزنًا على الرصيف رقم 8 بالميناء الذي تبلغ طاقته الاستيعابية حوالي 120 ألف طن من الحبوب، إذ يستورد لبنان 80% من احتياجه للقمح سنويًا، وعقب الانفجار الأخير أصبح لبنان على أعتاب أزمة خبز جديدة خاصة في ظل ظروف تعليق روسيا وأوكرانيا تصدير القمح إلى لبنان في أبريل (نيسان) الماضي، إذ ارتفع سعر ربطة الخبز بعد تلك الأزمة ليتراوح ما بين 1500 إلى 2000 ليرة.

وفي ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد يصعب على لبنان استيراد القمح بسبب نقص النقد الأجنبي، ولم تنته الخسائر حتى هنا؛ فوفقًا لتصريحات وسائل الإعلام اللبنانية المحلية تعرض حوالي 90% من مستودع أدوية الأمراض المزمنة للتلف في منطقة الكرانتينا بسبب الانفجار.

ولأن المصائب نادرًا ما تأتي فُرادى، فقد زاد انفجار مرفأ بيروت، أزمتها الاقتصادية تعقيدًا؛ إذ تشهد بيروت أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود طويلة، الأمر الذي تجسد في التراجع الكبير في قيمة العملة اللبنانية، وهو ما أغرق أكثر من نصف الشعب اللبناني في براثن الفقر. وقد تسببت الأزمة الاقتصادية في ارتفاع الأسعار بسبب التضخم وتسريح عدد كبير من العمال، ومن أجل تلك الأسباب شهد لبنان في عام 2019 انتفاضة شعبية كبيرة ضد النظام السياسي الفاسد والعاجز عن حل معضلة الأزمة الاقتصادية.

كيف وصلت نترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت؟

في 23 سبتمبر (أيلول) 2013 انطلقت سفينة تُدعى «Rhosus» تحمل علم دولة مولدافا، وعلى متنها 2750 طن من نترات الأمونيوم من ميناء باتومي في جورجيا، نحو إلى موزمبيق. مرت السفينة على مرفأ بيروت ولكنها لم تستكمل رحلتها إلى وجهتها الأخيرة، بسبب بعض العيوب الفنية في السفينة.

بعد ذلك تحول الأمر إلى مشكلة دبلوماسية كبرى، فلبنان أجبر القبطان الذي كان روسي الجنسية وثلاثة من أفراد طاقمه على البقاء داخل السفينة، وزاد من تعقيد الأمر أن دائرة الهجرة منعت أفراد السفينة من دخول البلاد وهو ما دفع الطاقم إلى الاتصال بحقوقيين متخصصيين، أخبروهم أن حياتهم باتت في خطر خاصة في ظل الشحنة التي تحملها السفينة.

بعد جهود مضنية أصدرت السلطات قرارًا بمغادرة البحارة لبيروت، وتُركت الشحنة الخطيرة في مسئولية الدولة اللبنانية التي كان لزامًا عليها التخلص منها بوسيلتين؛ إما عرضها في المزاد العلني أو إتلافها بالطرق الآمنة والسليمة، لكن الحكومة اللبنانية لم تفعل أيًّا من ذلك.

هل لإسرائيل علاقة بالأمر؟

عبر حسابه الناطق بالعربية على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن دولته ستقدم مساعدات طبية وإنسانية إلى بيروت، ورغم أن الوقت مبكر جدًا على تحديد تداعيات انفجار بيروت وأسبابه ولكن بالرجوع قليلًا للوراء، نجد على موقع التواصل السابق نفسه، وتحديدًا في 23 يوليو (تموز) 2019، تغريدة للناطق باسم جيش الدفاع الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، متحدثًا عن المعابر التي تستخدم لنقل الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله، وكان من بينها مرفأ بيروت. فهل يمكن القول بأن للمخابرات الإسرائيلية صلة بهذا الانفجار المروع بشكلٍ ما؟ الأيام القادمة ربما تحمل الإجابة، وربما لا.

عربي

منذ شهر
ما الذي حدث في بيروت «المنكوبة»؟ 5 أسئلة تشرح تفاصيل الانفجار المروع

المصادر

تحميل المزيد