أخرجت إستديوهات هوليوود السينمائية خمسة أفلام من السلسلة الشهيرة «Pirates of the Caribbean» أو «قراصنة المحيط الكاريبي» في الفترة بين عامي 2003 و2011، وعلى استحياء شديد ذكرت الأفلام مدينة صغيرة تقع في جزيرة في قلب المحيط الكاريبي كان يسكنها الكثير من القراصنة تسمى «بورت رويال».

لكن ما لم تذكره سلسلة الأفلام، أن تلك الجزيرة كانت مشهورة عالميًّا كونها مركز لأكبر وأخطر جماعات القراصنة في العالم في القرن السابع عشر الميلادي، وكانت المدينة من أشهر مدن العالم وقتها، وكان يطلق عليها اسم «مدينة الشر في الأرض» بسبب الجرائم المشينة التي لا تنتهي على أرض تلك الجزيرة. وظلت المدينة تحت حكم القراصنة لقرون، حتى أدت كارثة طبيعية إلى إغراقها تحت مياه المحيط الكاريبي، لكنها مؤخرًا أصبحت مزارًا سياحيًّا عالميًّا. فما قصة جزيرة بورت رويال؟

كيف أصبحت «بورت رويال» مدينة القراصنة؟

في عام 1494 وصلت أول مركبة أوروبية إلى جزيرة بورت رويال والتي كانت تعرف في ذلك الوقت باسم «مرفأ كينجستون»، وكانت المركبة تحمل جنودًا من الجيش الإسباني الذي كان يجتاح كل شبر في القارة اللاتينية في ذلك الوقت. وجد الإسبان في بورت رويال مكانًا حيويًّا لبناء ميناء يسهل حركة السفن الإسبانية بين المستعمرات الإسبانية اللاتينية وبين الأراضي الإسبانية في أوروبا، وظل الإسبان محتلين الجزيرة لمدة 146 عامًا حتى ظهر مستعمر جديد؛ البريطانيون.

فيلم تسجيلي يحكي تاريخ «بورت رويال»:

في عام 1655 بعد أن تمكن البريطانيون من استعمار أمريكا الشمالية، شرعوا في التحرك خارج القارة، وبالتحديد إلى أمريكا الجنوبية أو أمريكا اللاتينية، وكانت جزيرة مرفأ كينجستون هي الوجهة الأولى لهم بسبب موقعها الاستراتيجي، وبعد معركة لم تكن قوية مع قوات الاستعمار الإسباني؛ تمكن البريطانيون من الظفر بالجزيرة، وتغير اسمها إلى جزيرة «بورت رويال»، وفي الحقيقة لم يكن الاسم هو الشيء الوحيد الذي غيره البريطانيون؛ بل التركيبة السكانية والاقتصادية والسياسية للمجتمع في الجزيرة.

في ذلك الوقت؛ كان الإسبان يهيمنون على القارة، فما كان من المستعمر الجديد للجزيرة إلا أن فكر في خطة قوية لحماية استعمار الجزيرة. بعد عامين من احتلال الجزيرة تحديدًا في عام 1657، دعا الحاكم البريطاني للجزيرة، إدوارد دي أولي، عددًا كبيرًا من القراصنة المشهورين.

كان من ضمنهم جماعة القراصنة الشهيرة في ذلك الوقت «إخوة الساحل»، وكان المرجو من دعوة القراصنة هو أن  يشكلوا قوة لحكومة الولاية تعمل على هدفين؛ الأول هو حماية الجزيرة من أي هجوم إسباني محتمل، والثاني هو مداهمة السفن العابرة في المحيط الكاريبي – وبالأخص السفن الإسبانية – من أجل جمع الغنائم والعملات الذهبية لصالح  المستعمر البريطاني للجزيرة.

سياسة

منذ سنتين
«سي لاند».. دولة من 3 أفراد تعادي بريطانيا وتُقلق العالم!

كان القراصنة يمتلكون نفوذًا قويًّا في الولاية؛ لدرجة أن ملك بريطانيا كان يصدر شهادة اعتماد للقراصنة تثبت أنهم تابعين للمملكة البريطانية، وأن أي عمل من القرصنة يفعله القراصنة، ما هو إلا عمل مشروع من أجل الحكومة والشعب والاستعمار البريطاني.

نجحت خطة دمج القراصنة في الجزيرة، وأصبحت بورت رويال ثاني أكبر مستعمرة بريطانية في العالم في ذلك الوقت، بعد مستعمرة بوسطن في أمريكا الشمالية، وأفضل مستعمرة بريطانية تعود على المملكة بمكاسب مالية وتجارية.

وبسبب نجاح إدارة القراصنة للجزيرة؛ شرع الكثير منهم للتعامل مع الجزيرة كأنها ملك خاص له، وتحولت الجزيرة من مدينة هادئة، إلى وكر لممارسة كافة الأعمال المنافية للآداب والإنسانية.

تقول التقارير التاريخية إن رُبع المباني في المدينة تحولت إلى حانات أو بيوت للدعارة، وأن القراصنة كانوا يتجولون ليلًا سكارى وهم يتكئون على أيدي الباغيات، وكانت شوارع المدينة يغمرها الخمر والجعة بسبب الحفلات الميدانية التي كان ينظمها القراصنة في قلب شوارع المدينة.

بالإضافة إلى كل ذلك؛ تحولت المدينة إلى مركز إلى صفقات تجارة العبيد في أمريكا اللاتينية، والتي كان ينفذها القراصنة بشكل شخصي أحيانًا، وفي أحيان أخرى لصالح الحكومة البريطانية، ويعزى لذلك أن 92% من السكان في جاميكا من الأصول الأفريقية ذوي البشرة السمراء. وبسبب كل تلك الجرائم ظلت بورت رويال تعرف بأنها «مدينة الشر في الأرض» حتى انهارت المدينة في فاجعة الزلزال الكبير في نهاية القرن السابع عشر.

الغضب الإلهي يدمر المدينة وينهي حكم القراصنة

في صباح يوم 7 يونيو (حزيران) عام 1692، وتحديدًا في الساعة 11:47 صباحًا؛ ضربت المدينة ثلاث هزات أرضية، كل منها بقوة 7.9 ريختر، متبوعة بمجموعة من الأمواج العالية التي تعرف باسم «تسونامي»، والتي اندفعت بقوة من المحيط الكاريبي إلى جزيرة بورت رويال فأغرقت أكثر من نصف المدينة  بعمق 60 قدمًا (18 مترًا) تحت سطح المحيط.

أما الخسائر البشرية؛ فقد أودى الزلزال والتسونامي بحياة ألفي شخص. ولأنه لم يكن هناك بنية تحتية قوية أو عربات إسعاف تحمل القتلى والمصابين؛ تُركت الجثث في الشوارع لتصبح غنيمة للحشرات والحيوانات، مما أدى إلى انتشار الأمراض المميتة في كافة أرجاء الجزيرة؛ وذلك أيضًا أودى بحياة حوالي 3 آلاف شخص في فترة الستة أشهر الأولى بعد الزلزال.

ومن الجدير بالذكر أن التعداد السكاني لمدينة بورت رويال في هذا الوقت كان حوالي 6500 شخص؛ وهذا يعني أنه لم يتبق فقط إلا حوالي 1500 شخص؛ وأن المدينة فقدت حوالي 77% من مجمل التعداد السكاني في ستة أشهر فقط!

رسمة تخيلية لما أحدثه الزلزال بالجزيرة

صنف أهل المدينة آنذاك ما حدث بأنه «غضب إلهي»  بسبب الكثير من الذنوب والجرائم التي كانت ترتكب بشكل فج في عصر حكم القراصنة للمدينة، تحت أعين المملكة البريطانية التي تستعمر بورت رويال. ولكن على ما يبدو أن الغضب الإلهي لم يتوقف عند حادثة عام 1692؛ لأن النيران اشتعلت في المدينة بأكملها عام 1703، وسببت خسائر فادحة.

وبين عامي 1712 و1744؛ ضربت المدينة سلسلة قوية من الأعاصير المدمرة التي دمرت ما تبقى في المدينة. حينها فقط قرر البريطانيون هجرة بورت رويال وتأسيس مدينة كينجستون، التي أصبحت فيما بعد عاصمة دولة جاميكا.

سياحة وسفر

منذ سنة واحدة
مدينة الجنس والخطيئة.. ماذا تعرف عن «لاس فيجاس» الإمبراطورية الرومانية؟

ظلت بورت رويال تعاني من الخراب والتصحر لعدم قدرة حكومة جاميكا على الاستثمار أو المحافظة على التاريخ الثقافي للمدينة؛ ولكن في مطلع الألفينيات اشتهرت جزيرة بورت رويال بين محبي رياضة الغوص في العالم، وذلك لأن الجميع يأتي إلى الجزيرة كي يرى أنقاض المدينة التي أغرقها الزلزال والتسونامي في القرن 17.

في عام 2009 أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO) جزيرة بورت رويال منطقة تاريخية ويجب الحفاظ عليها. وأعلنت برنامجًا يشمل مجموعة من الخطط التي سوف تعيد إحياء التاريخ المنسي لمدينة كانت بين الأشهر في العالم يومًا ما.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي كان سكان بورت رويال على موعد لطالما انتظروه منذ 400 عام؛ وذلك عندما وصلت إحدى السفن السياحية تقل على متنها حوالي ألفي سائح من جنسيات مختلفة، في إشارة إلى أن خطط إعادة بورت رويال إلى خريطة المدن الشهيرة في العالم؛ تسير في الاتجاه الصحيح.

وأنت عزيزي القارئ هل أعجبتك قصة بورت رويال وتفكر في زيارتها يومًا ما؟

المصادر

تحميل المزيد