تعاظمت أهمية ميناء بورتسودان، الميناء الرئيس في السودان، في السنوات الأخيرة، في ظل هرولة القوى الدولية، مثل موسكو وواشنطن؛ لعقد اتفاقيات مع النظام الحاكم الجديد بعد سقوط الرئيس السوداني، عُمر البشير، تضمن لهم الوجود في الميناء، الذي يُعد منفذًا بحريًّا على صراعات الشرق الأوسط الحالية والمحتملة.

وللميناء – الذي تحول لمورد مالي رئيسي للبلد، الذي يعيش ظروفًا اقتصادية صعبة – تاريخ مع رؤسائه، ولعب أدوارًا مؤثرة في سنوات حكم البشير الذي طوعه سياسيًّا بحثًا عن أفضل المكاسب لاستقرار وتوطيد دعائم حكمه، وإحدى وسائله في إدارة علاقاته الخارجية.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى موقع المنفذ البحري الرئيس للسودان في سياسة بلاده الخارجية خلال عهدي نظام البشير والمرحلة الحالية، وما دوافع تنافس القوى الدولية من الشمال إلى الجنوب على هذا الميناء الذي يضم أكثر من ميناء بحري.

بورتسودان.. بوابتها للشرق و«ثغرها الباسم»

على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبمسافة تبعد نحو  675 كيلومترًا عن العاصمة الخرطوم، تقع مدينة بورتسودان على ارتفاع مترين فوق سطح البحر، والتي أصبحت رمزًا للثروة والنفوذ، وذات سطوة على غيرها من مدن الساحل السوداني، بفضل مينائها خلال العقود الماضية للبلد الفقير الذي كان يأن تحت وطأة الديكتاتورية.

وميناء بورتسودان هو الميناء البحري الرئيس في السودان، جرى بناؤه بين عامي 1905 و1909 ليحل محل سواكن – الميناء العربي التاريخي المختنق بالشعاب المرجانية- ليتحول إلى المنفذ البحري الرئيس للبلد العربي في التعاملات التجارية، سواءً من خلال مرور صادرات السودان، أم استقبال الواردات، ويعد موردًا مهمًّا للعملات الأجنبية، ومؤخرًا أصبح موقعًا عسكريًّا مهمًّا في الصراعات الدائرة حوله.

وأصبح الميناء، الذي يُعد أكبر مرفأ بحري بالسودان، أيضًا، منفذًا بحريًّا مهمًّا لبعض دول الجوار المغلقة دون بحر مثل إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان، في ظل سعته الكبيرة التي تبلغ نحو 1.3 مليون حاوية سنويًّا.

وذاع صيت ميناء بورتسودان بـ«بوابة الشرق» و«ثغر السودان الباسم»؛ إذ يعد الرابط البحري للبلد العربي بالشرق الأوسط بالإضافة إلى أنه نقطة عبور رئيسية للمسلمين الأفارقة الذين يسافرون لأداء فريضة الحج السنوية إلى مكة. ويتكون ميناء بورتسودان من سبعة موانئ فرعية هي الميناء الجنوبي، والميناء الشمالي، والميناء (الأخضر)، وميناء (سواكن)، وميناء (الخير داما داما)، وميناء (أوسيف)، وميناء (هيدوب).

اكتسب الميناء أهميته من ارتفاع إيراداته خلال العقود الماضية حتى بلغت حجم الصادرات التي تُصدر من خلاله نحو 4 مليارات دولار من البضائع، فيما قُدرت الواردات السنوية التي تصله بنحو 7.5 مليارات دولار، مما جعل الميناء جزءًا لا يتجزأ من اقتصاد البلاد.

ويشكل الجانب الأكبر من موارد الميناء مصفاة النفط في الميناء التي تعمل على تكرير النفط  المنقول بشكل أساسي من جنوب السودان ، قبل شحنه إلى عدد من دول حول العالم؛ مما يساعد البلاد على جني المليارات من رسوم العبور والصادرات.

ويسع ميناء بورتسودان حوالي 400 ألف حاوية، وسط مساعٍ لدفع خطط تطوير له ليستقبل نحو مليون و500 ألف حاوية سنويًّا، كما يستقبل 80% من حركة الحاويات، بحسب أمين موسى، مدير ميناء بورتسودان السابق، وأخذت أهمية الميناء أبعادًا عسكرية واستخباراتية في السنوات الأخيرة كونه منفذًا رئيسًا على اليمن الذي يشهد حربًا، ووسيلة تراها واشنطن وبعض دول الخليج الوسيلة الأنسب لتقويض تحركات إيران لتوقيف السفن.

وتمتد هذه الأهمية للميناء للدول إلى المهام الاستخباراتية للدول؛ إذ هيأت جغرافية الميناء وظيفة جديدة له، وهي الاستطلاع المخابراتي للتحركات الدولية والإقليمية في نطاق البحر الأحمر والمحيط الهندي.

بورتسودان في ولاية البشير.. وسيلة كسب ود القوى العظمى

خلال ولاية نظام الرئيس السابق، عمر البشير، كرر الأخير منذ بداية تنصيبه في خُطبه عزمه على جعل بورتسودان أحد أكبر موانئ أفريقيا، ساعيًا أن يكون هذا الميناء وسيلة تأثير وضغط على بعض الخصوم، وكذلك وسيلة لكسب الود مع البعض الآخر.

وكان لروسيا والصين خلال ولاية البشير الحضور الأكبر في الميناء؛ إذ سعت الأولى لتوظيف علاقاتها مع الرئيس السوداني آنذاك لتأسيس قاعدة بحرية لوجيستية، بينما حظت الثانية باختيارها لإعادة تأهيل المرفأ عام 2006، وأيضًا الانتهاء من بناء محطة جديدة بسعة 800 ألف حاوية عام 2011، بمساعدة الصين مرة أخرى.

وتحول الميناء إلى وسيلة استخدمها البشير في توطيد صلاته مع بعض الحكومات العربية على رأسهم الدوحة؛ إذ منحها البشير حق امتياز ميناء سواكن، أحد موانئ بورتسودان، خلال فترة النزاع بين الدوحة والعواصم الخليجية، بينما رفض في الوقت ذاته طلب أبوظبي بالحصول على حق تشغيل ميناء سواكن.

وظهر منح البشير للدوحة حق تشغيل ميناء سواكن رسالة دعم وتأييد الدوحة على حساب العواصم العربية الأخرى التي شهدت العلاقات بينهم وبين البشير  توترًا آنذاك، وأبرزهم أبوظبي التي رفضت الخرطوم طلباتها بالحصول على حق تشغيل ميناء بورتسودان.

والاتفاق الذي وقعته الخرطوم مع الدوحة منح الأخيرة شراكة مع السودان بنسبة 49% في الميناء بعد خطة التطوير المسؤولة عنها الدوحة، بقيمة 4 مليارات دولار،  ليكون منفذًا اقتصاديًّا حديثًا لكافة السفن العابرة بالبحر الأحمر. وعلى مدار سنوات حُكم البشير، تحولت قطر إلى فاعل رئيس في السودان، وأحد الأطراف الإقليمية المهمة المؤثرة، وشهد على ذلك نجاحها في رعاية وساطة بين الحكومة السودانية ومتمردين في إقليم دارفور، في النزاع الذي اندلع بينهما، كما برزت تجاريًّا بوصفها أهم داعم مالي للخرطوم طيلة سنوات حُكم البشير؛ إذ بلغ حجم استثماراتها في عام 2017 نحو 3 مليارات دولار، وهو الرقم الذي ظل آخذًا في النمو السنوات اللاحقة.

تكرر الأمر كذلك مع تركيا، حين منحها البشير حق إعادة إحياء ميناء الجزيرة، كما ساعد ميناء بورتسودان البشير في كسب موطئ قدم ونفوذ في بعض الدول أبرزها جنوب السودان، بعدما نجح في التحكم في تدفق البترول الذي تصدره الأخيرة عبر ميناء بورتسودان، وذلك بعدما فشلت محاولات جوبا، لبناء خط أنابيب بديلًا لتصدير النفط من جنوب السودان إلى كينيا بسبب صعوبات بيئية وجيوتقنية.

ما بعد البشير.. الصراع قائم على الميناء

عقب عزل البشير، أعاد قادة النظام الجديد الحديث عن الميناء بوصفه أحد «أعمدة الخطة الإستراتيجية لحكومة الفترة الانتقالية»، و«العمود الفقري لاقتصاد البلاد»، وسط تحركات في السر والعلن على توظيف الميناء سياسيًّا؛ وسيلةً لتثبيت نفوذهم مع حلفائهم السياسيين.

كان أول هذه المساعي من جانب قادة المجلس السيادي بقيادة عبد الفتاح برهان، في إعادة إحياء اتفاق موسكو مع نظام البشير، عبر تمريره (سرًّا) دون موافقة المكون المدني في السلطة، على خلفية دعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقادة العسكريين في المجلس السيادي.

ودخلت أبوظبي على خط الصراع، حين سعت في محادثات سرية مع نائب رئيس «المجلس السيادي» السوداني، الفريق محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، لضم ميناء بورتسودان إلى قائمة الموانئ التي تسيطر عليها في أفريقيا من خلال انتزاع حق تشغيله لسنوات، من أجل التوسُّع في قطاع النفط والغاز، وزيادة النفوذ الإماراتي في المنطقة.

وكانت موانئ دبي قد قدمت أكثر من طلب ابتداءً من عام 2008، لإدارة الميناء، لتضمه إلى ثمانية موانئ على البحر الأحمر تستحوذ عليهم، لكن قوبلت طلباتها بالرفض والاستبعاد من جانب نظام البشير آنذاك. وقد ذهبت توقعات بعض المحللين في 2019، إلى أن الإمارات قد تنجح في أن تستحوذ على نصيب في ميناء بورتسودان، بسبب نفوذها «الكبير» في المجلس العسكري الانتقالي.

وإلى جانب أهمية الميناء التجارية، تٌمثل الأهمية العسكرية والاستخباراتية للميناء دافعًا رئيسًا لأبوظبي للسعي مجددًا للحصول على امتياز حق تشغيله، إذ تراه الإمارات نافذة «لاستهداف بعض التنظيمات الجهادية في المنطقة مثل جماعة الحوثي في اليمن، وحرمان بعض القوى المناوئة مثل إيران من استغلال الموانئ لتقويض أمن المنطقة»، بحسب تحليل نشره مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية.

غير أن عاملًا رئيسيًّا سيلعب دورًا في وقف منح حق تشغيل الميناء الرئيس لأبوظبي أو أي من العواصم الأخرى، تتمثل في الرفض الشعبي ومعارضة العاملين السودانيين في الميناء لخصخصته؛ تخوفًا من سير الميناء نحو الخصخصة وإمكانية إلغاء وظائف، ورفض تولي شركة أجنبية لإدارة الميناء.

وحدث ذلك حين منح نظام البشير حق إدارة الميناء الجنوبي في بورتسودان، لشركة فلبينية مقرها في دبي؛ إذ احتج العاملون، وأوقفوا العمل في الميناء، واضطر المجلس العسكري لاحقًا بعد سقوط نظام البشير، إلى فسخ الاتفاقية التي منحت الشركة الفلبينية حق امتياز في الميناء يستمر 20 عامًا مقابل 530 مليون دولار.

ودخل الصراع محطة أخرى من التنافس بعدما نجحت موسكو في انتزاع حق موافقة المجلس السيادي «سرًّا» دون علم الحكومة المدنية، على تأسيس قاعدة «عسكرية دفاعية»، ستستخدمها موسكو، محطةً لإمداد السفن الحربية الروسية، وكذلك السفن التي تعمل بالطاقة النووية، في مقابل مساعدات عسكرية يتلقاها الجيش السوداني.

ولحقت بها واشنطن، بعد شطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، عبر إرسال سفينتين عسكريتين تابعتين للبحرية الأمريكية، دون ذكر أسباب إرسالها سواء من الجانب السوداني أم الأمريكي.

من جانبه، قال عمار عوض الشريف، الصحافي السوداني، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» إن أهمية ميناء بورتسودان الكبرى تتمثل في كونه يقع على الساحل السوداني، وهو أطول ساحل على البحر الأحمر، موضحًا أن التنافس ليس على الموانئ السودانية نفسها، ولكن التنافس على طول الساحل السوداني الذي أصبح ذا بعد إستراتيجي جديد، أكثر مما مضى، بسبب مرور نصف تجارة ونفط العالم عبر هذا الممر المائي المهم، بالإضافة إلى إطلالة على أوروبا من ناحية الشمال عبر قناة السويس، وإلى أفريقيا، ومن بعده آسيا ومناطق التجارة العالمية في الصين والهند؛ إذا اتجهت السفن جنوبًا ناحية باب المندب.

وأضاف الشريف أن روسيا نجحت في تفعيل الاتفاق الذي نالت الموافقة عليه خلال عهد النظام البائد، والذي تسعي خلاله لتكرار ما فعلته في منطقة طرطوس، موضحًا أن السبب الرئيسي لموافقة البشير هو سعيه من أجل الحماية الروسية لنظامه عبر هذه الاتفاقية.

ويؤكد الشريف أن موسكو نجحت في تفعيل الاتفاقية من خلال استثمار علاقاتها القديمة مع القادة العسكريين في نظام البشير، ممن لا يزالون يشغلون مواقعَ جديدة في النظام الحالي، وهو ما يفسر على سبيل المثال تمرير الاتفاقية دون علم الحكومة المدنية، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تسعى هي الأخرى، لأن يكون لها وجود بحري في هذا الشاطئ الطويل، عبر اتخاذه مقرًّا لقيادة القوات الأمريكية في أفريقيا.

 

المصادر

تحميل المزيد