عادة، يحمل الجنود البنادق، ويحمل المتظاهرون الأزهار، ويكون الوطن موضع نزاع بين الطرفين، هكذا تكون الصورة في أغلب دول العالم، البارود ضد الورد في صراعٍ على الوطن، وغالبًا ما ينتهي الصراع بفوز الباورد وسحق الزهرات.

لكن في يومٍ مميز من تاريخ العالم انقلبت نواميس الكون فتآخت الأزهار والبارود، وتشابكت أيدي الجنود والمتظاهرين لانتزاع الوطن من أنياب الحاكم.

كان يوم 25 أبريل (نيسان) 1974 أحد أيام تفتح الأزهار في البرتغال، موسم القرنفل تحديدًا، لكنّه كان أيضًا يومًا ضاق فيه أبناء البرتغال بحكومتهم، فانتفض الجيش في موعد غير متوقع، وخرج الشعب ليضع القرنفل في فوّهات البنادق، ليؤكد الطرفان على سلمية مطالبهم، وليشكر الشعب المقهور جيشه الغاضب.

هذا اليوم، الذي قامت فيه ثورة القرنفل، سبقته رحلة طويلة من الانقلابات والصراعات الأهلية التي شهدتها البرتغال على مدار نحو 60 عامًا.

البرتغال تعتزل العالم لكن الثورات لا تعتزلها

وجد البرتغاليون ضالتهم في البحر، مكان آمن للتمدد بعيدًا عن إسبانيا القوية، ومصدر لا ينضب للثروات، سواء الثروات المستخرجة من جوفه، أو الثروات المنهوبة من السفن التي تبحر فيه، أو الثروات المُصادرة من دول المغرب العربي التي اعتادت البرتغال مهاجمة سواحلها واحتلال أراضيها وانتزاع خيراتها وإرسالها للخزائن البرتغالية التي امتلأت حتى آخرها بالثروات المنهوبة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
حين اجتاحت «أساطيل الانتقام» البرتغالي قلب العالم الإسلامي

فرح البرتغاليون بوصول قوتهم إلى ذروتها، لم يدركوا أن الذروة لا يأتي بعدها سوى الهبوط، تناحر مع الإسبان الساخطين ثم الفرنسيين ثم العثمانيين ثم البريطانيين، ضربات كثيرة خرجت البرتغال من بعضها مهزومة ومن بعضها منتصرة، لكنّها بالتأكيد خرجت منها جميعًا مُنهكة، كأسدٍ كهل ضاق ذرعًا بالشجار وبقيادة الغابة على السواء، فبات يطمح للهدوء حتى لو تخلى عن السيادة.

ظلت البرتغال طوال عقود هادئةً تتحرك في العمق الأوروبي، حتى أتى عام 1910، في ذلك العام وصلت أوروبا إلى داخل البرتغال. الحراك السياسي المناهض للملكية والمنادي بالديمقراطية ارتفع في الأرجاء الأوروبية حتى وصل إلى محطة البرتغال، زالت الملكية وعرفت البلاد أخيرًا الجمهورية البرلمانية.

بدأت الجمهورية بهدم سيطرة الكنيسة على الدولة، فهُوجم رجال الكنيسة وصودرت أملاكها، ودخلت البرتغال مرحلتها الديمقراطية الأولى. لكن تلك الديمقراطية التي استمرت 16 عامًا كانت شديدة التطرف، مثل التطرف الكنسيّ لكن في الاتجاه المضاد، حُظر الدين في المدارس، واضطُهد المتدينيون، وبات للنظام عدو في كل منزل وكل طبقة في المجتمع.

بذلك أصبحت البرتغال الهادئةُ صاحبةَ أكثر الديمقراطيات اضطرابًا في أوروبا، استحقت هذا اللقب بجدارة بسبب التطرف العلماني بجانب الانقسام السياسي وسوء الإدارة وضعف الأداء الحكومي. مقدماتٌ كثيرة لا بد أنك استنتجت أنها سوف تؤدي إلى أحد أمرين، ثورة أو انقلاب، والثاني هو ما حدث.

انقلابات أسقطت انقلابات.. وضاع الوطن

في عام 1915، قام انقلابٌ عسكري بدعوى الحفاظ على نسيج البلاد، لكن لم يكد يحكم هذا الانقلاب قبضته حتى سقط على يد انقلابٍ مضاد قاده الجمهورييون اليساريون.

وصل اليساريون إلى السلطة لكن لم يهنأوا بها، فقد أزاحهم عنها انقلاب عام 1917، الذي قاده سفير البرتغال السابق في ألمانيا، فكان انقلابًا دمويًا في بدايته ونهايته.

انتهى الانقلاب باغتيال السفير عام 1918، فقد الجميع الثقة في الثورة وفي الانقلابات على حدٍ سواء، ولم يبق سوى الحرب الأهلية ليجربوها علّ فيها الحل.

اشتعلت الحرب بين الجمهوريين والملكيين، وانتهت لصالح الجمهوريين، لكن ليس لصالح البرتغال.

ظلت البلد غارقة في الصراعات والاضطرابات، ولم تنقضِ الاضطرابات إلا بانقضاء الجمهورية بعد 16 عامًا من اتباع البرتغال نظام الجمهورية البرلمانية، وانتهت تلك الأعوام نهايةً قوية تليق باضطرابها، انقلاب عسكري بقيادة أنطونيو كرمونا عام 1926.

دخلت البرتغال بذلك الانقلاب نفقًا طويلًا، لكنّ الحقيقة أن النفق لم يكن مظلمًا بالكامل. فقد كان الجنرال يتمتع بقدرٍ من الفطنة جعله يُسند الأمر لأهله، فاستدعى رجل اقتصاد مرموقًا يُدعى أنطونيو سالازار، الذي عمل رسميًا وزيرًا للاقتصاد، لكنّه واقعيًا كان رجلًا بصلاحيات غير محدودة، وتولى لاحقًا وزارة المستعمرات في أفريقيا.

بجمع الوزارتين بات سالازار يملك الخطط الاقتصادية النظرية والتمويل الكافي لتنفيذها، فعالج الطارئ من المشكلات الاقتصادية ووضع خططًا طويلة الأمد لتطوير البرتغال حتى انتشرت شعبيته وسط الجماهير وبلغت ذروتها عام 1932، فأصبح رئيسًا للوزراء.

دعا سالازار لمرحلة جديدة تحت مُسمى الدولة الجديدة، كانت الـ«استادا نوفا»، أو دولته الجديدة، تهتم بالإصلاحات الاقتصادية وتقمع الحرية السياسية، لا أحزاب ولا صحافة ولا حرية تعبير ولا نقابات عمّالية ولا أصوات معارضة.

ولأنه لا بد من كيان سياسي في الدولة، أسس سالازار الاتحاد الوطني ليكون الكيان السياسي الأهم، والأوحد، في البرتغال. وكل الأصوات التي كانت تتحدث من خارج الاتحاد أو تنتقده كان الاتحاد يسحقها بحجة عدم العودة إلى اضطرابات وتناحر ما قبل عام 1926.

سالازار القويّ يعطي الضوء الأخضر للقمع

عام 1936 شهدت المنطقة اضطرابًا ضخمًا لكن لم يكن في البرتغال، بل في الشقيقة إسبانيا، وراهن سالازار على الجنرال الإسباني القومي فرانكو ودعمه ماديًا ومعنويًا في تلك الحرب الأهلية، بعد ثلاث سنوات من الحرب فاز فرانكو الدمويّ وأسس ديكتاتورية استمرت 36 عامًا، حتى عام 1975.

بفوز فرانكو ضمن سالازار ثبات حكومته 10 سنوات إضافية، استمر فيها سالازار في خلطته السحرية من احترام الكنيسة والمتدينين، والإصلاحات الاقتصادية التي يراها الجميع، والدعم غير المشروط من المؤسسة العسكرية له، بجانب قمع أي صوت معارض، لذا لم يكن من المتوقع أن يكون إسقاط سالازار فعلًا داخليًا بل المنطقيّ أنه سيأتي من الخارج، وقد كان.

Embed from Getty Images

بدأت حمى التحرر تسود شعوب العالم، فتعرض جنود البرتغال في مستعمراتها لمناوشات تحررية، ونجحت الهند في تحرير المستعمرات البرتغالية، أما موزمبيق وأنجولا وغينيا، فخاضوا حربًا عُرفت بالحرب الاستعمارية الكبرى؛ بدأت عام 1961 واستمرت حتى عام 1974 ضد الجنود البرتغاليين.

بخروج المستعمرات عن طواعية سالازار، فقد الرجل منابع الذهب والثروة التي تُموّل إصلاحاته الاقتصادية، بالتالي لم يعد الشعب يرى أنّ سالازار يدفع ثمنًا مناسبًا للقمع السياسي.

لمح سالازار هذا التململ الشعبي فضّم إليه وزارة الدفاع، وأعطى تصريحًا مفتوحًا للجيش البرتغالي ليفعل ما يشاء في سبيل سحق هذه التمردات. خاصةً وأن سالازار سيواجه معضلة أكبر لو نجحت حركات التحرر، فالبرتغاليون من أقدم القوى الاستعمارية ووجودهم في المستعمرات قديم كذلك، يعني أن عددهم في المستعمرات يتجاوز الآلاف ويوجد بالمستعمرة عدة أجيال متتابعة.

عقوبات العرب تشعل فتيل ثورة القرنفل

لكنّ الحرب التي بدأها سالازار للحفاظ على خزينة الدولة أنهكت الخزينة أكثر، والضوء الأخضر الذي منحه للجيش جعل الجنود يرتكبون فظائع زادت الشعوب إصرارًا على التحرر، ورغم ذلك لم يفلح الجيش في قمع الثورات، فحتى إنْ قمع مظاهرة كبرى، لن يستطيع أن يتخلص من حرب العصابات التي أرهقته واستنزفت موارده.

زاد من الضياع البرتغالي حقيقة أن سالازار خرج من المشهد عام 1968، إثر إصابته بسكتة دماغية، ففقدت الدولة أصعب أرقام المعادلة وبوصلتها الأهم طوال عقود.

اقترب عام 1974، عام ثورة القرنفل، لكن يبدو أن هذا التدهور لم يكن كافيًا ليبلغ الغضب الشعبي ذروته، فأتت الضربة القاضية من العرب في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.

كانت الجزر البرتغالية محطة توقف للجسر الجوي الأمريكي الداعم لإسرائيل في حرب أكتوبر (تشرين الأول)، فطالتها العقوبات العربية بقطع النفط، وكان هذا الحظر المسمار الأخير في نعش الدولة الجديدة التي أسسها سالازار، وانفجرت أصوات الغضب في 25 أبريل (نيسان) 1974.

Embed from Getty Images

كان سبب الانفجار قرابة 300 ضابط من الجيش البرتغالي، خرجوا للشوارع وأحكموا سيطرتهم في وقت بسيط على المرافق الحيوية كالإذاعة، وتوجه بعضهم لمقر رئيس الوزراء، كايتانو، وقبضو عليه وأرسلوه منفيًا إلى إحدى الجزر البرتغالية. رغم أن الـ300 ضابط كانوا من الرتب الصغيرة وتحركوا بوازع شخصي إلا أن استجابة الجميع لهم كانت سريعة، ما كشف عن حجم الغضب الكامن في صدور البرتغاليين جميعًا.

انقلاب غريب.. ثورة القرنفل تعيد السلطة للشعب

بدأت ثورة القرنفل بانقلاب قام في عام 1974، بلا مواجهات، وبلا ضحايا، فيما تقول بعض الروايات إن أربعة مدنيين سقطوا برصاص الشرطة السرية، والأهم أن الشعب خرج فورًا يُعلن دعمه الكامل لتلك الحركة ويساندها في الشوارع.

ازدادت الأعداد حين أعلن الانقلابيّون أنهم يختلفون عن كل الانقلابات السابقة، وتتلخص أهدافهم في إنهاء الحروب العديدة التي تخوضها البرتغال، وفتح المجال الديمقراطي.

كانت لحظةً استثنائيةً في تاريخ البرتغال، اتحدت فيها جميع القوى والأيدلوجيات على مطلب واحد؛الديمقراطية.

أسس الانقلابيون، الذين أصبحوا ثوارًا، «مجلس الخلاص الوطني» الذي أهدى رئاسة البلاد للجنرال سبينولا الذي يُقدّسه البرتغاليون. وبدأ المجلس في منح المستعمرات الأفريقية استقلالها تباعًا، وفتحوا الأبواب أمام تأسيس الأحزاب وأزالوا العوائق التي كانت قائمة في سبيل حرية الصحافة.

اختلف سبينولا البطل مع رجاله، فكان رافضًا لمنح المستعمرات استقلالها بتلك السرعة دون عقد استفتاءات تسأل ما إذا كانت الشعوب تريد الاستقلال أم لا، شهور بسيطة واستقال الرجل في سبتمبر (أيلول) عام 1974. لكنّه عاد للمشهد في مارس (آذار) عام 1975، لم يكن سلميًا هذه المرة فقاد انقلابًا مضادًا، لكن فشل انقلابه ولم يجد مفرًا من الهروب خارج البلاد والاختفاء من المشهد للأبد.

يبدو أن لحظة ثورة القرنفل كانت حدثًا فريدًا ونادرًا لا يتكرر، فقد عادت البرتغال لعادتها في المشاكل والنزاعات. فحين وصل البرتغال نصف مليون برتغالي من المستعمرات المُستقلة عام 1975، ظهرت مشاكل اقتصادية وسياسية بسبب النزاع على طريقة الحكم بين الاتجاه الليبرالي والاتجاه اليساري. اليساريون هم من سيطروا واتخذوا إجراءات شديدة مثل تأميم المصانع، فانتشرت الإضرابات العمالية في كل مكان.

أخيرًا.. مرحلة الرئيس الذي يرتدي الشورت ويلتزم بالطابور

توصل الطرفان لضرورة عقد انتخابات تختار جمعيّة تأسيسيّة لوضع دستور جديد للبلاد، جرت الانتخابات لكن لم تهدأ الاضطرابات. تفاقم الأمر حتى وصل للتشابك بين الطرفين، وسقط قتلى من الطرفين. لاح في الأفق انقلاب تنظمه عناصر يسارية عسكرية، لكن تصدى له عسكريّون من خلفية ليبرالية، فشعر اليسار أنه لم يعد بالقوة الكافية للاستمرار في الحكم، فآلت الأمور إلى الانتخابات عام 1976.

Embed from Getty Images

فاز بالرئاسة أنطونيو رماليو، الجنرال الذي تصدى لانقلاب اليسار، أما البرلمان فلم تحظ أي فئة بالأغلبية، بالتالي لم توجد في البرتغال طوال سنوات حكومة قوية تستطيع اتخاذ قرارات حقيقية.

لكن في عام 1980، نجح تحالف بين اليمين والوسط في حيازة الأغلبية البرلمانية، فمضى في سبيل الإصلاحات المتممة للتحول الديمقراطي، إلا أنها وللغرابة الشديدة أعطت الجيش حق الاعتراض على التشريعات الدستورية.

بعد ست سنوات من الإصلاحات فاز ماريو سورس، المحامي اليساري، بالرئاسة ليصبح أول رئيس مدني منتخب للبرتغال.

ظل سورس في منصبه 10 سنوات كاملة بانتخابات نزيهة كل مرة، ويعرفه البرتغاليون اليوم باسم والد الديمقراطية المعاصرة. في تلك السنوات أُعيدت صياغة الدستور عدة مرات وأُزيح الجيش من المشهد السياسي وسُلب كل الامتيازات الدستورية، وبات النظام الرئاسي مناصفة بين الرئيس ورئيس الوزراء ويتنافس على مقاعد البرلمان أحزاب كبرى ذات قواعد جماهيريّة حقيقيّة.

تاريخ

منذ 9 شهور
إمبراطورية البرتغال.. كيف صنع البحر واحدة من أطول إمبراطوريات التاريخ؟

خاضت البرتغال رحلة طويلة كي تصل إلى مرحلة الرئيس مارسيلو دي سوزا، الذي وصفته وسائل الإعلام العالمية بالرئيس الأكثر استرخاءً في العالم، فكان دائمًا ما ترصده وسائل الإعلام مرتديًا بنطالًا قصيرًا، يقف في طوابير المحال التجارية، ينتظر دوره بهدوء وسلاسة.

كانت أهم محطات تلك الرحلة هى ثورة القرنفل، لذا ليس مفاجئًا حرص البرتغاليين على إحياء ذكراها حتى في ظل جائحة كورونا. فخرجوا للنوافذ حاملين أزهار القرنفل ينشدون أغنية غراندولا فيلا مورينا، رمز ثورتهم وانقلابهم على النظام الديكتاتوري، فقد تزامن الانقلاب مع بدأ مسابقة «يوروفيجين» للأغاني وبث الأغنية البرتغالية.

المصادر

تحميل المزيد