قد تعرف أن الأشجار في الشوارع ضرورية لبعض الأهداف الصحية؛ إذ تمتصُّ تسعة أضعاف الملوثات أكثر من الأشجار البعيدة، وتحوِّل الهواء السام مرة أخرى إلى أوكسجين وغازات أخرى مفيدة وطبيعية، ولكن لأشجار الشوارع أهمية في دعمها وتعزيزها لصحتك العقلية أيضًا.

وأظهرت الأبحاث أن السكن في المدينة مرتبطٌ بارتفاع مخاطر الإصابة بالاكتئاب والقلق، ووجدَ الباحثون أن أصغر المساحات الخضراء الحضرية المتعمدة، مثل أشجار الشوارع، يمكن أن تفيد بشكل كبير في الشفاء العقلي، وفي السطور التالية نتعرّف أكثر على أهمية الأشجار في الشوارع، وأثرها على الصحة العقلية.

تلوث الهواء والإصابة بالاكتئاب والقلق

يُسبب تعرّض الناس لمُلوثات الهواء لفترات طويلة إصابتهم بالاكتئاب والقلق، ووجد باحثون، في دراسة أُجريت على البالغين في بريطانيا، أنَّ الزيادة الدائمة في ثاني أكسيد النيتروجين، الذي تخلّفه بشكل كبير مركبات الديزل، يزيد بنسبة 39% من خطر الإصابة باضطرابات نفسية شائعة، وأما بالنسبة للتلوّث الذي ينتج عن احتراق الوقود، وغبار الفرامل والإطارات، فيزيد من خطر الإصابة بهذه الاضطرابات بنسبة 18%.

ووجدَ الباحثون أن الأشخاص الذين يعيشون في أماكن بها مستويات أعلى من بعض أنواع تلوث الهواء أكثرُ عرضة للإصابة بمشاكل الصحة العقلية، ويقول الدكتور إيان مودواي، المحاضر في «إمبريال كوليدج لندن» وعضو فريق البحث، لصحيفة «الجارديان» البريطانية: إنّ معدلات اضطرابات الصحة العقلية معروفةٌ بأنها أعلى في المناطق الحضرية، والأسباب المُحتملة وراء هذا تشمل الحرمان من المساحات الخضراء ونقصها.

ويُضيف مودواي: «هناك الآن مجموعة متزايدة من الأدلة التي تُشير إلى أن تلوث الهواء ضارٌ بالدماغ أيضًا، وقد لا تستطيع الدراسات الوبائية إثبات وجود صلة سببية بين تلوث الهواء ومشاكل الصحة العقلية، ولكن جرى ربط مجموعة واسعة من الحالات النفسية بالالتهابات في الجسم، بما في ذلك التهاب الدماغ، وهو ما يجعل هناك اتصالًا واضحًا بين تلوث الهواء والإصابة بالاضطرابات العقلية».

تأثير الأشجار في الشارع على الصحة العقلية

تروي سيلينا أوينز، مطورة تكنولوجيا المعلومات بولاية ماريلاند، تجربتها مع تأثرها نفسيًا بوجود أشجار في الشارع، فخلال أيام عملها في الضواحي المورقة بمقاطعة قريبة يتحسن مزاجها بشكل كبير، وتقول عن هذا: «على الرغم من أنني كنت لا أزال أتعامل مع الأشياء ذاتها في البيت والعمل، فإنني بدأت أشعر بالهدوء والراحة».

Embed from Getty Images

أما في طريق العودة إلى المنزل بالحي الذي لا توجد فيه أشجار تقريبًا يتبخر هذا الشعور، وتقول سيلينا عن هذا: «كلما اقتربت من منزلي شعرت بالاكتئاب أكثر، ويبدأ هذا الشعور الغامر بالثقل في السيطرة».

كثيرًا ما اشتُبه في أن للأشجار تأثيرًا إيجابيًا على السعادة العامة لسكان المدن، ولكن لسنوات عديدة ظل الارتباط بين الأشجار الحضرية والصحة العقلية بدون إثبات علمي، إلى أن قدّم الباحثون في ألمانيا الآن أدلة ملموسة على العلاقة بين الأشجار والصحة العقلية.

استطاع الباحثون ذلك بدراستهم للعلاقة بين مضادات الاكتئاب التي تُصرف بوصفة طبية، وغطاء الأشجار في مجموعة من الأحياء. سمحَ استخدام آلية «مُضادات الاكتئاب» للباحثين بتجنب أوجه القصور في الدراسات السابقة التي اتخذت مناهج مختلفة في كيفية تحديد وقياس الصحة العقلية.

توصل البحث إلى أن رؤية الأشجار في الشارع بشكل يومي قد يُقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بالاكتئاب، والحاجة إلى مضادات الاكتئاب، وحلّل الباحثون البيانات التي جُمعت من 10 آلاف من سكان مدينة لايبزيج الألمانية، خلال دراسة الحياة الصحية للبالغين في جامعة المدينة، وهي دراسةٌ شاملة أجريت بين عامي 2011 و2014، أبلغَ المشاركون عن مجموعة واسعة من التفاصيل الصحية عن حياتهم، بما في ذلك علاجاتهم الطبية، وبدمج هذه البيانات مع عدد وأنواع أشجار الشوارع في جميع أنحاء المدينة، استطاع الباحثون أن يوضّحوا بشكل أفضل العلاقة بين تواجد الأشجار وبين الصحة العقلية.

ووجدت الدراسة أن وجود المزيد من الأشجار على بعد 100 متر من المنزل، يرتبط بانخفاض خطر استخدام مضادات الاكتئاب، وأفاد الباحثون أن «هذا الاتصال اليومي مع الطبيعة القريبة، إما من خلال نافذة في المنزل، أو في الشارع، ثبت أنه مفيد للصحة العقلية».

وقادت البحث أستاذة علم النفس ميليسا مارسيلي، ووفقًا لبحثها لم يكن لاختلاف أنواع الأشجار فرق، ولكن لاختلاف عددها أثر واضح.

وتُضيف الدكتورة ديانا بولر، محللة البيانات في الفريق البحثي الذي أنتج الدراسة: «معظم إرشادات التخطيط للمساحات الخضراء الحضرية غالبًا ما تستند إلى زيارات هادفة للترفيه، ولكن دراستنا تُظهر أن مُجرد رؤية الطبيعة اليومية القريبة من المنزل، التي تخلق التنوع البيولوجي الذي تراه من النافذة، أو عند المشي، أو القيادة إلى العمل، أو المدرسة، أو التسوق، هي أمر مهم للصحة العقلية».

علوم

منذ 4 سنوات
الحياة الاجتماعية لـ«الأشجار».. كيف تشعر وتتألم وتكوِّن صداقات؟

التركيزُ على أشجار الشوارع، بدلًا عن الحدائق أو الأنواع الأخرى من المساحات الخضراء، كان مقصودًا خلال الدراسة، ففي حين أن زيارة المنتزه غالبًا ما تتطلب تخطيطًا مسبقًا، أما الأشجار المزروعة في الشوارع فيمكن للإنسان التفاعل معها بسهولة ومُباشرة، حتى دون انتباه منه، أثناء المشي في الحي، أو من خلال نوافذ المنزل، وهذا يجعل الاتصال اليومي مع الطبيعة أكثر سهولة.

بول ألت، مهندس معماريّ أمريكي، متخصص في تصميم وتخطيط البيئات العلاجية، يشيرُ إلى أن التعرّض لضوء الشمس والمناظر الطبيعة هي سمات التصاميم التي تُسهل الشفاء، ويقول: «ما يعنيه هذا هو أنه إذا تعرّض الفرد للطبيعة، فإن معدل ضربات القلب وضغط الدم ينخفضان؛ مما يسمح للجسم باستعادة حيويته بشكل أسرع، وإذا كنت عالقًا في ازدحام مروري في شارع مليء بالأشجار والزهور، فستكون مستويات القلق لديك أقل من مستوى قلق الشخص الذي علق في ازدحام مروري على طريق سريع» بلا أشجار.

فوائد أخرى للأشجار في الشارع

هناك العديد من الفوائد التي يُمكن أن يُحققها وجود الأشجار في الشارع، مثل:

  • تنظيم درجة الحرارة

تُقلل الأشجار من سرعة الرياح، وتوفّر الظل في الصيف، ولتبخر الماء من الأوراق أيضًا تأثير إيجابي على تبريد الهواء المحيط.

Embed from Getty Images

  • الحدّ من ظاهرة الاحتباس الحراري

تمتصُّ المباني الحرارة وتخزنها أثناء النهار لتطلقها في الليل، وقد تنخفض الحرارة من خمس إلى 15 درجة عند المشي في الشوارع التي بها أشجار، وعلى النقيض من ذلك من المعروف أن الطرق المعبدة، والشوارع الخرسانية، ومواقف السيارات، تزيد من درجات الحرارة في المناطق الحضرية بمقدار ثلاث إلى سبع درجات.

  • تباطؤ حركة المرور

أفادت دراسة أجرتها ولاية ميشيجان عام 2006 أنّ استخدام الأشجار على حافة الطرق أدى إلى خفض متوسط ​​السرعات بمقدار سبعة إلى ثمانية أميال في الساعة، تؤثر الشوارع التي تحوي أشجارًا على إدراك السائق لعرض الممر؛ ما يُحدثُ «تأثير الحافة»، وهو دافع نفسي للتحرك بشكل أبطأ.

  • زيادة إنتاجية العمل

توصلت دراسة لباحثين من جامعة ميشيجان أيضًا إلى أن العاملين في المكاتب الذين يمكنهم رؤية مناظر طبيعية من مكاتبهم يأخذون إجازة أقل بنسبة 23٪ من أولئك الذين لا يستطيعون النظر إلى أي مشهد طبيعي.

المصادر

تحميل المزيد